بعد أن دمره نظام الأسد.. هل تنجح سوريا الجديدة في إعادة الحياة للنظام التعليمي؟

إيطاليا تلغراف متابعة

خاصة وأن التعليم في سوريا يعتبر منظومة تحمل إرثا من الفساد والتدجين للطلاب امتد لعقود، وفق ما ذكره الأستاذ الجامعي ياسين جمول.

ويرى الدكتور جمول أن الخراب في المنظومة التعليمية السورية لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاج “هندسة مجتمعية” خبيثة صممها نظام الأسد الأب ومن بعده الابن، فالتعليم في حقبة البعث لم يكن يهدف إلى تخريج جيل مبدع أو ناقد، بل صُمم كآلة لتدجين العقول، تبدأ من حشر الأطفال في طلائع البعث مرورا بعسكرتهم في شبيبة الثورة، وصولا إلى مراقبتهم استخباراتيا عبر الاتحاد العام للطلبة.

“لقد تم تشويه التاريخ والمناهج لشيطنة كل ما يسبق عام 1970، وربط مفهوم الوطن بشخص الرئيس القائد، مما أنتج هوية حزبية مشوهة حلت محل الهوية الوطنية الجامعة”، بحسب الدكتور جمول.

ووفق تصريحات الأستاذ الجامعي جمول لبرنامج (ملفات) الذي تنتجه منصة سوريا الآن، فإن هذا التأسيس الأيديولوجي المشوه أفرز نظاما تقييميا وصفه جمول بـ “الكابوس”، متجسدا في امتحان الثانوية العامة أو ما يعرف بـ (البكالوريا).

فبدلا من أن يكون تقييما علميا، تحول إلى أداة عقابية تحدد مصير 12 عاما من الدراسة in بضع ساعات، مما يضع العائلات السورية تحت ضغط نفسي ومادي هائل، حيث تُستنزف مدخرات الأسر على الدروس الخصوصية خوفا من تعثر أبنائهم.

وقد اقترح الضيف، خلال الحلقة التي يمكنكم مشاهدتها كاملة هنا، في هذا السياق ضرورة الانتقال إلى التقويم المستمر، واعتماد امتحانات قبول جامعية منفصلة ومتخصصة لكل كلية على حدة، أسوة بالتجارب العالمية الرائدة.

ولا يقف الخلل عند الامتحانات، بل يمتد إلى قاعات الجامعات ومدرجاتها التي تعاني من جمود أكاديمي قاتل، حيث أشار الدكتور جمول إلى مفارقة وصفها بأنها “مبكية مضحكة”، حيث لا تزال بعض الجامعات تدرّس مقررات هندسية وأدبية صُممت في السبعينيات ولم تتغير منذ 30 عاما، وتفتقر لأبسط مهارات الحياة ومهارات التفكير.

وحمّل جمول مسؤولية هذا الجمود لإدارات الجامعات والأساتذة الذين آثروا البقاء فيما وصفها بـ”منطقة الراحة”، متخفين خلف ذريعة انتظار موافقة الوزارة، ومكرسين بذلك عقلية المركزية والبيروقراطية التي ورثوها عن النظام السابق، رغم امتلاكهم اليوم لهامش واسع من الحرية لتحديث المناهج وابتكار طرق تدريس جديدة، على حد قوله.

المعلم السوري

وفي معرض حديثه عن تدهور جودة التعليم، دافع جمول بشراسة عن المعلم السوري، رافضا إلقاء اللوم عليه في انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية أو تدني مستوى الشرح في الصف المدرسي.

وأوضح أن المعلم هو ضحية لمنظومة فاسدة تدفع له راتبا لا يتجاوز 90 دولارا، وتزج به في مدرجات جامعية تضم 1500 طالب أو صفوف مدرسية مكتظة يضطر فيها الطلاب للجلوس على الأرض لغياب المقاعد، هذا بالإضافة إلى تجاهل المنظومة للطلاب العائدين من دول اللجوء وعدم توفير برامج دمج لغوية وتعليمية لهم، مما جعل بيئة المدارس بيئة طاردة لا تحقق أدنى متطلبات الانتماء.

وقد انعكس هذا الانهيار البنيوي والمنهجي على المؤشرات العالمية، حيث أكد جمول أن سوريا اليوم باتت “خارج التصنيف” في مؤشرات جودة التعليم وفقر التعلم، فلا توجد أرقام تعكس حقيقة قدرة الطفل السوري على القراءة والفهم، بعد أن دُمرت أكثر من 7000 مدرسة وبات الملايين خارج مقاعد الدراسة.

أما عن خارطة الطريق للإصلاح، فقد شدد الأكاديمي السوري على أن الحل لا يكون بقرارات ترقيعية، بل بقرارات جذرية وشجاعة.

وطالب بتأسيس “مجلس أعلى للتربية والتعليم” ليكون مظلة وطنية مستقلة ترسم السياسات بعيدا عن التجاذبات السياسية، مع ضرورة إيجاد مصادر تمويل مستدامة ومستقلة للتعليم، مقترحا إحياء نظام الوقف التعليمي لحماية الجامعات والمدارس من ارتهانها لتقلبات الدعم الخارجي أو الميزانيات الحكومية الهزيلة.

ورغم قتامة المشهد وحجم الركام، ختم الأستاذ الأكاديمي ياسين جمول حديثه بنبرة يملؤها الأمل واليقين بـ “الرأسمال البشري السوري”.

وأكد أن الطالب السوري يمتلك جينات الإبداع والتميز، مستشهدا بتصدر الشباب السوريين لقوائم التفوق في جامعات تركيا وأوروبا ومختلف دول اللجوء بمجرد خروجهم من عباءة المنظومة الفاسدة وحصولهم على بيئة تعليمية صحية، مما يثبت أن سوريا الجديدة قادرة على النهوض مجددا إذا ما نجحت في بناء منظومة تعليمية تحترم العقل وتبني الإنسان.

وتشير تقارير المنظمات التابعة للأمم المتحدة عام 2023 إلى أن 18% من الأطفال السوريين غير ملتحقين بالمدارس، فهنالك أكثر من مليوني طفل سوري تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاما لم يلتحقوا بالمدرسة.

وفقا لتقديرات تلك المنظمات، لم تعد لدى المدارس القدرة اللازمة لاستيعاب الطلاب، كما تفتقر هذه المدارس إلى الحد الأدنى من شروط العملية التعليمية، وذلك بسبب اكتظاظ الطلاب داخل الفصول، ونقص الأثاث المدرسي واللوازم المدرسية، وندرة توفر المواد اللازمة للتدفئة والإنارة الجيدة، بالإضافة إلى تلف الحمامات ومرافق الصرف الصحي.

كما تُظهر البيانات الرسمية -وفق منظمات الأمم المتحدة- ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس، حيث تشير البيانات إلى أن عدد الأطفال المسجلين في الصف الابتدائي الأول وصل في عام 2011 إلى أكثر من 726 ألف طفل، ومع نهاية عام 2019 كان العدد لا يتجاوز 434 ألفا، أي أن هنالك انخفاضا بنسبة تصل إلى 40%.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...