الاقتصاد الإسباني و”الارتهان” بالسوق المغربية.. مبادلات تجارية تتجاوز 22 مليار يورو ومقاولات تستفيد من صفقات البنى التحتية وأوراش المونديال

إيطاليا تلغراف متابعة

بينما تتعالى في إسبانيا أصوات محذرة من تنامي حضور المنتجات الفلاحية المغربية في الأسواق الأوروبية، تكشف طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين أن المنافسة في قطاع الفلاحة ليست سوى جزء من صورة أوسع، تتداخل فيها المصالح التجارية والاستثمارية، وتستفيد فيها الشركات الإسبانية بدورها من أهمية السوق المغربية ومن الأوراش التي تشهدها المملكة.

هذا الملف عاد إلى الواجهة بالتزامن مع الأزمة التي تلت الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة أواخر يوليوز الماضي، من طرف مهاجرين غير نظاميين، والتي يحركها أساسا اليمين الإسباني والمؤسسات الاقتصادية التي تدور في فلكه، وهو ما يبرز بشكل أوضح في مقال نشرته صحيفة El Economista تحت عنوان “الغزو الآخر الذي يقف وراءه المغرب”، منتقدا تنامي الواردات الفلاحية المغربية والمنافسة التي يواجهها المنتجون الإسبان.

وبحسب ما جاء في المقال فقد رفع المغرب صادراته من البطيخ الأحمر إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 14 في المائة خلال النصف الأول من السنة، لتقترب الكمية من 149 ألف طن، مركزاعلى ما يعتبره اختلافا في المتطلبات المفروضة على المزارعين الأوروبيين مقارنة بالمنتجات القادمة من دول ثالثة. 

غير أن توسيع زاوية النظر إلى المبادلات بين ضفتي مضيق جبل طارق يكشف أن المنتجات المغربية ليست وحدها المستفيدة من انفتاح الأسواق بين البلدين، إذ يمثل المغرب في المقابل سوقا رئيسية للمنتجات والشركات الإسبانية.

وتظهر أحدث معطيات الفيدرالية الإسبانية لجمعيات منتجي ومصدري الفواكه والخضروات “FEPEX” أن المغرب حافظ خلال النصف الأول من 2026 على موقعه كأول مورد لإسبانيا من حيث قيمة وارداتها من الخضر والفواكه من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بعدما بلغت قيمة المشتريات الإسبانية منه 950 مليون يورو، بارتفاع نسبته 6 في المائة على أساس سنوي، رغم تراجع الكميات بنسبة 7 في المائة إلى 351 ألفا و118 طنا. 

لكن هذه القوة التصديرية للمنتجات الفلاحية تقابلها تدفقات تجارية مهمة في الاتجاه المعاكس، فقد اختار النائب الأول لرئيس الحكومة الإسبانية ووزير الاقتصاد والتجارة والمقاولات، كارلوس كويربو، أمس الإثنين، وضع حجم المصالح الاقتصادية مع المغرب في سياقه، مؤكدا أن صادرات الشركات الإسبانية إلى المملكة تتجاوز 12 مليار يورو، مقابل نحو 16 مليار يورو تصدرها إسبانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وقال كويربو، خلال مشاركته في لقاء “Los Desayunos de EFE y RTVE”، المنظم من طرف وكالة الأنباء وشبكة الإذاعة والتلفزيون العموميتين في إسبانيا، إن المقارنة بين 12 مليار يورو الموجهة إلى المغرب و16 مليارا إلى الولايات المتحدة تعطي فكرة عن أهمية علاقة الشركات الإسبانية بالاقتصاد المغربي، وعن أهمية مواصلة تطوير سياسة تعزز حضور المنتجات والشركات الإسبانية في هذه السوق. 

وجاءت تصريحات المسؤول الإسباني في خضم الجدل السياسي الذي أعقب أحداث سبتة، إذ رفض التكهن بالإجراءات التي يمكن أن تتخذها مدريد في حال ظهور أدلة بشأن “مسؤولية” المغرب عن الوصول الجماعي للمهاجرين غير النظاميين، مع تشديده في الوقت نفسه على أهمية العلاقات التجارية والاقتصادية والمالية بين البلدين وضرورة قيامها على المعاملة بالمثل. 

ولا تقف أهمية العلاقة عند الصادرات الإسبانية وحدها، فبحسب وزارة الاقتصاد والتجارة والأعمال الإسبانية، يتجاوز حجم المبادلات التجارية السنوية بين المغرب وإسبانيا 22,5 مليار يورو، فيما يسجل الميزان التجاري فائضا يتجاوز 3 مليارات يورو لصالح إسبانيا.

وتشير الوزارة إلى أن الصادرات الإسبانية إلى المغرب سجلت خلال سنة 2024 نموا يقارب 6 في المائة، معتبرة المملكة واحدة من الوجهات التي حققت فيها المبيعات الإسبانية الخارجية أكبر الزيادات. 

كما يمتد هذا الارتباط إلى الاستثمار وحضور الشركات، إذ تفيد المعطيات الرسمية الإسبانية بوجود أكثر من 350 شركة إسبانية مستقرة في المغرب، تنشط خصوصا في قطاعات الطاقة والبنيات التحتية وصناعة السيارات والبنوك والتكنولوجيا. 

وتعتبر مدريد المغرب أول وجهة للاستثمار الإسباني في إفريقيا، بمخزون استثمارات يقارب ملياري يورو، ساهم في خلق 27 ألفا و655 منصب شغل. 

وتتجسد استفادة الاقتصاد الإسباني من السوق المغربية أيضا في أوراش البنيات التحتية التي تنفذها المملكة، والتي تنظر إليها مدريد باعتبارها مجالا لتوسيع حضور شركاتها، خصوصا مع المشاريع المرتبطة بتحديث البنية التحتية والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، المشروع المتعلق باقتناء المغرب 40 قطارا بين المدن، والذي يغطيه تمويل تتجاوز قيمته 750 مليون يورو عبر صندوق تدويل المقاولة الإسباني “FIEM”، في إطار اتفاق بين البلدين.

وفازت شركة “CAF” الإسبانية بصفقة المشروع، في أول عقد لها بالمغرب، لتوفير قطارات قادرة على السير بسرعة تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة. 

وتكشف وزارة الاقتصاد الإسبانية أن انعكاسات الصفقة لن تقتصر على المغرب، إذ يُتوقع أن توفر في إسبانيا نفسها ألف وظيفة مباشرة سنويا ونحو 3 آلاف وظيفة غير مباشرة سنويا.

ويبرز الحضور الإسباني كذلك في مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، الذي يقوده تحالف يشمل شركة “Acciona” الإسبانية، باستثمار إجمالي يبلغ 6,5 مليارات درهم، أي نحو 613 مليون يورو.

وتبلغ الطاقة الإنتاجية المرتقبة للمحطة 300 مليون متر مكعب من المياه سنويا، لتلبية احتياجات نحو 7,5 ملايين شخص والاستخدام الزراعي المحتمل، فيما تتولى “Acciona” بناء المنشأة وتشغيلها وصيانتها لمدة 27 عاما. 

وتكتسب الصفقة دلالة إضافية بالنظر لحجم انخراط مدريد فيها، إذ تؤكد وزارة الاقتصاد والتجارة والأعمال الإسبانية أن الحكومة تدعم المشروع بنحو 340 مليون يورو من التمويل العمومي، عبر صندوق تدويل المقاولة “FIEM” وتأمين ائتمان تديره “CESCE”، إلى جانب تمويل من صندوق الاستثمارات في الخارج الذي تديره “COFIDES”.

وترى الحكومة الإسبانية نفسها في تحديث البنيات التحتية المغربية مجالا لفرص جديدة أمام مقاولاتها، إذ سبق لكتابة الدولة للتجارة أن أبرزت أن الشركات الإسبانية يمكنها توظيف خبرتها في الأوراش التي يطلقها المغرب، ولا سيما في النقل والرقمنة والسياحة، مستشهدة بمشروعي تحلية مياه الدار البيضاء والقطارات بين المدن.

وإذا كان اليمين واليمين المتطرف الإسبانيان، ممثلين أساسا لالحزب الشعبي وحزب “فوكس”، يروجان منذ أزمة اقتحام سبتة لـ”ضرورة” إبعاد المغرب عن التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 الذي تشارك فيه البرتغال أيضا، فإن حكومة بيدرو سانشيز لا ترى ذلك، بل إن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تعني خسارة الاقتصاد الإسباني لفرص هائلة.

ففي فبراير من سنة 2024، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، خلال زيارة إلى الرباط، أن الاستثمارات الإسبانية المتوقعة في المغرب قد تصل إلى نحو 45 مليار أورو في أفق سنة 2050، مؤكدا أن بلاده باتت تشكل “شريكا مرجعيا” للمملكة، في ظل التطور الإيجابي الذي تعرفه المبادلات التجارية بين البلدين.

وأكد سانشيز، خلال ندوة صحفية عقدها في ختام زيارة العمل لتي قام بها للمغرب، أن الشراكة الاقتصادية بين الرباط ومدريد مرشحة لمزيد من التوسع، خصوصا مع اقتراب تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

وأشاد رئيس الحكومة الإسبانية بالجهود التي يبذلها المغرب لتحديث اقتصاده، مبرزا في المقابل مساهمة الشركات الإسبانية في هذه الدينامية، لاسيما في قطاعات النقل والطاقات المتجددة وتدبير الموارد المائية، وهي مجالات اعتبرها من أبرز واجهات التعاون الاقتصادي بين البلدين.

واعتبر سانشيز، حينها، أن التحضير المشترك لمونديال 2030 يمثل نموذجا ملموسا لجودة العلاقات المغربية-الإسبانية، وللرغبة المشتركة في مواصلة تنفيذ خارطة الطريق الثنائية التي اعتمدها البلدان سنة 2022.

وأكد رئيس الحكومة الإسبانية أن تنظيم كأس العالم يمثل تحديا استثنائيا، لكنه يشكل في الوقت نفسه فرصة لتعزيز أسس الصداقة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، وبعث “رسالة جد إيجابية” إلى العالم تقوم على التعاون وحسن التنظيم والأخوة بين البلدان الثلاثة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...