خاص – “الصحيفة” تنشر وثائق أممية حول ملف سبتة ومليلية والجزر تؤكد طرحه أمام لجنة تصفية الاستعمار دون حسم فيه.. مع دعم للمغرب من الاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي
يحتد الخلاف حول مدينتي سبتة ومليلية بين المغرب وإسبانيا، في الوقت الذي تتحدث فيه النخب السياسية والإعلامية الإسبانية عن المدينتين باعتبارهما جزءا من التراب الإسباني منذ قرون، يؤكد المغرب أن سبتة ومليلية أراض محتلة، ويتمسك بمطلب استرجاعهما ضمن استكمال وحدته الترابية.
وفي خضم هذا الصراع السياسي والتاريخي بين البلدين، حصلت “الصحيفة” على وثائق من أرشيف الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، تعيد وضع ملف المدينتين والجزر المجاورة لهما في سياقه الدبلوماسي والقانوني خلال سبعينيات القرن الماضي، وتكشف أن الرباط حاولت سنة 1975 نقل النزاع رسميا إلى آليات تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، مدعومة بمواقف صريحة صدرت حينها عن منظمات إقليمية ودولية.
ويستند الخطاب الإسباني تاريخيا إلى قِدم وجوده في المدينتين، وإن كان تاريخ كل واحدة منهما مختلفا، فمليلية خضعت للسيطرة القشتالية سنة 1497، أما سبتة فدخلها البرتغاليون سنة 1415، وانتقلت لاحقا إلى التاج الإسباني كنتيجة لقيام الاتحاد بين الدولتين، قبل أن يُكرَّس انفصالها عن البرتغال لصالح إسبانيا في القرن السابع عشر، كما تعتبر مدريد المدينتين جزءا من وحدتها الوطنية، وهو الموقف الذي سجلته رسميا أمام الأمم المتحدة سنة 1975.
في المقابل، تكشف وثيقة الأمم المتحدة A/AC109/475، المؤرخة في 27 يناير 1975 والموزعة رسميا في 31 من الشهر نفسه، أن الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة توجه إلى رئيس “اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”، المعروفة بلجنة الـ24، طالبا إدراج سبتة ومليلية والحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
ووصف المغرب في الرسالة هذه المواقع بأنها “آخر بقايا الاحتلال الاستعماري” على الساحل المتوسطي الإفريقي، واعتبر أن وضعها التاريخي والسياسي والقانوني مماثل، لوضع جبل طارق، مؤكدا أنه لم يتخل عبر تاريخه عن المطالبة باستعادتها في إطار تحقيق وحدته الترابية.
إسبانيا ردت سريعا على الطلب المغربي، ففي رسالة رسمية مؤرخة في 12 فبراير 1975 تحمل الرقم A/AC109/477، رفضت مدريد الطرح المغربي، وقالت إن مليلية وسبتة وصخرة الحسيمة وشبه جزيرة بادس والجزر الجعفرية “مندمجة ضمن الوحدة الوطنية لإسبانيا”، واعتبرت الطلب المغربي محاولة للمساس بوحدتها الوطنية وسلامتها الترابية، وهكذا، كانت أمام لجنة الأمم المتحدة في السنة نفسها روايتان قانونيتان متعارضتان بشكل مباشر.
ولم يتوقف الملف عند تبادل الرسائل، ففي 8 غشت 1975 أعد فريق العمل التابع للجنة الـ24 تقريره السابع والسبعين تحت الرقم A/AC109/L1045، قبل أن تنظر اللجنة الخاصة في القضية خلال اجتماعها رقم 1012 بتاريخ 13 غشت 1975.
ويثبت التقرير السنوي للجنة، وفق المعطيات والوثائق التي حصلت عليها “الصحيفة”، أن فريق العمل كانت أمامه رسالتا المغرب المؤرختان في 27 يناير و30 يونيو 1975، إضافة إلى الرد الإسباني في 12 فبراير.
والأهم أن فريق العمل أوصى بأن “تواصل اللجنة الخاصة النظر في المسألة في دورتها المقبلة”، وهي التوصية التي اعتمدتها اللجنة في الاجتماع نفسه دون اعتراض.
وهذه الصياغة مهمة قانونيا، فهي لا تعني أن الأمم المتحدة أدرجت سبتة ومليلية رسميا ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لكنها تثبت، في المقابل، أن الطلب المغربي لم يُرفض أو يُغلق في اجتماع 1975، وإنما تقرر استمرار النظر في “المسألة القائمة” خلال الدورة التالية.
وبالتوازي مع التحرك الأممي، تلقى المغرب دعما صريحا من منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي حاليا)، ففي دورتها الرابعة والعشرين بأديس أبابا، بين 13 و21 فبراير 1975، اعتمد مجلس وزراء المنظمة قرارا بعنوان “الجيوب الاستعمارية على الساحل الشمالي للمغرب”.
ويسمي القرار سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة بادس والجزر الجعفرية، ويعلن “التضامن الكامل” مع المملكة المغربية من أجل استرجاع هذه المناطق، مطالبا لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات المناسبة، وداعيا إسبانيا إلى تسريع تصفية الاستعمار وبدء مفاوضات مع المغرب
وبعد أشهر، جاء دعم مماثل من منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي حاليا)، ففي المؤتمر السادس لوزراء الخارجية، المنعقد بجدة بين 12 و15 يوليوز 1975، صدر القرار 16/6-P الذي حصلت “الصحيفة” على نسخة منه، بعنوان صريح هو “المدينتان المغربيتان سبتة ومليلية وجزرهما الساحلية”.
وقرر المؤتمر منح المغرب “الدعم الكامل” في مطلبه باستعادة سيادته على المدينتين، كما طلب من لجنة تصفية الاستعمار النظر في القضية ودعوة الحكومة الإسبانية إلى الدخول في مفاوضات مع الرباط.
وتعيد هذه الوثائق، بعد أكثر من نصف قرن، رسم صورة أكثر تعقيدا للملف من مجرد مواجهة بين سرديتين تاريخيتين، فهي تثبت أن المغرب لم يحصر مطالبته بسبتة ومليلية في التصريحات السياسية أو العلاقات الثنائية مع مدريد، بل حاول سنة 1975 إدخالها إلى المسار الأممي لتصفية الاستعمار، وحصل في تلك المرحلة على دعم رسمي من منظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
لكنها تثبت في الوقت نفسه حدود ما تحقق أمميا، فقد درست لجنة الـ24 المراسلات، وقررت استمرار النظر في المسألة، لكنها لم تتخذ قرارا نهائيا بإدراج سبتة ومليلية ضمن القائمة الأممية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وبين الموقفين المغربي والإسباني، بقي النزاع قائما سياسيا وتاريخيا، دون تسوية قانونية متفق عليها بين الرباط ومدريد حتى اليوم.
ويعني دعم منظمتي الاتحاد الإفريقي والتعاون الإسلامي، بالإجماع، لمسألة السيادة المغربية على سبتة ومليلية، أن هناك 84 دولة عبر العالم تدعم المطالب المغربية، بما يشمل الدول ذات العضوية فيهما معا، كما تضم منظمة الاتحاد الإفريقي 54 بلدا معترفا بها لدى الأمم المتحدة، في حين تشمل منظمة التعاون الإسلامي 57، وهناك 27 دولة لها مقعد في كلتا المنظمتين.
والمثير للانتباه أيضا هو أن هذا “الإجماع” يشمل الدولة الأكثر انحيازا للاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية والجزر المتوسطية التي يطالب بها المغرب، وهي الجزائر، التي سبق أن أعلنت رسميا وقوفها إلى جانب مدريد، على اعتبار أن الأمر يتعلق بـ”حدود موروثة عن الاستعمار”.
المصدر: الصحيفة





