كشف مدرب نادي نيوكاسل الإنجليزي ماتياس يايسله عن جانب خفي في حياته، خلال حديثه مع صحيفة “تلغراف” البريطانية، مستعيدا محطات صعبة عاشها في طفولته ومسيرته الكروية.
كان يايسله في الخامسة عندما أخبر الأطباء والديه بوجود ورم في رقبته. وأصبح الطفل الذي يعيش حياة هانئة في قرية هادئة قرب مدينة نورتينغن الألمانية غير قادر على تحريك رقبته من جانب إلى آخر. وفي ذلك العمر المبكر، أصبح الحديث داخل الأسرة منصبا على صحته وقدرته على التعافي، في حين بقي مستقبل كرة القدم محض أحلام.
يقول يايسله عن تلك الفترة: “كنت في الخامسة فقط، وتعلمت الكثير عن الحياة مبكرا. عرفت أهمية أن تكون بصحة جيدة، وأن تشعر بالامتنان، لأنك تستطيع متابعة حلمك”.
خرج الطفل من تجربة المرض وعاد إلى الكرة، ثم بدأ الحلم يأخذ شكلا أكثر جدية. ففي الـ14، غادر منزل أسرته والتحق بأكاديمية شتوتغارت، إحدى أشهر مدارس تكوين اللاعبين في ألمانيا. لكن، ومرة أخرى، وبعد عامين، جاءت إصابة جديدة أبعدته موسما كاملا عن المباريات.
عام كامل خارج الملعب
وجد يايسله نفسه في الـ16 من عمره يقضي أيامه بين العلاج والتدريب الفردي، بينما يعيش زملاؤه إيقاع المراهقة الطبيعي ويلعبون المباريات أسبوعا بعد آخر.
يقول عن تلك المرحلة: “في هذه السن، تخرج عادة وتحتفل. كان بإمكاني التوقف خلال تلك الفترة، وواصلت العمل”.
ويرى اليوم أن ذلك العام منحه الانضباط الذي احتاج إليه لاحقا. فقد تعلم مبكرا أن طريق اللاعب قد يتوقف لأشهر، وأن العودة تحتاج إلى برنامج يوميا متكرر لا يمنح صاحبه نتائج سريعة.
وصل بعدها إلى هوفنهايم وبدأ يثبت مكانه في الفريق الأول. وبعد نحو 7 أشهر من المشاركة المنتظمة، أصبح لاعبا دوليا مع منتخب ألمانيا تحت 21 عاما، ودخل حسابات بطولة أوروبا لتلك الفئة السنية، في حين يقول إن أول استدعاء للمنتخب الأول كان يقترب.
حتى جاءت مباراة هانوفر في مارس/آذار 2009 عند هذه النقطة من مسيرته لتأخذها إلى مسار مغاير تماما.
تمزق الرباط الصليبي، وتضرر الغضروف الهلالي وغضروف الركبة مجددا، ويصف يايسله حجم الإصابة باختصار “كل شيء”.
كان في العشرين، وفي بداية أول موسم حقيقي له على المستوى الأعلى. تحولت خطته للصيف من بطولة أوروبا واحتمال دخول المنتخب الأول إلى جراحة وتأهيل وكرسي متحرك.
4 سنوات لإنقاذ المسيرة
بدأ يايسله رحلة علاج امتدت سنوات محتفظا بأمل العودة حتى بعدما بدأ الأطباء ينصحونه بالتفكير في الدراسة أو اتخاذ مسار مهني آخر. يقول: “واصلت القتال وتمسكت بالحلم فترة أطول مما فعل الأطباء. كانوا يعطونني إشارات مبكرة إلى أن الدراسة أو القيام بشيء آخر سيكون أفضل”.
استمرت المحاولة نحو 4 سنوات، واليوم يرى أن تمسكه بالعودة ربما تجاوز المدة التي كان جسده يسمح بها، فيما منحه ذلك الإصرار شعورا بأنه استنفد فرصته كاملة.
ويضيف: “أستطيع الآن أن أستيقظ كل صباح وأقول إنني فعلت كل ما أستطيع، واستمررت مدة أطول حتى مما نصحوني به”.
انتهت مسيرة اللاعب ماتياس في منتصف العشرينيات. ومع توقف العلاج ومحاولات العودة، واجه يايسله سؤالا أصعب من برامج التأهيل التي عاش في خضمها لسنوات: ماذا سيفعل الآن؟
ارتبطت حياته منذ المراهقة بكرة القدم: تدريب، ومباراة، وعلاج، وسفر، ثم تدريب جديد. وعندما اختفى هذا النظام دفعة واحدة، دخل في فترة وصفها بأنها شديدة الصعوبة، وفقد خلالها الدافع والإيقاع اليومي.
وقال: “مررت بأشهر صعبة للغاية. كان من الصعب أن أجد الحافز، ومن الصعب أن أستعيد نظام حياتي”. وساعدته العائلة والأصدقاء ومدربون عرفوه خلال مسيرته على تجاوز تلك المرحلة والبحث عن عمل يعيده إلى كرة القدم.
البحث عن وظيفة داخل كرة القدم
بدأ يايسله الدراسة عن بعد في مجالات الإدارة الرياضية وإدارة الرياضيين وكرة القدم، وكان يسافر إلى دوسلدورف لأداء الاختبارات. اتسعت الخيارات أمامه بين الإدارة الرياضية والعمل مع اللاعبين والوكالة والتدريب.
وفي هذه المرحلة عاد اسم رالف رانغنيك إلى حياته.
كان رانغنيك مدربه في هوفنهايم، وعاش معه فترة الصعود السريع للفريق، كما شاهد أثر إصابة الركبة في المدافع الشاب. ساعده لاحقا على الالتحاق ببرنامج تدريبي داخل منظومة ريد بول في لايبزيغ، صُمم لمنحه خبرة في قطاعات النادي المختلفة.
كانت الخطة أن يقضي نحو 6 أسابيع في كل قسم. بدأ مساعدا للمدرب سيباستيان هونيس، زميله السابق في هوفنهايم، على أن ينتقل بعدها إلى الإدارة الرياضية ثم قطاعات أخرى. حسمت الأسابيع الأولى اتجاهه المهني ومستقبله.
استمتع بالعمل اليومي على الملعب، وطلب منه هونيس الاستمرار معه. وبعد أسبوعين فقط، شعر يايسله بأنه وجد وظيفة تمنحه الإيقاع الذي افتقده منذ الاعتزال، ويقول: “شعرت بأن المتعة عادت إلى حياتي. أصبح لدي هدف جديد”.
ومنذ ذلك اليوم مكث ماتياس يايسله في عالم التدريب، وحلّ وارتحل من أجله.
من رانغنيك إلى فلسفته الخاصة
عمل يايسله في تدريب فرق الناشئين والأشبال بألمانيا، ثم انتقل إلى الدانمارك مساعدا في نادي بروندبي، قبل أن يصل إلى ريد بول سالزبورغ مدربا أولا ويحقق معه الألقاب. وبعد التجربة النمساوية، انتقل إلى الأهلي السعودي وحصد معه 3 بطولات، ثم وصل في صيف عام 2026 إلى نيوكاسل يونايتد خلفا للمدرب إيدي هاو. خلال هذه الرحلة بقي رانغنيك المرجع الأوضح في تكوينه التدريبي وكذلك توجهاته التكتيكية.
نضجت أفكار يايسله كلاعب في هوفنهايم، كان الفريق قد صعد حديثا إلى الدوري الألماني، ثم نافس بأسلوب يعتمد الضغط والسرعة واللعب المباشر. طوّر يايسله لاحقا تصوره الخاص وأطلق عليه “كرة القدم العمودية”.
يقوم الأسلوب على البحث عن التقدم بالكرة في أقصر وقت، سواء بدأت الهجمة من مناطق الفريق الخلفية أو بعد افتكاك الكرة قرب مرمى المنافس. ويطلب من لاعبيه التفكير في الاتجاه نفسه، بالتحرك إلى الأمام واستغلال المساحات قبل أن يستعيد الخصم تنظيمه.
اختبر هذه الأفكار في بيئات مختلفة، وكان الاختبار السعودي أكثرها خصوصية.
كرة القدم تحت الشمس
عندما وصل يايسله إلى السعودية، واجه أسئلة عن قدرة فريقه على تنفيذ كرة عالية الكثافة في درجات حرارة تصل إلى 40 مئوية، وعن قدرة اللاعبين على تحمل المتطلبات البدنية نفسها التي اعتادها في أوروبا. لكن ذلك لم يفت في عضده، وتمسك المدرب بأسلوبه وعدّل تفاصيل تطبيقه.
يقول: “سألوا في السعودية، هل تستطيع اللعب بهذه الطريقة عندما تبلغ الحرارة 40 درجة؟ وهل تستطيع تطبيقها عندما يكون اللاعبون على مستوى بدني مختلف؟ أثبتنا أن ذلك ممكن”.
ويستشهد يايسله ببرشلونة تحت قيادة هانسي فليك لتأكيد قدرة الأفكار الحديثة على الانتقال بين الدوريات والثقافات الكروية. ويرى عناصر مشتركة بين طريقة فليك والمبادئ التي عرفها داخل مدرسة ريد بول التكتيكية، خصوصا في الضغط والسرعة والاتجاه إلى الأمام.
ويشير إلى أن لاعبي برشلونة، الذين نشؤوا في بيئة ارتبطت طويلا بالاستحواذ و”تيكي تاكا”، تأقلموا مع إيقاع مختلف ومتطلبات بدنية أكبر، ويعتبر التجربة دليلا على مرونة هذا النوع من كرة القدم.
نيوكاسل والمهمة الصعبة
وصل يايسله إلى إنجلترا في توقيت معقد لنيوكاسل. فقد خسر النادي خلال الصيف 4 من أبرز لاعبيه، هم أنتوني غوردون وساندرو تونالي وكيران تريبيير وبرونو غيمارايش، وأسند إلى المدرب الجديد مهمة بناء فريق شاب بالتزامن مع تعلم متطلبات الدوري الإنجليزي.
بدأ الموسم بصورة جيدة، وخسر مباراة واحدة فقط حتى الآن. ويدرك يايسله أن فريقه سيواجه فترات أصعب، خصوصا مع مجموعة صغيرة السن تخوض موسما طويلا وتتعلم طريقة لعب جديدة، لكنه عازم على خوض غمار التجربة.
وكيف لا وهو من واجه ورما في طفولته، وإصابات متكررة في مراهقته، قبل أن تجهز عليه واحدة في شبابه، ورغم ذلك شقّ لنفسه طريقا للعودة إلى أكبر دوري في العالم.
المصدر: الجزيرة






