الأحزاب تعد بتحسين القدرة الشرائية والحد من الغلاء في حملتها الانتخابية.. لكن هل يمكن إعادة الأسعار إلى الوراء؟

إيطاليا تلغراف متابعة

من بين القواسم المشتركة التي تكشفها البرامج الانتخابية للأحزاب المتنافسة في تشريعيات 23 شتنبر، يحضر تحسين القدرة الشرائية باعتباره واحدا من أبرز الالتزامات الموجهة مباشرة إلى الأسر.

وتختلف الأدوات المقترحة لتحقيق ذلك، بين التدخل في الأسعار ومسالك التوزيع، والرفع من الأجور والمعاشات، وتوسيع الدعم الاجتماعي، وإجراءات ضريبية ومالية تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين.

لكن هذه الوعود تأتي أمام واقع اقتصادي يجعل التمييز ضروريا بين تراجع التضخم وتراجع الأسعار نفسها، خصوصا أن والي بنك المغرب سبق أن نبه إلى صعوبة عودة الأسعار إلى الانخفاض بعد ارتفاعها.

وهو ما يضع برامج الأحزاب أمام سؤال حول الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الحكومة المقبلة لتحسين القدرة الشرائية، إذا لم يكن الرهان على إعادة الأسعار وحدها إلى مستوياتها السابقة كافيا.

ولم يبق ملف الغلاء حبيس البرامج الانتخابية، بل انتقل إلى خطابات قادة الأحزاب خلال الحملة، مع تحول القدرة الشرائية إلى واحدة من القضايا التي يتنافس حولها المرشحون قبل اقتراع 23 شتنبر.

ومن أكثر التصريحات وضوحًا في هذا السياق ما صدر عن فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي أقر بأن ارتفاع كلفة المعيشة حد من أثر المجهود المالي الذي بذلته الحكومة خلال السنوات الماضية، معتبرا أن الغلاء لم يترك للدعم والزيادات في الأجور الأثر المنتظر على القدرة الشرائية.

ومن موقع منافس، وضع نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، محاربة الغلاء ضمن أولويات حزبه، معتبرًا أن تحسين القدرة الشرائية لا يمر فقط عبر رفع المداخيل، وإنما يتطلب أيضًا ضبط الأسعار وتنظيم مسالك توزيع المواد الأساسية.

وبذلك، يبدو أن الخلاف بين الأحزاب لم يعد حول وجود مشكلة في القدرة الشرائية، بقدر ما أصبح حول الأدوات التي تقترحها لمعالجتها.

وتنتقل وعود تحسين القدرة الشرائية من خطابات الحملة إلى البرامج الانتخابية، حيث تقترح الأحزاب أدوات مختلفة للتعامل مع الأسعار ومداخيل الأسر.

فالتجمع الوطني للأحرار يتعهد برفع الحد الأدنى للأجر إلى 5 آلاف درهم، إلى جانب رفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجيًا، وإحداث آلية للادخار مدعومة من الدولة لفائدة الأسر.

أما الأصالة والمعاصرة، فيضع ضمن برنامجه إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستويات يصفها بـ”الطبيعية”، إلى جانب تخفيض الضريبة على الأجور، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3 آلاف درهم، والدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم على الأقل، مع إجراءات لإعادة تنظيم مسالك التوزيع والحد من تعدد الوسطاء.

ويطرح حزب الاستقلال بدوره الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات وتحسين الدخل الصافي للأسر، إلى جانب إحداث آلية وطنية لتتبع هوامش الربح في السلع والخدمات المرتبطة بالحياة اليومية، وتقوية مهام مجلس المنافسة.

لكن بين وعود الأحزاب بخفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، تبرز معادلة سبق أن نبه إليها والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري.

فخلال ندوة صحفية أعقبت اجتماع مجلس بنك المغرب في مارس 2025، أوضح الجواهري أن البنك كان يدعو إلى تسريع زيادة العرض، لأن الأسعار عندما ترتفع يصبح من الصعب إعادتها إلى الانخفاض.

وأشار إلى أن زيادة العرض بعد ارتفاع الأسعار لا تقود بالضرورة إلى عودتها إلى مستوياتها السابقة، إذ قد يكون التراجع المسجل بعدها محدودا.

وبعد نحو عام ونصف، تعود هذه المعضلة إلى الواجهة مع الوعود الانتخابية المتعلقة بالغلاء، مما يطرح عددا من الأسئلة، فإذا كان من الصعب إعادة الأسعار إلى الوراء، فهل يكون الرهان الأكثر واقعية للحكومة المقبلة هو خفضها، أم رفع قدرة الأسر على تحمل مستواها الجديد؟

ويرى يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن معالجة إشكالية القدرة الشرائية تقتضي ضبط معادلة تجمع بين الرفع من دخل المواطنين والتحكم في الأسعار، موضحًا أن رفع الدخل يظل أساسيا، سواء من خلال تخفيض الضريبة على الدخل أو الزيادة في الأجور وغيرها من الإجراءات، لكن ذلك لن يكون كافيًا إذا لم تتم، بالتوازي، مراقبة الأسعار وضبط سلاسل الإنتاج.

وأوضح كراوي الفيلالي، في تصريح لـ”الصحيفة” أن التضخم ذو طبيعة تراكمية، إذ إن انخفاض معدله لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعني أساسا تباطؤ وتيرة ارتفاعها.

وضرب مثالا بسلعة ارتفع سعرها من 100 إلى 110 دراهم، معتبرا أن تسجيل تضخم في حدود 2 في المائة قد يرفع سعرها لاحقا إلى نحو 112 درهمًا، بدل أن يعيده إلى 100 درهم.

وأضاف رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير أن التحكم في التضخم يظل أمرا إيجابيا، لكنه لا يلغي حقيقة وصول أسعار عدد من السلع والبضائع إلى مستويات مرتفعة، وهو ما يستدعي، إلى جانب رفع الدخل، التحكم في سلاسل الإنتاج وضبط الأسعار، على الأقل لمنعها من تسجيل زيادات إضافية، مشددا على أن المواطن لن يستفيد من الزيادة في دخله إذا استمرت الأسعار بدورها في الارتفاع.

ويربط كراوي الفيلالي جزءا من معالجة الأسعار بضبط سلاسل الإنتاج وتقليص عدد الوسطاء، معتبرًا أن مرور السلعة عبر أربعة أو خمسة أو ستة متدخلين قبل وصولها إلى المستهلك يؤدي إلى ارتفاع ثمنها.

وأوضح أن تقليص عدد المتدخلين بين الفلاح والسوق ثم محلات البيع بالتقسيط يمكن أن يساعد على جعل الأسعار أكثر معقولية، رابطًا المسألة أيضًا بكلفة المحروقات وانعكاسها على نقل الخضر والفواكه والمواد المستهلكة عبر جهات المملكة.

ويرى أن ضبط هذه العناصر يظل ضروريا، لأن تخفيض الضريبة على الدخل أو إقرار زيادة طفيفة في الأجور لن يحل المشكلة، في نظره، إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.

وبين وعود الأحزاب وصعوبة إعادة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، يضع كراوي الفيلالي أمام الحكومة المقبلة تحديين متدرجين: وقف الارتفاع أولًا، ثم محاولة خفض كلفة بعض المواد.

ويعتبر رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير أن التحدي الأول يتمثل في وقف وتيرة ارتفاع الأسعار وضبط التضخم، حتى يظهر أثر أي إجراءات مرتبطة بتخفيض الضريبة على الدخل أو الزيادة في الأجور على المواطن.

أما التحدي الثاني، فيرتبط في نظره بضبط تكاليف الإنتاج والتوزيع، والبحث في أسباب الفارق بين سعر المنتوج عند الإنتاج والسعر الذي يصل به إلى السوق، سواء تعلق الأمر بالوسطاء أو المتدخلين أو أسعار المحروقات.

ويرى أن تقليص هذه الكلفة بالنسبة لبعض المواد الاستهلاكية الأساسية يمكن أن يسمح بالانتقال من مجرد تثبيت الأسعار إلى خفضها، معتبرًا أن تحقيق ذلك يحتاج إلى “جرأة سياسية” من الأحزاب التي ستشكل الحكومة المقبلة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...