الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه .. من مدرسة النبوة إلى مجالس العلم في الشام “سيرة إمام العلماء، وحبيب رسول الله ﷺ، ومعلم أهل الشام”
كتبه: الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في مقالي السابق عن زيارتي للجامع الأموي الكبير بدمشق تحدثت عن هذا المسجد العريق وما تعاقب في رحابه من مجالس القرآن والحديث والفقه والتفسير، وعن عدد من العلماء والأئمة الذين ارتبطت أسماؤهم به أو بالحياة العلمية التي نشأت حوله، وكانت تلك الجولة برفقة فضيلة الشيخ الدكتور علاء الدين بن عدنان السايق، مدير الشؤون العلمية في الجامع الأموي، جولة واسعة أخذتنا من عصر الصحابة رضوان الله عليهم إلى مجالس الأئمة الأوزاعي والغزالي وابن عساكر والنووي والذهبي وابن تيمية وابن كثير رحمهم الله، وكان من بين الأسماء التي توقفنا عندها اسم الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، ولكن الحديث عنه يومها جاء في سياق الحديث عن تاريخ الجامع ورجاله، ولم يكن المقام يسمح بالتوسع في سيرته وما تحمله من معانٍ علمية وتربوية ودعوية تستحق أن يفرد لها حديث مستقل.
ولهذا فإنني لا أتحدث هنا عن زيارة أخرى، وإنما أعود إلى الزيارة نفسها، وإلى المجلس نفسه، وإلى الوقفة نفسها عند محراب الصحابة، وأستعيد حديث الدكتور علاء الدين السايق عن معاذ رضي الله عنه، وما كان يذكره من أخباره وصلته بدمشق والشام، ثم أضم إلى ذلك ما قرأته في كتب الحديث والسير والطبقات، وما اطلعت عليه من مادة علمية متصلة بحديثه وإسناده في جامع بني أمية، حتى تكتمل أمام القارئ صورة هذا الصحابي الذي عاش عمراً قصيراً بمقاييس السنوات، ولكنه ترك أثراً واسعاً في تاريخ العلم والفقه والدعوة، وكانت حياته من أوضح النماذج على قدرة مدرسة النبوة على صناعة الإنسان الذي يجمع بين القرآن والفقه والعبادة والقيادة وحسن الصلة بالناس.
وكانت إحدى الكلمات التي بقيت حاضرة في نفسي وأنا أستعيد سيرته تلك الوصية التي خصه بها رسول الله ﷺ عندما أخذ بيده وقال له: “يا معاذ، والله إني لأحبك“، وقد أوصاه أن يقول في دبر كل صلاة: “اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك“؛ فهذه الوصية تفتح لنا باباً لفهم هذا الصحابي الجليل الذي حمل تلك المسؤوليات كلها، وتكشف عن نوع التربية التي صنعته، من علم واسع، وعمل كثير، ومكانة بين الناس، وفي القلب شعور دائم بالافتقار إلى الله وطلب عونه وتوفيقه (أبو داود، حديث 1522. وأحمد بن حنبل، حديث 22119).
- شاب من الأنصار في مدرسة رسول الله ﷺ
معاذ بن جبل هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، من بني سلمة من الخزرج، وكان من شباب الأنصار السابقين إلى الإسلام، وشهد بيعة العقبة وهو شاب، ثم شهد بدراً والمشاهد مع رسول الله ﷺ، وعاش سنوات التأسيس الأولى للمجتمع الإسلامي في المدينة، حيث كان الوحي يتنزل، ورسول الله ﷺ يعلم أصحابه القرآن، ويهذب نفوسهم، ويقيم بينهم معالم المجتمع الجديد، وفي تلك البيئة تشكلت شخصية معاذ العلمية والإيمانية، حتى أصبح على صغر سنه من المعروفين بالقرآن والفقه والفهم (ابن سعد، 1990؛ ابن عبد البر، 1992؛ الذهبي، 1985).
وتذكر كتب التراجم أنه أسلم وهو في نحو الثامنة عشرة من عمره، وأنه شهد بدراً وهو في نحو العشرين أو الحادية والعشرين، وهذه التفاصيل، وإن اختلفت بعض الروايات في تقدير عمره الدقيق، تؤكد حقيقة واضحة في حياته؛ أن أكثر الإنجازات التي بقيت باسمه في تاريخ الإسلام حققها وهو شاب، وأن العلم والرسالة والمسؤولية دخلت حياته مبكراً، فلم ينظر إلى الشباب على أنه زمن انتظار، وإنما عاشه زمناً للتلقي والبناء والعمل. وقد وصفه أصحاب التراجم بأنه كان حسن الهيئة، براق الثنايا، وهو وصف ستعيده إلينا بعد سنوات رواية أبي إدريس الخولاني حين رآه في مسجد دمشق والناس مجتمعون حوله (العيني، د.ت.؛ الذهبي، 1985).
وكان من جميل أخلاقه ما ظهر في حادثة كعب بن مالك رضي الله عنه يوم تبوك، فعندما سأل النبي ﷺ عن كعب، فقال أحد الرجال كلمة تحمل عليه، بادر معاذ إلى الدفاع عنه وقال: “بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً”، وهو موقف صغير في حجمه، ولكنه يكشف جانباً من أخلاق سيدنا معاذ، فلم تكن صحبته للناس قائمة على الاطلاع الشكلي، وإنما كان يحفظ لإخوانه أقدارهم، ويشهد بما يعرفه من خيرهم، ولا يسمح للغيبة أو الاتهام أن يمر أمامه من غير كلمة حق (البخاري، 1422هـ).
- معاذ (رضي الله عنه)؛ القرآن أساس تكوينه العلمي
كان القرآن في أصل تكوين سيدنا معاذ رضي الله عنه، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: “خذوا القرآن من أربعة”، وذكر منهم عبد الله بن مسعود، وسالماً مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، وهي شهادة تضع معاذاً في طبقة مخصوصة من أصحاب النبي ﷺ الذين عُرفوا بالتلقي والضبط والقراءة، وكانوا مرجعاً في كتاب الله (البخاري، 1422هـ، حديث 3808؛ مسلم، د.ت.، حديث 2464).
ومن المعاني التي استوقفتني في شخصية معاذ أن النبي ﷺ جعله مرجعاً في القرآن، ثم حمّله بعد ذلك مسؤولية تعليم الناس، فكأن العلم عند الجيل الأول كان ينتقل دائماً من التلقي إلى البلاغ والدعوة، ومن الحفظ إلى العمل، بقصد إصلاح الإنسان والمجتمع، وهذه هي الرسالة التي تحتاج الأمة إلى استعادتها في مؤسساتها العلمية في هذه الأيام؛ أن يعود القرآن مصدراً لبناء العقل والضمير والسلوك، وأن يتخرج من مدارسه علماء ودعاة ربانيون، يعرفون كتاب الله، ويحسنون فهم الحياة في ضوئه، وينقلون هدايته إلى الناس علماً وعملاً وسلوكاً.
وقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في بيان فضائل عدد من أصحابه: “وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل”، وحكم الترمذي على الحديث بأنه حسن صحيح، وهي شهادة نبوية كبيرة تبين مقدار النضج الفقهي الذي وصل إليه هذا الشاب بين أصحاب رسول الله ﷺ (الترمذي، 1975، حديث 3791).
وفي هذا الصدد، فإن المقصود بالحلال والحرام ليس معرفة مجموعة من المسائل المتفرقة فحسب، ففقه الحلال والحرام في المجتمع الجديد كان يعني فهم الوحي، ومعرفة أحكام العبادة والأسرة والأموال والمعاملات والحقوق، والقدرة على بيان ذلك للناس، ولهذا كان معاذ رضي الله عنه من الرجال الذين أصبحت معرفتهم مرتبطة بالمسؤولية، وسيظهر أثر ذلك واضحاً عندما يرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن.
- بين يدي رسول الله ﷺ … التوحيد والتربية والوصية
كانت علاقة معاذ رضي الله عنه بالنبي ﷺ علاقة تلميذ قريب بمربٍ يعرف قدراته ويهيئه للمسؤولية، وقد حفظت لنا السُّنة مشاهد قصيرة في ألفاظها، وعميقة في دلالتها، ومنها أن معاذاً كان رديف رسول الله ﷺ على دابة، فناداه النبي ﷺ أكثر من مرة، وكان يجيبه: “لبيك رسول الله وسعديك”، ومن ثم سأله: “أتدري ما حق الله على العباد؟”، فلما قال معاذ: الله ورسوله أعلم، قال: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً”، ومن ثم أخبره بما وعد الله به أهل التوحيد (البخاري، 1422هـ، حديث 2856؛ مسلم، د.ت.، حديث 30).
وهذا الحوار يقدم لنا مَعلماً من معالم تكوين معاذ؛ فقد بدأ تكليفه العام من وضوح أصل التوحيد، وهو الأصل نفسه الذي سيأمره النبي ﷺ أن يبدأ به عندما يرسله إلى اليمن، فكأن رسول الله ﷺ كان يربي في شخصه الفقيه والداعية الذي يرتب الدين وفق أصوله، ويعرف ما يقدم وما يؤخر، ولا يسمح للتفاصيل أن تحجب المقاصد الكبرى.
ومن هذه التربية جاءت الوصية التي أحببت أن يكون لها موضعها الواضح في هذا المقال، فقد أخذ رسول الله ﷺ بيد معاذ، وقال له: “يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك“، ثم قال: “أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك” (أبو داود، حديث 1522). وهذا يبرز جمال التربية النبوية، فالمربي لا يصنع الإنسان بكثرة الأوامر، وإنما يبني معه علاقة ثقة ورحمة ومحبة، وحين يصل إلى قلبه تصبح النصيحة أكثر عمقاً وأطول بقاء.
وأما قوله ﷺ: “اللهم أعني”، فهو في ذاته تربية للعالم؛ فهذا معاذ الذي جمع القرآن، وعُرف بالفقه، وسيحمل التعليم إلى اليمن والشام، يتعلم منذ البداية أنه عاجز عن القيام بأمر دينه إلا بعون الله، وأن العلم لا يحقق في صاحبه الاستغناء عن توفيق ورحمة الله، وإنما يزيده معرفة بفقره إلى ربه، وأن الذكر يحفظ القلب، والشكر يحفظ النعمة، وحسن العبادة يصلح العمل ويطهره من العادة والرياء والغفلة.
وقد ازداد هذا المعنى حضوراً عندما حدثنا الدكتور علاء الدين السايق عن انتقال هذه الوصية بين الرواة، فقد أوصى سيدنا معاذ بها من بعده، وانتقلت من الصنابحي إلى أبي عبد الرحمن الحبلي، ومن أبي عبد الرحمن إلى عقبة بن مسلم، فكأن كل راوٍ كان يورث تلميذه النص وروحه معاً، وهذا من لطائف التربية بالإسناد التي عرفها علماء المسلمين (أحمد بن حنبل، 2001، حديث 22119). وقد أشار النص المرفق إلى هذا التواتر بوصفه شاهداً على أن العلم الشرعي كان ينتقل مصحوباً بالأمانة والتربية والصدق والإخلاص.
- إلى اليمن … العلم حين يتحول إلى مسؤولية
لما أراد رسول الله ﷺ أن يبعث من يُعلم أهل اليمن ويفقههم في الدين، كان معاذ من الذين وقع عليهم الاختيار، وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال له حين بعثه: “إنك ستأتي قوماً أهل كتاب”، وبعد ذلك أمره أن يبدأ بدعوتهم إلى توحيد الله تعالى والإيمان بدعوة الإسلام، فإذا استجابوا أعلمهم بالصلاة، ومن ثم بالزكاة التي تؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم، وحذره من أخذ كرائم أموالهم، وختم توجيهه بقوله: “واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” (البخاري، 1422هـ، حديث 1496؛ مسلم، د.ت.، حديث 19).
وهذه الوصية في بعثته إلى اليمن نص عظيم في فقه الدعوة والحكم والعدل؛ فقد بدأ النبي ﷺ مع معاذ بتعريفه طبيعة المجتمع الذي سيأتيه: “إنك تأتي قوماً أهل كتاب”، وفي هذه العبارة إدراك للبيئة قبل دعوة أهلها، ورتب له الأولويات، ولفت نظره إلى العدالة الاجتماعية حين جعل الزكاة تُؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، وحذره من ظلم الناس في أموالهم، ووضع أمامه قاعدة يخشاها كل صاحب مسؤولية: دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
وأما الحديث المشهور في بعض كتب الأصول أن النبي ﷺ سأله عند إرساله إلى اليمن: «بم تقضي؟»، فقال: بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد اجتهد رأيه، فهو خبر مشهور في كتب الفقه وأصوله، واستعمله علماء في الكلام على الاجتهاد ومصادر الاستدلال، غير أن المحدثين تكلموا في إسناده، ولذلك فإن الدقة تقتضي ذكره مع بيان الخلاف في ثبوته، وألا يوضع في رتبة النصوص الصحيحة السابقة التي ثبت بها بعث معاذ إلى اليمن ومنهج النبي ﷺ في توجيهه.
- من اليمن إلى الشام .. انتقال العلم مع الرجال
بعد وفاة رسول الله ﷺ اتصلت حياة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه ببلاد الشام، وكان من جيل الصحابة الكرام رضي الله عنه، والذين حملوا إليها القرآن والفقه والسنة، وهنا بدأ الحديث عنه يأخذ عندي بعداً آخر وأنا أقف في دمشق؛ فما عرفته الشام بعد ذلك من مدارس ومحدثين وفقهاء ومفسرين لم تكن بدايته في القرن الرابع أو الخامس أو السادس الهجري، وإنما كانت وراءه طبقات مبكرة من الرجال الذين تلقوا العلم في المدينة النبوية، وقد حملوه إلى الأمصار الأخرى.
وقد حفظ الإمام الذهبي وغيره أخبار سيدنا معاذ في الشام، وروى عنه عدد من الصحابة والتابعين، ومن أبرزهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأنس وأبو أمامة وأبو إدريس الخولاني وغيرهم، وكانت منزلته بين الناس ظاهرة حتى صار مرجعاً في العلم والفتوى (الذهبي، 1985).
ولقد عدت بذاكرتي إلى حواري مع الدكتور علاء الدين السايق خلال جولتنا في الجامع الأموي؛ فقبل أن تكون في دمشق الزاوية الغزالية، وقبل مجالس ابن عساكر، وقبل النووي والذهبي وابن تيمية وابن كثير، كان العلم ينتقل في صورته الأولى مع الصحابة الكرام بعد الفتح الإسلامي. وأما الأسماء المذكورة، فإن هؤلاء كانوا يحملون المدرسة النبوية في ذاكرتهم وسلوكهم، يجلسون للناس، ويجيبون عن مسائلهم، ويقرئونهم القرآن، ويربون التابعين الذين سيحملون عنهم العلم إلى الأجيال التالية.
ويحتاج القارئ إلى ملاحظة تاريخية ذات قيمة كبيرة، فمعظم الروايات التي سيأتي ذكرها تتحدث عن “مسجد دمشق” في عصر معاذ، بينما البناء الأموي الكبير بصورته التي عُرف بها لاحقاً يرجع إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك بعد زمن معاذ بعقود، ولذلك فإن استحضار معاذ ونحن نقف اليوم في الجامع الأموي هو استحضار للفكر والعلم الإسلامي في دمشق وصلته بالمكان، ولا يصح أن نحول ذلك تلقائياً إلى دعوى بأن معاذاً جلس في البناء الأموي بصورته المعمارية التي شيدت بعده.
- “فتى براق الثنايا” … معاذ بن جبل كما رآه أبو إدريس في مسجد دمشق
إن من أجمل الروايات التي تقرب لنا شخصية سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه في الشام ما رواه أبو إدريس الخولاني، فقد قال إنه دخل مسجد دمشق، فإذا هو بفتى براق الثنايا، وإذا الناس حوله، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسأل عنه، فقيل له: هذا معاذ بن جبل. وإن هذه صورة تقول الكثير عن قيمة العلم في المجتمع الأول، كما تقول الكثير عن معاذ نفسه، فقد وصل إلى منزلة يرجع فيها الناس إلى رأيه وهو لا يزال في عمر الشباب.
وقد نقلت الوثيقة العلمية التي اطلعت عليها هذه الرواية نفسها، وأثبتت في سياق إسناد حديث “وجبت محبتي”، وصف أبي إدريس لمعاذ والناس حوله في مسجد دمشق، وهو من أهم المواضع في الوثيقة؛ لأنه يجعل الحديث الذي نتناوله متصلاً بصورة علمية واجتماعية واضحة لمعاذ في الشام.
ويتابع أبو إدريس قصته فيقول: إنه جاء في اليوم التالي مبكراً، فوجد معاذاً قد سبقه إلى المسجد ووجده يصلي، فانتظره حتى فرغ، ثم جاءه وقال له: والله إني لأحبك لله، فسأله معاذ مؤكداً: آلله؟ فلما أكد ذلك جذبه إليه وبشره بما سمعه من رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه سبحانه من وجوب محبته للمتحابين فيه، والمتجالسين فيه، والمتزاورين فيه، والمتباذلين فيه، وقد صحح أهل العلم إسناد أصل هذا الحديث، وأخرجه الإمام أحمد ومالك وغيرهما (أحمد بن حنبل، 2001، حديث 22030).
وكنت أتأمل هذا المشهد وأرى فيه اتصالاً جميلاً بالوصية الأولى؛ فرسول الله ﷺ يقول لمعاذ: “والله إني لأحبك”، وبعد ذلك، يهديه دعاءً لصلاح قلبه ودينه، وبعد سنوات يأتي أبو إدريس إلى معاذ، ويقول له: “والله إني لأحبك لله”، فيجيبه معاذ ببشارة سمعها من رسول الله ﷺ، وكأن التربية التي تلقاها تحولت فيه إلى تربية لغيره، وإن المحبة التي أحاطه بها رسول الله ﷺ أصبحت باباً يعلم منه تلاميذه معنى الحب في الله. وهذه الوصية تكشف خيطاً من خيوط شخصيته؛ فقد تعلم أن المحبة في الله تقود إلى النصح، وأن العالم لا يحتكر الخير الذي عنده، وأن المجلس العلمي يجب أن يجمع الفقه والصلاة والأخوة والحديث في مكان واحد.
- الوثيقة المرفقة … حديث معاذ في ذاكرة الإسناد الدمشقي
وكان مما أضاف إلى هذه الزيارة معنى خاصاً اطلاعي على الوثيقة التي كتبها الدكتور بسام عبد الكريم الحمزاوي في إملاء حديث “وجبت محبتي”، وهي ورقة تجمع الإسناد والشرح، وتورد طريقاً يمتد عبر عدد من علماء دمشق والمحدثين، وتصل الرواية في نهايته إلى مصادرها الحديثية المبكرة وإلى حديث أبي إدريس عن معاذ رضي الله عنه.
وتحمل الوثيقة قيمة خاصة بالنسبة إلى موضوعنا؛ لأنها لا تكتفي بذكر الحديث، وإنما تضعه داخل منهج الإسناد الذي ظل حاضراً في الحياة العلمية الدمشقية، وتذكُر سلسلة من الشيوخ الذين تداولوا الرواية، ومن بينهم أسماء ارتبطت بالحياة العلمية في دمشق وبجامع بني أمية، حتى يصل الإسناد إلى الإمام أحمد ثم إلى رواية أبي إدريس الخولاني عن معاذ.
وفي هذا النوع من الوثائق معنى حضاري يستحق التأمل؛ فالأمة التي حفظت أحاديث نبيها لم تحفظها عن طريق الذاكرة الجمعية وحدها، وإنما أقامت شبكة دقيقة من الرواية، يعرف فيها التلميذ شيخه، ويذكر الشيخ ممن أخذ، وتبحث أحوال الرجال، وتعرض الطرق بعضها على بعض، حتى نشأت علوم الحديث والجرح والتعديل والعلل، وبذلك أمكن التمييز بين ما يصح نسبته إلى رسول الله ﷺ وما لا يصح.
غير أن التعامل العلمي مع الوثيقة يقتضي كذلك التفريق بين قيمة الإسناد والتقليد العلمي الذي تمثله وبين الحكم على كل تاريخ أو اسم ورد في نسختها المتداولة؛ فالنص الممسوح الذي بين أيدينا تظهر فيه مواضع تحتاج إلى مراجعة النسخة الأصلية وضبط بعض الأسماء والتواريخ، ولهذا اعتمدت في الأحاديث المركزية على أصولها في المسند والصحيح والسنن، واستفدت من الوثيقة في بيان استمرار الرواية في البيئة الدمشقية، وهو المنهج الذي أراه أقرب إلى الأمانة العلمية.
- إجازة في رواية حديث “وجبت محبتي” في جامع بني أمية
وقد أخذ حديث “وجبت محبتي” معنى خاصاً في هذه الزيارة؛ فقد أكرمني الله بأن تلقيته في جامع بني أمية الكبير عن فضيلة الشيخ الدكتور محمد علاء الدين السايق، سماعاً من لفظه، وأجازني بروايته بالسند الذي أورده في إجازته، وهو سند يمر بطبقات من المحدثين والمسندين، حتى يصل إلى الإمام أحمد بن حنبل، ومن طريقه إلى رواية أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وكان لهذا الموقف أثر في نفسي؛ فقد تحدثنا في الجولة نفسها عن معاذ ومكانته في الشام، وقرأنا رواية أبي إدريس حين رآه في مسجد دمشق والناس مجتمعون حوله، ثم جاءه فقال: “والله إني لأحبك لله”، فروى له معاذ عن رسول الله ﷺ قول الله عز وجل: “وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ” (أحمد بن حنبل، 2001، حديث 22030). وهكذا اجتمع في هذه الزيارة المكان والرواية والإسناد؛ حديث حمله معاذ عن رسول الله ﷺ، وتلقاه عنه أبو إدريس، وحفظته دواوين السنة، وتناقله المحدثون جيلاً بعد جيل. وقد أثبت الدكتور محمد علاء الدين السايق الإجازة في خاتمة الوثيقة بقوله:
“الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فقد تلقى عني هذا الحديث الشريف بسماع من لفظي: الشيخ الفاضل علي محمد الصلابي حفظه الله بالسند المار، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وذلك في دمشق، بتاريخ 25 ربيع الأول 1448هـ. وكتبه: محمد علاء الدين بن عدنان السايق”.
وشعرت وأنا أتلقى هذه الإجازة بمعنى اتصال العلم بين أجيال الأمة؛ فمن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأبي إدريس الخولاني، إلى طبقات المحدثين والمسندين الذين حفظوا الرواية واعتنوا بإسنادها، بقي العلم ينتقل بالسماع والتعليم والرواية. وكان جميلاً أن تنتهي هذه الوقفة في الجامع الأموي بسماع حديث المحبة وإجازته؛ لتلتقي سيرة معاذ التي نقرؤها في المصادر مع تقليد علمي حافظ على الرواية والإسناد عبر القرون، وهو من وجوه الثراء العلمي الذي عُرفت به دمشق وعلماؤها.
- معاذ بن جبل رضي الله عنه .. العالم الذي جمع الفقه والعبادة وحسن الصلة بالناس
يكشف حديث أبي إدريس عن جانب آخر من شخصية معاذ؛ فالناس يرجعون إليه في مسائل العلم، وفي الصباح الباكر يجده أبو إدريس قائماً يصلي، وبعدها ينشأ بينهما حديث عن المحبة في الله، وكأن سيرة الرجل ترفض أن نفصل العلم عن العبادة أو الفقه عن الأخلاق.
وقد حفظت كتب التراجم عنه كلمات في العلم والفتن ومجالسة العلماء تدل على نضج تجربته، ومن أشهر المعاني المنقولة عنه تأكيده ضرورة ملازمة الحق والحذر من زلة العالم، مع إدراك أن “على الحق نوراً”، وهو معنى عميق في بناء العقل المسلم، وهو أن يعرف للعلماء مكانتهم، ولا يجعلهم معصومين، وأن يبحث عن الحق بدليله من غير أن تتحول زلة العالم إلى ذريعة لإسقاط علمه كله أو إلى مبرر لاتباع الخطأ لأنه صدر ممن نحبه (الذهبي، 1985).
وهذا الفقه نحتاج إليه في زمننا بشدة؛ فقد سهلت وسائل الاتصال إصدار الأحكام على العلماء والدعاة والمفكرين، وأصبح بعض الناس ينتقل في ساعات من الاتهام لشخص ما إلى إسقاطه بالكلية، وبينما تربينا سيرة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على ميزان أكثر عقلانية وعدلاً.
- طاعون عمواس .. عمر قصير وأثر باق
كانت خاتمة حياة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه في بلاد الشام، حيث توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة، حسب المصادر التاريخية، وهو الطاعون الذي ذهب فيه عدد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وتذكر كتب التراجم اختلافاً يسيراً في تقدير سن معاذ عند موته، فقيل نحو ثلاث وثلاثين سنة، وقيل أربع وثلاثون، وعلى كلا التقديرين فقد رحل وهو في عمر يعد اليوم من أول الشباب والنضج، بعد أن خلف وراءه تراثاً لا يقاس بعدد سنوات حياته (الذهبي، 1985؛ العيني، د.ت.).
ونقلت كتب الزهد والسير عنه في أيامه الأخيرة كلمات تدل على تعلقه بمجالس العلم والعبادة، واشتهر عنه معنى أنه لم يكن يحب طول البقاء في الدنيا لمتاعها، وإنما لما فيها من ظمأ الهواجر ومجالسة العلماء ومزاحمتهم بالركب في حلق الذكر، ومع اختلاف طرق هذه الأخبار وتفاصيل ألفاظها، فإنها تنسجم مع الصورة العامة التي رسمتها المصادر لمعاذ: عالم شاب، عابد، شديد التعلق بالتعلم والتعليم (الذهبي، 1985). وهنا تظهر قيمة الشباب في سيرة معاذ بصورة أوضح؛ فقد شهد العقبة شاباً، وتلقى القرآن شاباً، وشهد له النبي ﷺ بالفقه وهو شاب، وأرسله معلماً إلى اليمن، وصار في الشام مرجعاً والناس حوله، وأخيراً، رحل عن الدنيا قبل أن يبلغ ما نعده اليوم منتصف العمر، وبقي اسمه بعد أربعة عشر قرناً في كتب القرآن والحديث والفين والتربية الأخلاقية والعقائدية.
- من معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى مدرسة الشام العلمية
حين انتهى حديث الدكتور علاء الدين السايقعن معاذ، وعدنا إلى أسماء العلماء الذين تحدثنا عنهم في الجولة نفسها، رأيت مساراً تاريخياً يمتد عبر القرون؛ من الصحابة رضوان الله عليهم الذين حملوا العلم إلى الشام، إلى التابعين، وكذلك إلى الأوزاعي ومدرسته، ومن بعده إلى مدارس المذاهب والحديث والقراءات، وإلى ابن عساكر والغزالي والنووي والذهبي وابن تيمية وابن كثير وابن الجزري وغيرهم، وليس المقصود أن كل هؤلاء أخذوا مباشرة من سلسلة واحدة تبدأ بسيدنا معاذ بن جبل، وإنما المقصود أن معاذ يمثل الرعيل الأول ومن المؤسسين الأوائل للحركة العلمية في دمشق.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 11).
- ما الذي تخبره سيرة سيدنا معاذ لجيلنا!؟
تخبر سيرة معاذ بن جبل رضي الله عنه المربين، بأن النبي ﷺ كان يرى الطاقات في الشباب، ويقربهم، ويعلمهم، ويخبرهم بمحبته، ومن ثم يحملهم المسؤوليات، وإن سيدنا معاذ قبل أن يذهب إلى اليمن عاش في مدرسة النبوة، وحفظ القرآن، وتفقه في الدين، وأخذ من رسول الله ﷺ العلم والتربية، ومن بعد ذلك جاء التكليف. وتخبر العالِم بأن علمه مهما اتسع لا يغنيه عن أن يرفع قلبه إلى ربه ويقول: “اللهم أعني”، وتخبر صاحب السلطة إن دعوة المظلوم أقرب إلى الله من حصونه ومناصبه، وتخبر المجتمع إن العلم حين يحظى بالاحترام يستطيع أن يجعل فتى شاباً مرجعاً يرجع الناس إلى رأيه لأنه أهل للثقة والمعرفة.
وهذه المعاني كلها نحتاج إليها في حاضرنا العربي والإسلامي، ونحتاج إليها في سوريا وهي تعيد بناء مؤسساتها ومجتمعها بعد محنة طويلة؛ فإعادة الإعمار تحتاج إلى الحجر والاقتصاد والدستور.
- خاتمة …
خرجت من الجامع الأموي بعد هذه الجولة، وهي الجولة نفسها التي تحدثت عن جوانب منها في المقال السابق، وأنا أستحضر صورة معاذ بن جبل رضي الله عنه في مراحل حياته المختلفة؛ فتى من الأنصار يدخل الإسلام، ويشهد العقبة وبدراً، وقارئ يأمر النبي ﷺ الأمة أن تأخذ القرآن عنه، وفقيه يشهد له رسول الله ﷺ بالعلم بالحلال والحرام، وتلميذ قريب يركب خلف النبي ﷺ فيعلمه حق الله على عباده، ومعلم يذهب إلى اليمن يحمل التوحيد والفقه والعدل، وصحابي يأتي إلى الشام فيلتف الناس حوله ويسألونه، وعابد يبكر إلى المسجد، ومربٍّ يأخذ من صاحبه كلمة المحبة، فيردها ببشارة عن رسول الله ﷺ، وبعد هذا، رجل يدركه الطاعون في أرض الشام ويرحل وهو في ريعان عمره.
وبين هذه الصور كلها بقيت الوصية النبوية في قلبي، وذلك لأنها تكشف عن القلب الذي كان وراء تلك الأعمال كلها، وعن التربية التي تلقاها من رسول الله ﷺ، فقد كان عالماً يحتاج إلى عون الله، وفقيهاً يحتاج إلى الذكر، وصاحب منزلة يحتاج إلى الشكر، وعابداً يطلب حسن العبادة.
“يا معاذ، والله إني لأحبك… أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك” (أبو داود، د.ت.، حديث 1522).
وسعدت في هذه الجولة بصحبة فضيلة الشيخ الدكتور علاء الدين السايق، مدير الشؤون العلمية في الجامع الأموي، وبما أفادني به من حديث عن معاذ وتاريخ مجالس العلم في دمشق، كما أسعدني الاطلاع على الوثيقة المتعلقة بإسناد حديث “وجبت محبتي”، فقد جمعت لي الزيارة بين هيبة المكان، وبين ما نقرأه في كتب الحديث والتاريخ العلمي لدمشق وحضارتها.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضى عن معاذ بن جبل وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، وأن يرزقنا صدق محبتهم وحسن الاقتداء بهم، وأن يبارك في علماء الشام وطلاب العلم فيها، وأن يعيد إلى مساجد دمشق وسوريا مجالس القرآن والفقه والحديث والتربية، وأن يرزق شباب الأمة همة معاذ في طلب العلم، وفقهه في الدين، وصدقه في الدعوة، وأن يجعل في قلوبنا نصيباً من تلك الوصية التي بقيت على مرّ القرون: اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- أحمد بن حنبل. (2001). مسند الإمام أحمد بن حنبل (شعيب الأرناؤوط، وعادل مرشد، وآخرون، تحقيق). مؤسسة الرسالة.
- أحمد بن شعيب النسائي. (2001). السنن الكبرى (حسن عبد المنعم شلبي، تحقيق). مؤسسة الرسالة.
- بسام عبد الكريم الحمزاوي. (د.ت.). إملاء حديث «وجبت محبتي» في المسند، في مسجد بني أمية الكبير بدمشق: إملاء وإسناد وشرح، ورقة علمية غير منشورة.
- سليمان بن الأشعث أبو داود. (د.ت.). سنن أبي داود (محمد محيي الدين عبد الحميد، تحقيق). المكتبة العصرية.
- علاء الدين السايق. (2026، سبتمبر). حديث شفوي خلال زيارة الجامع الأموي الكبير بدمشق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ومجالس العلم في الشام، شهادة شفوية غير منشورة.
- علي محمد الصلابي. (2026، سبتمبر). ملاحظات وانطباعات شخصية خلال زيارة الجامع الأموي الكبير بدمشق ومحراب الصحابة، دمشق.
- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. (1985). سير أعلام النبلاء (شعيب الأرناؤوط وآخرون، تحقيق). مؤسسة الرسالة.
- محمد بن إسماعيل البخاري. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (محمد زهير بن ناصر الناصر، تحقيق). دار طوق النجاة.
- محمد بن عيسى الترمذي. (1975). سنن الترمذي (أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، تحقيق). شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.
- محمد لن سعد ابن سعد. (1990). الطبقات الكبرى (محمد عبد القادر عطا، تحقيق). دار الكتب العلمية.
- محمود بن أحمد العيني. (د.ت.). عمدة القاري شرح صحيح البخاري. دار إحياء التراث العربي.
- مسلم بن الحجاج. (د.ت.). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ (محمد فؤاد عبد الباقي، تحقيق). دار إحياء التراث العربي.
- يوسف بن عبد الله ابن عبد البر. (1992). الاستيعاب في معرفة الأصحاب (علي محمد البجاوي، تحقيق). دار الجيل.





