بين توهان الحزب وتواري بركة.. هل اختلَّ “ميزان” الاستقلال في الأمتار الأخيرة من الانتخابات وسط تدافع شريكَيه في الأغلبية؟
مع دخول السباق نحو انتخابات 23 شتنبر مراحله الحاسمة، ارتفعت حدة التنافس بين الأحزاب السياسية، ولم تعد المعركة مقتصرة على عرض البرامج واستمالة أصوات الناخبين، بعدما امتدت إلى صراع حول المرشحين والمنتخبين وتبادل الاتهامات والمواقف بين عدد من الفرقاء.
وفي قلب هذا المشهد، برز بشكل خاص الصراع بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، شريكي الأغلبية الحكومية، بعدما خرج خلافهما حول استقطاب المرشحين والمنتخبين إلى العلن وتحول إلى حرب تصريحات ومواقف متبادلة، فيما دخلت أحزاب من المعارضة بدورها السباق بخطاب أكثر حدة تجاه حصيلة الحكومة ومنافسيها، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، وبدرجة أقل الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
غير أن الطرف الثالث في الأغلبية الحكومية، حزب الاستقلال، لا يبدو حتى الآن في صدارة هذا التدافع السياسي والإعلامي بالقدر نفسه الذي يظهر به عدد من منافسيه، رغم دخوله بدوره الحملة الانتخابية وتقديم برنامجه للاستحقاقات المقبلة، وتحرك قياداته ومرشحيه استعدادا ليوم الاقتراع.
ولا يتعلق الأمر بحزب بعيد عن رهانات المنافسة أو خالٍ من الصراعات الانتخابية الداخلية، إذ سبقت المرحلة الحالية توترات داخل صفوفه حول التزكيات والترشيحات في عدد من الدوائر، في الوقت الذي كان يرفع فيه سقف طموحاته الانتخابية، لدرجة الصدارة، وبالتالي ترؤس الحكومة المقبلة.
وبين حزب حاضر في الحملة بحكم الاستحقاق، ومنافسين يفرضون أنفسهم بقوة أكبر في واجهة النقاش السياسي، يبرز السؤال حول الموقع الذي يحتله “الاستقلال” فعليا في السباق الحالي، وما إذا كان مستوى بروزه يتناسب مع موقعه كأحد الأحزاب الثلاثة التي أدارت الأغلبية الحكومية خلال السنوات الخمس الماضية، ومع الطموحات التي يدخل بها الاستحقاقات القادمة.
“الاستقلال” يتوارى عن المشهد التنافسي؟
لم يكن حزب الاستقلال خارج الاستعدادات الانتخابية، إذ قدم يوم 29 غشت 2026 برنامجه للاستحقاقات التشريعية للفترة 2026-2031، تحت شعار “وطني.. مستقبلي”، خلال لقاء تواصلي بالمركز العام للحزب في الرباط ترأسه أمينه العام نزار بركة، بحضور مرشحات ومرشحي الحزب.
وتضمن البرنامج خمسة محاور أساسية، ترتبط بالأسرة والقدرة الشرائية والخدمات العمومية ومحاربة الفساد والريع وتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة.
وسبقَ تقديمَ البرنامج مسارٌ من الاستعدادات التنظيمية، إذ كان بركة قد أعلن منذ أبريل الماضي انطلاق عملية تزكية مرشحي الحزب لمجلس النواب، بالتوازي مع إعداد البرنامج الانتخابي، قبل أن تكشف قيادة الحزب في يوليوز عن قائمة أولية من مرشحيها في عدد من الدوائر.
وفي نهاية غشت، انتقل الحزب، الذي ترأس آخر حكومة قبل دستور 2011، إلى مرحلة تقديم عرضه الانتخابي وتأطير مرشحيه قبل دخول الحملة.
كما دخل الأمين العام للحزب بنفسه غمار المنافسة، بعدما أودع في 31 غشت ترشيحه رسميا بدائرة العرائش، في خطوة تؤكد أن قيادة الاستقلال منخرطة مباشرة في الاستحقاق وتبحث عن “الشرعية الانخابية”، إلى جانب تحركات تنظيمية وميدانية لبقية مرشحي الحزب.
غير أن وجود الحزب في الحملة، بما يتضمنه من تقديم برنامج وترشيحات وتحركات تنظيمية، لا يحسم وحده موقعه داخل المشهد السياسي الذي يسبق الاقتراع.
فالمسألة تتعلق أيضا بمدى قدرة هذا الحضور “المِسطري” على التحول إلى حضور سياسي وإعلامي يفرض الحزب في النقاش الانتخابي، ويجعله أحد الأطراف التي تحدد إيقاع المنافسة، لا مجرد طرف يخوضها إلى جانب باقي الأحزاب.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن الاستقلال لا يدخل انتخابات 23 شتنبر من موقع حزب صغير أو بعيد عن السلطة، وإنما باعتباره أحد الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية، وهو ما يضعه أمام تحد مزدوج: الدفاع عن حصيلة شارك في تدبيرها، وفي الوقت نفسه تقديم نفسه للناخب بعرض سياسي وانتخابي قادر على التمايز عن حليفيه السابقين في الأغلبية.
وهذا التحدي يبرز أكثر عندما تقارن صورة الاستقلال الحالية بموقع أحزاب أخرى في النقاش الانتخابي، ف”تالأحرار” و”البام” يتصدران السجال المرتبط بالترشيحات وانتقال المنتخبين والوعود الاقتصادية والاجتماعية، فيما اختار العدالة والتنمية، من موقع المعارضة، رفع نبرة انتقاده للحكومة والدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع مكوناتها، بينما يحاول فاعلون آخرون بدورهم فرض حضورهم في المشهد.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المطروح على الاستقلال أقل ارتباطا بعدد الأنشطة التي ينظمها، وأكثر ارتباطا بقدرته على تحويلها إلى عنصر يُثقل ميزانه أمام الناخبين في المرحلة الحاسمة من الحملة، خصوصا وأن نزار بركة كان قد أشار في السابق إلى أن حزبه يسعى لتصدر المشهد لأول مرة منذ انتخابات 2007، الذي أفرزت حكومة ترأسها خاله، عباس الفاسي.
هل تخلى بركة عن طموح رئاسة الحكومة؟
صورة حزب “الميزان” خلال هذه المرحلة لا يمكن فصلها عن ما سبقها من نقاشات داخلية حول الترشيحات والتزكيات، وهي محطة تجعل تفسير مستوى حضوره الحالي أكثر تعقيدا من اختزاله في “الصمت” أو “الهدوء”، فالحزب خاض بدوره ترتيبات داخلية مرتبطة باختيار مرشحيه وحسم لوائحه، وهي عناصر ينبغي وضعها إلى جانب تحركاته الحالية لفهم ما إذا كان وضعه في الواجهة يعكس خيارا سياسيا، أو نتيجة لتوازنات داخلية، أو ببساطة اختلافا في طريقة إدارة الحملة.
ومن هنا، لا يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كان حزب الاستقلال يخوض الحملة الانتخابية، وهو أمر تؤكده تحركاته وبرنامجه وترشيحاته، وإنما ما إذا كان هذا الحضور يوازي موقع الحزب داخل الأغلبية وحجم الرهانات التي يضعها أمام انتخابات 23 شتنبر، وإلى أي حد استطاع حتى الآن تحويل نشاطه التنظيمي إلى حضور مؤثر في أجندة النقاش الانتخابي.
وفي الجهة المقابلة من المشهد، دخلت أحزاب المعارضة بدورها المرحلة الانتخابية بخطاب يسعى إلى تقديم نفسه بديلا عن الأغلبية المنتهية ولايتها، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، الذي قدم في السابع من شتنبر برنامجه الانتخابي للاستحقاقات التشريعية المقبلة، واضعا إلى جانب مقترحاته الاقتصادية والاجتماعية تشخيصا سياسيا ينتقد فيه عدداً من جوانب تدبير الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية.
ولم يقتصر خطاب الحزب على تقديم تعهداته، إذ حرصت قيادته خلال عرض البرنامج على التمايز عن عروض انتخابية أخرى، سواء من خلال انتقاد ما تعتبره وعودا رقمية يصعب تنفيذها، أو عبر تقديم البرنامج باعتباره تصورا لمعالجة اختلالات تقول إنها طبعت المرحلة الحكومية الحالية، وهو ما يمنح العدالة والتنمية، الذي يرى نائب أمينه العام، إدريس الأزمي، أنه سيتصدر الانتخابات، هامشا أوسع في توجيه النقد المباشر إلى الحكومة ومكوناتها، بحكم موقعه في المعارضة.
وبدرجة أقل، دخلت الحركة الشعبية بدورها الاستحقاق بخطاب معارض وبرنامج انتخابي قدمته في 5 شتنبر تحت اسم “التعاقد الحركي”، تضمن مقترحات في ملفات القدرة الشرائية والتعليم والصحة والتشغيل والفلاحة، إلى جانب دعوات إلى إدخال تغييرات على عدد من السياسات العمومية وهندسة العمل الحكومي.
كما ظل أمينها العام محمد أوزين حاضرا في النقاش السياسي والإعلامي خلال الأيام السابقة لانطلاق الحملة، وإن ارتبط جزء من هذا الحضور بسجالات خارج المضامين الانتخابية نفسها، إذ دخل في صراع علني مع الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، انتهى بإعلان الأخيرة، في 9 شتنبر، تجاهل أنشطة الحزب وأمينه العام على خلفية تصريحات اعتبرتها “مسيئة”.
ولا تعني هذه المقارنة بالضرورة أن قوة الحضور الإعلامي تعكس حجما انتخابيا أكبر، كما لا تسمح وحدها بالحكم على فرص أي حزب في صناديق الاقتراع، لكنها تكشف عن اختلاف واضح في طبيعة الموقع الذي ينطلق منه كل طرف.
فالمعارضة تستطيع بناء جانب أساسي من خطابها على نقد أداء الحكومة، بينما يجد حزب الاستقلال نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً، باعتباره شريكا في التدبير الحكومي خلال الولاية نفسها التي يتعين عليه الآن أن يقدم بشأنها عرضا انتخابيا خاصا به.
وهنا يطرح أحد أكثر الأسئلة حساسية في انتخابات 2026: إلى أي حد استطاع الحزب إنتاج خطاب انتخابي يميزه عن شريكيه في الأغلبية، دون التنصل في الوقت نفسه من حصيلة حكومة كان جزءاً منها؟.
فإذا كان التجمع الوطني للأحرار يدخل الاقتراع من موقع الحزب الذي قاد الحكومة، والأصالة والمعاصرة ينافس من داخل الأغلبية نفسها، فإن حزب الاستقلال مطالب بدوره بإقناع الناخب بما يميزه سياسياً وبرنامجياً عنهما، في وقت تواجه فيه الأغلبية أيضا خطابا معارضا يسعى إلى تحميل مكوناتها مجتمعة مسؤولية حصيلة السنوات الخمس الماضية.
من معركة التزكيات إلى معركة الصدارة
ولم يصل الاستقلال إلى محطة الحملة الحالية بعيدا عن التدافع الداخلي، إذ سبقت حسم لوائحه الانتخابية توترات مرتبطة بالتزكيات والترشيحات في عدد من الدوائر، وسط تنافس بين أسماء محلية وانتظار لقرارات القيادة المركزية بشأن وكلاء اللوائح.
وظهرت بعض هذه الخلافات إلى العلن خلال يوليوز وغشت، سواء من خلال اعتراضات محلية على اختيارات مرتبطة بالترشيح، أو عبر انتقال أسماء إلى أحزاب منافسة، ومن أبرزها الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة – وادي الذهب، الذي غادر الاستقلال والتحق بالأصالة والمعاصرة.
وفي المقابل، مضت قيادة الحزب في الحسم التدريجي للترشيحات، قبل أن تصادق اللجنة التنفيذية في 27 غشت على مجموعة من مرشحي الدوائر المحلية والجهوية، مؤكدة اعتماد اعتبارات قانونية وأخلاقية وتنظيمية في دراسة الملفات.
وإذا كانت هذه المحطة تثبت أن الاستقلال لم يكن بعيدا بدوره عن صراعات ما قبل الانتخابات، فإن ربطها بمستوى حضوره السياسي الحالي يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد تزامن زمني، إذ يبقى السؤال حول ما إذا كانت تلك التوترات قد استنزفت جزءاً من جهده التنظيمي، أم أن مستوى بروزه الحالي يرتبط بعوامل سياسية وانتخابية أخرى.
ولم يدخل “الاستقلال” سنة الانتخابات دون طموح سياسي معلن، فقبل أكثر من عام على موعد الاقتراع، كانت قيادته تتحدث عن تعبئة تنظيمية وسياسية يفترض أن تقود الحزب إلى التموقع في صدارة المشهد السياسي.
وكان نزار بركة قد دعا، في ماي 2025، إلى رفع نسق التعبئة وتعزيز جاذبية العرض الاستقلالي، وربط ذلك صراحة بهدف التموقع في صدارة المشهد مستقبلاً، مع التشديد حينها على عدم تحويل هذا الطموح إلى سباق انتخابي مبكر يؤثر على تماسك الأغلبية وعمل الحكومة.
واليوم، بعدما أصبح السباق الانتخابي واقعاً ودخل الحزب الحملة بمرشحيه وبرنامجه للفترة من 2026 إلى 2031، يعود السؤال حول السقف الذي يضعه الاستقلال لنتائجه في 23 شتنبر: هل ما يزال الحزب يرى نفسه منافساً على الصدارة، أم أن حساباته الانتخابية تغيرت مع اقتراب موعد الاقتراع؟
وهو سؤال تزداد أهميته بالنظر إلى الفارق بين الطموح السياسي الذي عبرت عنه القيادة سابقا ومستوى بروز الحزب في المشهد الحالي، دون أن يكون ذلك كافيا، في حد ذاته، للحكم مسبقا على الوزن الذي ستكشف عنه صناديق الاقتراع.
أسئلة معلقة يتفادى بركة والراشدي الإجابة عنها
وسعت “الصحيفة” إلى الحصول على موقف قيادة حزب الاستقلال بشأن مستوى حضور الحزب في السباق الحالي، وما يميزه عن شريكيه في الأغلبية، فضلا عن الموقع الذي يستهدفه في نتائج 23 شتنبر وطموحاته بشأن قيادة الحكومة المقبلة، وذلك من خلال التواصل مع كل من نزار بركة، الأمين العام للحزب، وعبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني.
“الصحيفة” تلقت “تعهدا” بتلقي جواب الأمين العام و رئيس المجلس الوطني للحزب، أو على الأقل أحدهما من أجل توضيح الأمور ويسط الطموحات والأهداف، لكن وإلى حدود نشر هذه المادة، لم تتوصل برد ولا الراشدي، لتظل الأسئلة المتعلقة بموقع الحزب في المنافسة الحالية وطموحاته الانتخابية دون جواب مباشر من قيادته.
وعلى أي حال، فإن قياس موقع الاستقلال في السباق لا يتوقف عند مستوى حضوره في واجهة الحملة أو عند القراءة التي يقدمها الحزب لنفسه، إذ يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الصورة تعكس فعلا ميزان قوته الانتخابية، وما الذي يفسرها في الأساس.
وفي قراءة لهذا الوضع، يرى إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن ثمة “مفارقة” في سلوك وحضور حزب الاستقلال، الذي يبدو، وفق تقديره، أقل بروزا مقارنة بالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، وأقل قدرة على فرض نفسه في أجندة النقاش السياسي، مستدركاً بأن ذلك “لا يعني تراجعا انتخابيا أو تنظيميا”.
وأوضح إسماعيل حمودي، في تصريح لـ”الصحيفة”، أن مركز الجدل السياسي والإعلامي انتقل خلال الفترة الأخيرة بدرجة كبيرة إلى المواجهة بين الأحرار والبام، سواء في ما يتعلق باستقطاب المرشحين والمنتخبين أو بتبادل المسؤولية بشأن بعض الإجراءات الحكومية، في مقابل اعتماد الاستقلال خطاباً أقل صدامية وأكثر ارتباطا بالبرنامج والهوية الحزبية.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على ضرورة عدم الخلط بين الحضور في وسائل الإعلام والحضور في المجال الانتخابي، باعتبار أن الحزب الأكثر إثارة للعناوين ليس بالضرورة الأكثر قدرة على تعبئة الأصوات، قبل أن يسجل، في المقابل، وجود “مشكلة في المبادرة السياسية” لدى الاستقلال، موضحا أن الأحرار والبام نجحا في فرض ثنائية حول قيادة الأغلبية وتصدر الانتخابات واستقطاب المنتخبين والمرشحين، بينما لم ينجح الاستقلال، بالقدر نفسه، في فرض معركة سياسية خاصة به، وهو ما رجح أن يكون مرتبطاً، ضمن عوامل أخرى، بطبيعة قيادته السياسية.
ويربط حمودي صعوبة تمايز الاستقلال، بدرجة أكبر، بموقعه داخل الأغلبية الحكومية، معتبرا أن الحزب يوجد أمام معادلة انتخابية معقدة، إذ لا يستطيع خوض الانتخابات بمنطق المعارضة وهو شريك في الحكومة ومسؤول عن جزء من حصيلتها، كما لا يمكنه الاكتفاء بالدفاع عن هذه الحصيلة، لأن الناخب، بحسب تعبيره، “لا يصوت للأغلبية ككتلة واحدة، وإنما يصوت لحزب بعينه”.
ويرى أستاذ العلوم السياسية أن هذه المعضلة تبدو أكبر بالنسبة للاستقلال مقارنة بالتجمع الوطني للأحرار، الذي يستطيع تقديم نفسه باعتباره الحزب الذي قاد الحكومة ونسب حصيلتها إلى قيادته، فيما اختار الأصالة والمعاصرة إبراز مساهمته الخاصة داخل الحكومة وتحميل الأحرار مسؤولية جوانب من حصيلتها.
أما حزب الاستقلال، فيعتبر حمودي أنه وجد نفسه في موقع أكثر صعوبة، فاتجه إلى الدفاع عن الحصيلة المشتركة، مع محاولة إبراز ما يعتبره نقاطاً قوية مرتبطة بمساهمته الخاصة، بما يسمح له بتقديم نفسه أمام قواعده باعتباره قادرا على تحقيق نتائج أفضل إذا امتلك موقع القيادة.
ويضيف المتحدث أن هذا التمايز بدأ، وفق قراءته، يظهر في خطاب نزار بركة، من خلال الجمع بين الدفاع عن حصيلة الحكومة ومحاولة خلق “مسافة انتخابية” عنها، خصوصاً عند إثارة قضايا القدرة الشرائية والأسعار والمضاربة، إلى جانب طرح إجراءات يلتزم الحزب بالعمل عليها في حال قيادته الحكومة المقبلة.
أما صراعات الترشيحات والتزكيات، فلا يعتبرها حمودي عاملا خاصا بالاستقلال، باعتبارها حاضرة لدى أحزاب أخرى، لكنه يرى أنها ربما استهلكت في حالة الحزب جزءاً من طاقته وأثرت، في مرحلة مبكرة، على صياغة استراتيجيته الانتخابية.
كما يرى أستاذ العلوم السياسية أن ثمة “مفارقة” في حضور حزب الاستقلال، الذي يبدو، وفق تقديره، خافتاً مقارنة بالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، وأقل قدرة على فرض نفسه في أجندة النقاش السياسي، مستدركاً بأن ذلك “لا يعني تراجعاً انتخابياً أو تنظيمياً”.
وأوضح حمودي، في تصريح ل”الصحيفة”، أن مركز الجدل السياسي والإعلامي انتقل خلال الفترة الأخيرة بدرجة كبيرة إلى المواجهة بين الأحرار والبام، سواء من خلال صراع استقطاب المرشحين والمنتخبين أو تحميل المسؤولية بشأن بعض الإجراءات الحكومية، فيما اختار الاستقلال خطاباً أقل صدامية وأكثر ارتباطاً بالبرنامج والهوية الحزبية.
وشدد في هذا السياق على ضرورة عدم الخلط بين الحضور الإعلامي والحضور الانتخابي، لأن “الحزب الذي يثير أكبر عدد من العناوين ليس بالضرورة الحزب الذي يمتلك أكبر قدرة على تعبئة الأصوات”.
غير أن أستاذ العلوم السياسية يسجل، في المقابل، وجود “مشكلة في المبادرة السياسية”، معتبرا أن “الأحرار” و”البام” نجحا في فرض ثنائية مرتبطة بمن يقود الأغلبية ومن يتصدر الانتخابات ومن يستقطب المنتخبين والمرشحين، بينما لم ينجح الاستقلال بالقدر نفسه في فرض معركة سياسية خاصة به.
ويربط حمودي ذلك، بدرجة أساسية، بالموقع المعقد للاستقلال داخل الأغلبية؛ إذ لا يستطيع، بحسبه، خوض الانتخابات بمنطق المعارضة وهو شريك في الحكومة ومسؤول عن جزء من حصيلتها، وفي الوقت نفسه لا يمكنه الاكتفاء بالدفاع عنها، لأن “الناخب لا يصوت للأغلبية ككتلة واحدة، وإنما يصوت لحزب بعينه”.
ويرى المتحدث نفسه أن الأحرار يستطيع تقديم نفسه باعتباره الحزب الذي قاد الحكومة، بينما اختار البام إبراز مساهمته الخاصة فيها، في حين اتجه الاستقلال إلى الدفاع عن الحصيلة المشتركة ومحاولة إبراز ما ينسبه إلى مساهمته الخاصة، مع خلق مسافة انتخابية تظهر خصوصاً في خطاب نزار بركة بشأن القدرة الشرائية والأسعار والمضاربة.
أما صراعات التزكيات والترشيحات، فلا يعتبرها حمودي عاملا يخص الاستقلال وحده، لكنه يرجح أنها استهلكت في حالته جزءاً من طاقته وأثرت مبكرا على صياغة استراتيجيته الانتخابية.
وبشأن قدرة الحزب على تحويل امتداده التنظيمي إلى نتيجة تضعه في الصدارة، يدعو حمودي إلى التمييز بين “القدرة على التعبئة والقدرة على تصدر النتائج”، معتبرا أن الحضور الإعلامي الحالي للاستقلال لا ينبغي قراءته باعتباره مؤشراً على ضعف انتخابي، لكنه يجعل، في تقديره، مهمة الوصول إلى الصدارة أكثر صعوبة.
ويضيف أن امتلاك الحزب تنظيما ومرشحين وقاعدة انتخابية وفية وانتشارا وطنيا لا يكفي وحده لتحقيق هذا الهدف، إذ يحتاج إلى تحويل فعاليته التنظيمية إلى تعبئة انتخابية واسعة، وبرنامجه إلى “اختيار سياسي مقنع للناخب”.
ومن هنا، بحسب المتحدث، تبرز أهمية الحضور الإعلامي في تمكين الحزب من تحديد القضايا التي تدور حولها المنافسة والوصول إلى الناخب المتردد، خصوصاً في سياق يتسم بالعزوف وضعف الثقة في الأحزاب والانتخابات.
ويخلص حمودي إلى أن الاستقلال يمتلك انتشارا انتخابيا وطنيا واسعا، مشيرا إلى أنه من الأحزاب القليلة التي غطت جميع الدوائر المحلية والجهوية، لكنه يعتبر أن هذه الإمكانات لا يعكسها مستوى حضوره الإعلامي الحالي، وهو ما قد يؤثر، في تقديره، على قدرته على تعبئة الناخبين.
23 شتنبر.. الصندوق يحسم وزن الاستقلال الحقيقي
المتتبع للمشهد السياسي حاليا، يخرج باستنتاج أساسي لفهم مسار الأمور داخل البيت الاستقلالي، فالترشيحات لرئاسة الحكومة القادمة أصبحت تنحصر تدريجيا في أسماء من أحزاب أخرى، مثل فوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري وحتى المهدي بنسعيد من “البام”، وعزيز أخنوش، وبدرجة أقل محمد شوكي من “الأحرار”، بل وربما اسم من حزب العدالة والتنمية في حال تصدره المشهد الانتخابي، قد يكون عبد الإله بن كيران نفسه.
لكن، في النهاية، لا تُحسم الانتخابات بحجم الضجيج السياسي والإعلامي، مثلما لا تضمن المكانة التاريخية والتنظيمية لأي حزب نتيجة مسبقة.
وبين الأمرين، يدخل الاستقلال الأيام الأخيرة من السباق أمام اختبار تحويل برنامجه ومرشحيه وتحركاته الميدانية إلى أصوات ومقاعد، هي وحدها الكفيلة بتمهيد الطريق لنزار بركة نحو مقر رئاسة الحكومة.
وعندها فقط ستتضح الإجابة عن السؤال الذي رافق حضوره خلال هذه الحملة: هل تعكس المساحة التي يحتلها الحزب اليوم في واجهة المنافسة وزنه الحقيقي، أم تحمل صناديق 23 شتنبر صورة مختلفة؟.
المصدر: الصحيفة





