هناك حروب تنتهي حين تتوقف المدافع، وحروب تستمر آثارها طويلا بعد ذلك؛ في الاقتصاد والسياسة والأمن والإعلام، وفي الطريقة التي تنظر بها الدول إلى مصالحها وموقعها في العالم.
والحرب التي تعيشها المنطقة اليوم لم تنته بعد، لكن هذا لا يمنع من قراءة ما كشفته حتى الآن. فالأزمات الكبرى تمنح الدول فرصة نادرة لرؤية نقاط الضعف التي تختفي في الظروف الطبيعية، وتمنحها كذلك فرصة لإعادة بناء خياراتها قبل أن تأتي الأزمة التالية.
وقد سبق أن مر الخليج باختبار مشابه، وإن كان مختلفا في طبيعته، خلال أزمة كورونا. يومها اكتشفنا أن قطاعات تبدو قوية ومزدهرة في الظروف العادية يمكن أن تتعطل في أسابيع: الطيران، والسياحة، والفنادق، والفعاليات، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة. وكان الدرس الأهم أن الاعتماد على مسار واحد، مهما بدا آمنا، يحمل مخاطرة كبيرة.
من هنا تبرز فكرة “البدائل المرنة”: ليس المطلوب أن يكون لدينا بديل على الورق، وإنما منظومة بدائل يمكن الانتقال بينها بسرعة عندما يتعطل المسار الأساسي.
ويمكن اختصار ما يحتاج الخليج إلى مراجعته في “خمسة مقابل خمسة”: خمسة ملفات رئيسية، وخمسة تحولات إستراتيجية داخل كل ملف.
الأهم أن نستفيد من نقاط القوة المختلفة داخل مجلس التعاون. ما تملكه دولة من علاقات أو خبرة أو قدرة على الوساطة يمكن أن يخدم منظومة خليجية أوسع
أولا: اقتصاديا.. من تنويع الدخل إلى تنويع الخيارات
أول ما ينبغي التفكير فيه هو أمن تصدير الطاقة. فالنفط والغاز سيبقيان جزءا أساسيا من الاقتصاد الخليجي، لكن الاعتماد على طريق واحد لتصديرهما يمثل نقطة ضعف إستراتيجية، ولذلك يجب توسيع البدائل، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الموانئ أو مرافق التخزين أو مسارات النقل المختلفة، بحيث لا يتحول تعطل مضيق هرمز إلى تعطل للاقتصاد كله.
ثم يأتي تنويع مصادر الدخل. تجربة كورونا كانت درسا واضحا: حين توقفت حركة الطيران والسفر، تأثرت معها السياحة والفنادق والفعاليات والترفيه وقطاعات أخرى مرتبطة بها. لذلك لا يكفي أن نقول إن الاقتصاد متنوع لأن لدينا أكثر من قطاع؛ الأهم هو أن تكون القطاعات نفسها متنوعة في طبيعة مخاطرها.
نحتاج إلى الصناعة والتكنولوجيا والغذاء والدواء والخدمات اللوجيستية والاقتصاد الرقمي، إلى جانب السياحة والطيران.
والأمر الثالث هو الاستثمار الخارجي الإستراتيجي. فبدل النظر إلى الاستثمار بوصفه بحثا عن العائد فقط، يمكن أن يصبح جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي: امتلاك حصص وأصول ومصالح في مصافي التكرير، ومرافق التخزين، وسلاسل النقل والطاقة، وفي مواقع مختلفة من العالم.
والأمر الرابع هو بناء شراكات أعمق مع الشركات العالمية الكبرى.
بعض هذه الشركات تمتلك موارد وخبرات وشبكات دولية تفوق في تأثيرها قدرات دول كثيرة، ويمكن أن تتحول الشراكة معها إلى حماية للمصالح الاقتصادية، فضلا عن نقل التكنولوجيا وتطوير القطاعات المحلية.
أما الخامس فهو الحوكمة. فالاستثمار الخارجي يحتاج إلى رقابة وإدارة مخاطر صارمة تحمي المال العام من الفساد وسوء الإدارة، لأن تنويع الاستثمارات لا قيمة له إذا لم يكن مصحوبا بتنويع أدوات الحماية.
ثانيا: سياسيا.. من العلاقات المتفرقة إلى النفوذ الخليجي
يمتلك الخليج علاقات سياسية واسعة ومؤثرة، لكن هذه القوة ما زالت موزعة إلى حد كبير بين الدول.
ما نحتاجه هو تحرك خليجي أكثر تنسيقا في الملفات الكبرى. لماذا لا نرى في بعض الأزمات تحركات خليجية مشتركة أكثر حضورا في واشنطن وبروكسل وبكين وموسكو؟ لكل دولة علاقاتها وأوراقها الخاصة، لكن جمع هذه الأوراق يمكن أن ينتج نفوذا أكبر.
وهنا تأتي أهمية الوساطة. فقد راكمت دول خليجية خبرة مهمة في التوسط وفتح قنوات الاتصال، وهذه القدرة يمكن أن تتحول إلى رصيد سياسي إستراتيجي دائم.
كما يجب الاستثمار في “مصانع القرار” نفسها: مراكز الدراسات، والجامعات، وشبكات الخبراء، والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية. النفوذ السياسي لا يبدأ عندما تقع الأزمة، وإنما يبدأ قبلها بسنوات.
والأهم أن نستفيد من نقاط القوة المختلفة داخل مجلس التعاون. ما تملكه دولة من علاقات أو خبرة أو قدرة على الوساطة يمكن أن يخدم منظومة خليجية أوسع.
الردع لا يعني السلاح وحده؛ إنه مزيج من القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والقدرة على اتخاذ القرار
ثالثا: عسكريا.. من الاعتماد على الحماية إلى امتلاك الردع
الحرب الحالية أكدت أن طبيعة الحروب تغيرت. لم تعد المعركة محصورة في الطائرات والصواريخ التقليدية عالية الكلفة؛ فقد أصبحت المسيّرات والأسلحة منخفضة الكلفة والحرب الإلكترونية والهجمات المتعددة جزءا من المعادلة. وهذا يفرض مراجعة العقيدة الأمنية الخليجية.
المطلوب أولا تطوير دفاعات متعددة الطبقات، وثانيا الاستثمار في تقنيات اعتراض أقل كلفة وأكثر مرونة، وثالثا تعزيز التصنيع العسكري والقدرات الوطنية، ورابعا زيادة التكامل بين القوات الخليجية، وخامسا بناء مفهوم واضح للردع.
التحالفات الدولية مهمة، لكنها ليست بديلا عن القوة الوطنية. وجود الحلفاء ومظلاتهم الأمنية يخدم مصالح إستراتيجية مشتركة، لكن الدولة تحتاج في النهاية إلى أن تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها والرد على من يهددها.
والردع لا يعني السلاح وحده؛ إنه مزيج من القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والقدرة على اتخاذ القرار.
رابعا: إعلاميا.. من امتلاك الإعلام إلى امتلاك الرواية
ربما كشفت الحرب أهمية هذا الجانب أكثر من أي وقت مضى.
المعركة العسكرية قد تستمر أسابيع، أما معركة الرواية فقد تمتد أشهرا وسنوات. كل طرف يصنع روايته، وكل دولة قد تجد داخلها أكثر من رواية، وكل منصة إعلامية تعيد صياغة الأحداث لجمهور مختلف.
الخليج يمتلك وسائل إعلام قوية، ومحطات ذات تأثير عالمي، وقدرات إنتاجية وثقافية كبيرة. لكن امتلاك المنصات لا يعني بالضرورة امتلاك الرواية.
المطلوب بناء إستراتيجية للرواية الإستراتيجية تشمل: مراكز تراقب الروايات المتنافسة، وخبراء يفهمون الجمهور العالمي، ومحتوى بلغات متعددة، ومتحدثين قادرين على مخاطبة العالم بلغته السياسية والثقافية، وتنسيق أكبر في القضايا الإستراتيجية.
ولا يعني ذلك فرض خطاب واحد أو إلغاء التعددية الإعلامية. المطلوب أن تكون لدى الخليج القدرة على تقديم روايته والدفاع عنها عندما تتعرض مصالحه للتشويه أو التهميش.
هذه هي الخمسة مقابل خمسة التي يحتاج الخليج إلى التفكير فيها الآن: اقتصاد أكثر تنوعا، ودبلوماسية أكثر تنسيقا، وردع أكثر استقلالا، ورواية أكثر حضورا، وشراكات أكثر ذكاء
خامسا: اجتماعيا وسياديا.. من الانغلاق إلى الشراكة الذكية
هذا ربما أصعب التحولات، لأنه يتعلق بمفهوم راسخ عن السيادة والاستقلال.
السيادة قيمة أساسية، وحماية الثروات الوطنية أمر لا نقاش فيه، لكن مفهوم السيادة الاقتصادية يحتاج إلى قراءة تناسب عالما أصبحت فيه الشركات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد جزءا من قوة الدول.
الشراكة مع الشركات العالمية لا تعني التخلي عن الثروة الوطنية. يمكن أن تعني استدعاء الخبرة والتكنولوجيا ورأس المال والشبكات الدولية لتطوير هذه الثروة، ضمن عقود وضوابط واضحة تحفظ القرار والمصلحة الوطنية.
وهنا يمكن للشركات متعددة الجنسيات أن تصبح جزءا من منظومة القوة الخليجية، لا مجرد مستثمرين. فالشركة الكبرى قد تمتلك نفوذا في الأسواق ومصانع الإنتاج وشبكات النقل والتكنولوجيا يفوق أحيانا ما تملكه دول من أدوات ضغط.
ويحتاج الخليج، في الوقت نفسه، إلى إعادة التفكير في أمنه بوصفه مصيرا مشتركا. فما يحدث في دولة خليجية لا يبقى طويلا داخل حدودها، وأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية يرتبط بالجميع.
في النهاية، ربما يكون الدرس المشترك بين كورونا والحرب الحالية بسيطا وعميقا في آن واحد: المرونة أصبحت جزءا من الأمن القومي.
الاقتصاد المرن هو الذي يملك أكثر من مصدر دخل وأكثر من سلسلة إمداد. وأمن الطاقة المرن هو الذي يملك أكثر من طريق للتصدير وأكثر من مركز للتخزين.
والدبلوماسية المرنة هي التي تملك قنوات متعددة مع القوى المؤثرة. والدفاع المرن هو الذي يستطيع التعامل مع تهديدات مختلفة بأدوات مختلفة.
والإعلام المرن هو الذي يستطيع مخاطبة أكثر من جمهور وأكثر من لغة وأكثر من منصة. أما الخليج الذي يحتاجه المستقبل، فهو الخليج الذي لا ينتظر الأزمة حتى يبحث عن البديل.
لقد أثبتت كورونا أن ما يتوقف فجأة يحتاج إلى بديل جاهز، وأثبتت الحرب أن البديل وحده لا يكفي إذا كان بطيئا أو مكلفا أو غير قابل للتشغيل.
لذلك ربما يكون السؤال الخليجي الحقيقي اليوم ليس: كيف نحمي ما لدينا؟ وإنما: كم خيارا نملك إذا تعطل الخيار الأول؟
من يملك إجابات متعددة، يملك مساحة أكبر للمناورة، وقدرة أكبر على حماية مصالحه، واستقلالا أوسع في قراره.
وهذه هي الخمسة مقابل خمسة التي يحتاج الخليج إلى التفكير فيها الآن: اقتصاد أكثر تنوعا، ودبلوماسية أكثر تنسيقا، وردع أكثر استقلالا، ورواية أكثر حضورا، وشراكات أكثر ذكاء.
فالأزمات لا تختبر قوة الدول فقط؛ إنها تكشف قدرتها على التعلم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






