في ظل حرب مدريد الاقتصادية على الرباط.. “الكابلاج” المغربي يهدد بِشَلّ صناعة السيارات والمعدات الكهربائية والإلكترونية في إسبانيا
في خضم أزمة الهجرة التي أعقبت أحداث سبتة، انتقل جزء من النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا من تدبير الأزمة إلى الحديث عن أدوات يمكن استخدامها للضغط اقتصاديا على المغرب، بالتوازي مع انتشار دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة المنتجات المغربية، حيث وصل الأمر إلى دعوة جمعية للمستهلكين إلى تجنب السلع ذات المنشأ المغربي، في سياق تصاعد التوتر بين البلدين.
غير أن هذا النقاش يغلب عليه قدر كبير من الشعبوية حين يتعامل مع التجارة بين البلدين كما لو كانت مجرد منتجات زراعية يمكن حذفها من رفوف المتاجر، متجاهلا أن الاقتصادين المغربي والإسباني أصبحا، خلال السنوات الماضية، جزءا من سلاسل إنتاج صناعية متشابكة يصعب فصلها بقرار سياسي سريع.
ففي سنة 2025 بلغ حجم تجارة السلع بين البلدين 22.757 مليار أورو، منها 12.330 مليار أورو من الصادرات الإسبانية إلى المغرب، مقابل 10.426 مليارات أورو من الواردات الإسبانية من المملكة، ليظل المغرب أكبر سوق إفريقية للصادرات الإسبانية وأحد أهم الشركاء التجاريين لمدريد خارج الاتحاد الأوروبي.
لكن الرقم الأكثر حساسية لا يتعلق بالطماطم أو الأسماك، وإنما بـ”الكابلاج” والمكونات الكهربائية التي تدخل مباشرة في الصناعة الإسبانية.
وفق بيانات التجارة الدولية لسنة 2025، استوردت إسبانيا من المغرب ما قيمته 3.59 مليارات دولار من المعدات والمكونات الكهربائية والإلكترونية، بينها نحو 2.77 مليار دولار من الأسلاك والكابلات والموصلات الكهربائية المعزولة، وهي الفئة التي تضم جزءا كبيرا من ضفائر الأسلاك المستخدمة في صناعة السيارات.
وحجم الاعتماد يتضح أكثر بالعودة إلى بيانات 2024، عندما بلغت واردات إسبانيا من هذه الفئة نحو 4.21 مليارات دولار، جاء منها 2.34 مليار دولار من المغرب وحده، أي نحو 56 في المائة، بفارق كبير عن الصين وفرنسا وألمانيا. وفي 2025 ظل المغرب المصدر الأول لإسبانيا في فئة الكابلات المعزولة، وفق بيانات رسمية.
ولا يتعلق الأمر بتجارة عابرة للحدود فقط، فالمنصة الصناعية لميناء طنجة المتوسط تؤكد أن مصانع مكونات السيارات القائمة بالمغرب تزود مباشرة مواقع تجميع أوروبية، من بينها مصانع Stellantis في فيغو، وVolkswagen في برشلونة، وFord في فالنسيا، وRenault في بلد الوليد، أي أن جزءا من السيارة التي تخرج من مصنع إسباني يبدأ فعليا داخل مصنع مغربي قبل أن يعبر مضيق جبل طارق.
لذلك، فإن توقفا مفاجئا وواسعا لهذه الإمدادات لا يعني أن إسبانيا لن تستطيع أبدا العثور على بدائل، لكنه قد يضع بعض خطوط الإنتاج أمام اضطراب حقيقي، فـ”الكابلاج” في صناعة السيارات ليس سلعة موحدة يمكن استبدال موردها بين ليلة وضحاها، بل يُصنع وفق مواصفات كل طراز ومنصة، وترتبط توريداته بعقود واختبارات جودة واعتماد تقني وجداول تسليم دقيقة ضمن أنظمة الإنتاج المتزامن.
ويمكن لمدريد نظريا نقل جزء من الطلب إلى الصين أو أوروبا الشرقية أو تركيا، لكن ذلك يتطلب إعادة ترتيب الموردين، واعتماد خطوط إنتاج جديدة، وتحمل تكاليف نقل أعلى وفترات انتقالية قد تضغط على المخزون والإنتاج، في وقت تعاني فيه صناعة السيارات الأوروبية أصلا من منافسة قوية واضطرابات متلاحقة في سلاسل الإمداد العالمية.
واللافت أن الترابط يعمل في الاتجاهين، فإسبانيا نفسها صدرت إلى المغرب خلال 2025 نحو 1.24 مليار دولار من المعدات الكهربائية والإلكترونية، إضافة إلى 1.60 مليار دولار من الآلات والمعدات الصناعية و1.49 مليار دولار من السيارات ومعدات النقل، وبالتالي، فإن أي اضطراب في الصناعة المغربية التي تشتري هذه المدخلات ثم تعيد تصدير مكونات مصنعة إلى أوروبا سيصيب المورد الإسباني بدوره.
وفوق ذلك، توجد أكثر من 350 شركة إسبانية مستقرة في المغرب، بينما تعتبر مدريد المملكة أول وجهة للاستثمار الإسباني في إفريقيا، باستثمارات تقارب ملياري أورو، لهذا، يرى الكثير من المحللين الاقتصاديين أن تحويل أزمة سبتة إلى دعوات لحرب تجارية يبدو أبسط بكثير في الخطاب السياسي منه في الواقع الاقتصادي.
وعليه، تستطيع إسبانيا الإضرار ببعض الصادرات المغربية، كما يستطيع المغرب أن يتضرر من فقدان السوق الإسبانية، لكن مدريد بدورها قد تجد أن محاولة “ضرب” الاقتصاد المغربي تصيب خطوط إنتاجها، ومورديها، واستثماراتها ووظائفها، وفي حالة صناعة السيارات والمعدات الكهربائية تحديدا، فإن الجغرافيا التي جعلت المغرب منصة قريبة ومنخفضة التكلفة للصناعة الأوروبية قد تجعل فك هذا الارتباط أكثر تعقيدا وكلفة مما توحي به شعارات المقاطعة.
المصدر: الصحيفة





