لم تعد تداعيات أزمة سبتة الأخيرة محصورة في الحدود أو البرلمان والإعلام الإسباني، بل امتدت خلال الأسابيع الماضية إلى فضاء كرة القدم شديد الحساسية والتأثير.
ومنذ دخول عشرات الآلاف إلى مدينة سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز، دخلت إسبانيا في نقاش سياسي وأمني واسع بشأن علاقتها بالمغرب، فيما أعادت تصريحات مغربية بشأن سبتة إلى الواجهة الخلاف القديم حول السيادة على المدينة ومليلية والجزر المجاورة، إذ تعتبر الرباط هذه الأراضي جزءا من ترابها، بينما تؤكد مدريد أنها جزء من السيادة الإسبانية.
حدة النقاش ظهرت حتى في استطلاعات الرأي، فقد أظهر بارومتر مركز البحوث السوسيولوجية الإسباني أن 86.3 في المائة من المستجوبين يرون التفاهم مع المغرب مهما لضمان أمن الحدود، وهو ما يعكس حجم الارتباط بين ما يجري في سبتة والعلاقة مع الرباط، وفي الوقت نفسه، دفعت الأزمة رئيس حكومة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، إلى التوجه إلى بروكسيل للمطالبة بوضع أوروبي خاص للمدينة وحضور أكبر لوكالات الاتحاد الأوروبي.
هذا المناخ انتقل سريعًا إلى كرة القدم، فقد أطلقت جمعية رجال الأعمال في فالنسيا مبادرة تضامنية رُفعت خلالها قمصان تحمل عبارة “Todos somos caballas”، أي “كلنا من سبتة”، وظهر اسم المدينة إلى جانب رموز إسبانية، كما قبلت رابطة الدوري الإسباني المبادرة، لتظهر في مباريات ليفانتي وبرشلونة، وفياريال وبيتيس، ثم إلتشي وريال مدريد.
والنسبة إلى منظميها، قُدمت الحملة باعتبارها تضامنا اجتماعيا مع سكان سبتة، لكن وجودها في سياق نزاع سياسي حول المدينة منحها، عمليا، حمولة تتجاوز الرياضة.
ولم يمر الأمر دون اعتراضات، فنادي برشلونة كان الوحيد الذي لم يشارك مؤسساتيا في ارتداء القميص خلال المباريات التي شملتها المبادرة، وهي خطوة حظيت باهتمام الصحافة الإسبانية ووسائل إعلام سبتة.
أما الصورة الأكثر إثارة للجدل فجاءت خلال مباراة إلتشي وريال مدريد، حيث ظهر كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي بالقميص من دون إظهاره كاملا بالطريقة نفسها التي فعل بها زملاؤهم.
وأكدت Cadena SER أن مبابي وفينيسيوس نزعا القميص بعد الصورة الجماعية وقبل استكمال مراسم التحية البروتوكولية، فيما نقلت الصحيفة أن ريال مدريد اعتبر الأمر مرتبطا بـ”حساسيات شخصية” للاعبين، مع احترام النادي لقرار كل لاعب، كما لم يصدر عن الثلاثة تفسير سياسي مباشر لموقفهم.
وكان الدولي المغربي عبد الصمد الزلزولي قد وجد نفسه في قلب الجدل نفسه بعدما ارتدى القميص مع ريال بيتيس، وتعرض لانتقادات واسعة على مواقع التواصل، ما دفعه إلى إصدار توضيح يؤكد فيه أن مشاركته كانت ذات بعد اجتماعي وإنساني وليست موقفا سياسيا، مشددا في الوقت نفسه على اعتزازه بالمغرب وتمثيله لمنتخبه الوطني، كما أعلنت رابطة الليغا وبيتيس دعمه بعد الهجمات التي تعرض لها.
القضية لم تتوقف عند الملاعب، ففي البرلمان الأوروبي، خرجت النائبة الإيطالية إيلاريا ساليس عن الخط الإسباني الرسمي بقولها إن “سبتة ليست إسبانيا وليست أوروبا”، مضيفة أن المدينة تقع جغرافيًا في إفريقيا، وواصفة وضعها بأنه “بقايا من الاستعمار الأوروبي”، وأثارت كلماتها جدلا واسعا داخل إسبانيا، خصوصًا أنها صدرت في جلسة أوروبية كان معظم المتدخلين فيها يؤكدون العكس.
ويكشف كل ذلك أن محاولة تحويل التضامن مع سبتة المحتلة إلى رمز رياضي جامع لم تحقق إجماعًا كاملا، فقد أصبح القميص نفسه موضوعا للتأويل السياسي، ومن يرتديه قد يُقرأ موقفه باعتباره تأييدا للرسالة الإسبانية، ومن يمتنع عنه يفتح الباب أمام تأويل معاكس، حتى عندما لا يعلن موقفا سياسيًا.
وتزداد حساسية المشهد عندما يُقارن بملف جبل طارق، فإسبانيا تطالب بسيادتها عليه، بينما تديره بريطانيا باعتباره إقليما بريطانيا ما وراء البحار، كما لا يزال مدرجا لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لكن النقاش عليه داخل إسبانيا يكاد يكون نخبويا على خلاف الزخم الذي يتعلق بمدينة سبتة.
وبهذا المعنى، لم تعد كرة القدم مجرد منصة تضامن بعد أزمة سبتة، بل أصبحت مرآة للانقسام نفسه، حكومة وأندية ومؤسسات تحاول تثبيت سردية إسبانية للمدينة، ولاعبون وأندية ونواب أوروبيون يكشفون، بدرجات مختلفة، أن نقل قضية بهذا التعقيد إلى الملاعب لا يلغي السياسة، بل قد يجعلها أكثر ظهورا.
المصدر: الصحيفة





