بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مـحمـد نبي المرحمة
وآله الغـر الكرام البررة وصـحبه المنتخبين الخـيرة
في الذّكرى الثّالثة لطُوفان الأقْصى 7 أكتوبر.. طُوفَان الوَعي والسَّعي
د. عبد العزيز الإدريسي
يقولُ الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الآية 5)، لا شكّ أن يوم السبت 7 أكتوبر 2023م الموافق ل 22ربيع الأول 1445 هـ، يوم من أيام الله تعالى، والتي أعلنَ فيها رجالُ الله في الميدان أن لا سكوت عن ظلم وقهر وحصار وتقتيل استمر لأكثر من ثمانين سنة، فكان ذلك اليوم الأغر يوم الانفجار العظيم في وجه الظَّلمة والقتلة من الصهاينة ومن ساندهم من قريب أو بعيد، ولنا مع هذا الحدثِ المتجدد والذكرى الخالدة في وجدان الأمة والمحفورة في ضمير الإنسانية سبع وقفات، وهي:
الوقفة الأولى: لحظة فارقة في تاريخ القضية والأمة والبشرية
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرد حدث عابر، بل كان طوفاناً حقيقياً أعاد ترتيب وعي الأمة وذكّر العالم أن قضية فلسطين هي بوصلة الأحرار، فبعد أن كادت القضية الفلسطينية تُطوى في رف النسيان والخُذلان، مع تسارع الأنظمة العربية إلى التطبيع البئيس والانخراط في اتفاقية الديانة الإبراهيمية الباطلة، أطلق فُرسان المقاومة شرارة الطوفان لتستمر تداعياته الحضارية وانعكاساته الاستراتيجية، غير أن الدرس المستفاد من هذا الحدث الذي كسر وهم القوة التي لا تقهر، والجيش الذي لا ينهزم، وأعاد للأمة ثقتها بأن المستحيل يصنع بالإرادة، وأن الإيمان بالقضية يجعل الفئة القليلة العدة والعتاد تصنع التاريخ، قال تعالى: ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
الوقفة الثانية: مكانة المسجد الأقصى في الصراع
إن طوفان الأقصى لم ينطلق إلا من عقيدة راسخة ثابتة، فالأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ سورة الإسراء الآية 1، وقال النبي الشهيد صلى الله عليه وسلم: “لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدِ الرسولِ، ومسجدِ الأقصى”، ولذلك كان الشعار الكبير لسيد الطوفان الشهيد الحي يحيى السنوار رحمة الله تعالى، معركتنا عنوانها: “تحرير الأسرى وتطهير المسرى“، وهي بعثٌ للبيت الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي:
“وللحرية الحمراء باب…بكل يد مضرجة يدق” عندما صدح به من قلب معركة الطوفان فوق الأرض لا تحتها، كما كان يروج الصهاينة، مسقطا لسرديتهم الكاذبة، و ضاربا بذلك أروع الأمثلة وأصدقها في الدفاع عن المقدسات :دينا وأرضا وعرضا.
الوقفة الثالثة: فقه المقاومة وسنة التدافع
أكد طوفان الأقصى سنة ًكونية واجتماعية ونفسىية وهي سنة التدافع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الظلم والعدل، فلا يمكن للظلم أن يستمر دون مقاومة. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾سورة البقرة: 251، وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ سورة الحج: 39، فالمقاومة حق مشروع كفلته الشرائع والقوانين لكل شعب محتل ومظلوم، وما قام به الطوفان من توريث لفقه المقاومة للأجيال الصاعدة وتمليك للقضية الفلسطينية لأحرار العالم لأكبر دليل بأن التدافع له آثاره على المستوى القريب والمتوسط والبعيد.
الوقفة الرابعة: الدرس الاستراتيجي والعسكري
أماطتْ معركة طوفان الأقصى اللثام عن زيف أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، وأظهرت أن الإرادة والتخطيط والإيمان تتفوق على التكنولوجيا المتطورة. لقد تحولت غزة المحاصرة منذ 17 سنة إلى مدرسة في الإعداد المادي والمعنوي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ سورة الأنفال الآية 60، وأكدت بأن السر في حامل السلاح وليس في السلاح، وإن عنوان النصر هو الثبات قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾سورة محمد، الآيات 7-11.
والكل تابع التوفق الجوي للكيان الصهيوني، والذي قابله تفوق جوفي للمقاومة الفلسطينية الباسلة من خلال منظومة الأنفاق المعقدة، فطيلة أيام وأشهر العدوان الهمجي لم تستطع الاستخبارات الصهيونية المدعومة عالميا الوصول إلى الأسرى، إلا من خلال عملية تبادل عبر المفاوضات كما اشترطت المقاومة في بياناتها التي كان يقدمه الشهيد الحر والصوت الصادق أبو عبيدة رحمه الله تعالى.
لقد أسقط الطوفان خمس نظريات صهيونية دفعة واحدة: نظرية الردع، نظرية الإنذار المبكر، نظرية الحسم السريع، نظرية الحدود الآمنة، ونظرية الجيش الذي لا يقهر، وأسقط سردية بناها لعقود في أيام قليلة ،﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ﴾ سورة الأنفال الآية17.
الوقفة الخامسة: البعد الإنساني والأخلاقي
في الوقت الذي حاول فيه الاحتلال تشويه صورة المقاومة، أظهر طوفان الأقصى أخلاق المقاوم التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم: ” انطلقوا باسمِ اللهِ وعلى ملَّةِ رسولِ اللهِ لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا امرأةً ولا تغلوا وضموا غنائِمَكم وأصلحوا وأحسنوا إنَّ اللهَ يحبُّ المحسنين. “، بينما كشف الاحتلال الصهيوني وجهه الحقيقي الوحشي بارتكاب أبشع المجازر، ليصدق فيه قول الله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ البقرة 11-12، وكان من ذلك متابعة المجرم نتنياهو بجريرة الإبادة الجماعية وكونه مجرم حرب، وكلنا تابعنا تصريحات الأسرى الصهاينة كيف كانت تعاملهم “وحدة الظل” في كتائب القسام بقيم الإسلام، انظر مقالنا على الشابكة “قيم المقاومة”.
الوقفة السادسة: وحدة الأمة وإسقاط التطبيع
إن أعظم مآثر طوفان الأقصى في ذكراه الثالثة أنه أعاد ترتيب وعي الأمة وأولوياتها فكرياً وحضارياً وسياسياً، فعلى المستوى الفكري أسقط الطوفان رواية “القابلية للاستعمار” و” القابلية للإرث الاستعماري” وخطاب الهزيمة النفسية الذي روج له دعاة التطبيع، وأثبت أن الأمة حية وأن فلسطين لا تزال هي القضية المركزية الجامعة التي توحد السني والشيعي، والعربي والأمازيغي، والإسلامي واليساري، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أما حضارياً، فقد كشف الطوفان زيف الحضارة الغربية التي تدعي حقوق الإنسان وهي تسلح آلة الإبادة، فسقطت الأقنعة وانهارت منظومة القيم المزدوجة، وعاد الشباب في الغرب قبل الشرق ليسائل حضارته قيما وحقوقا وقوانين.
أما سياسياً، فقد أسقط الطوفان مشروع التطبيع من أساسه، فالتطبيع الرسمي بقي حبراً على ورق، بينما التطبيع الشعبي مات ودُفن في شوارع الرباط وعمان والقاهرة وتونس وصنعاء، وتحولت المقاطعة من فعل نخبوي إلى ثقافة شعبية عابرة للحدود، وأصبحت فلسطين هي البوصلة التي تُعرف بها الإنسانية من الوحشية.
الوقفة السابعة: الطوفان مستمر: وعيٌ وسعيٌ
إن الذكرى الثالثة ليست استدعاء للماضي فقط، بل هي إدراك عميق للحاضر واستشراف متبصر للمستقبل، فالطوفان لم ينته، بل بدأ طوفان الوعي والمعرفة والمقاطعة والدعاء، لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرد عملية عسكرية، بل كان زلزالاً جيوسياسيا وحضاريا، وطوفان وعي أعاد ترتيب أولويات الأمة وكسر سردية عمرها 75 سنة عن تفوق الاحتلال الصهيوني.
في ذلك اليوم المبارك والاستثنائي، انهار جدار الوهم النفسي و التفوق التكنولوجي والعسكري. وفي ذكراه الثالثة نحن لا نؤرخ لمعركة، بل نؤرخ لتحول حضاري كبير، ستكون له تداعيات أخرى الله أعلم بها!
فطوبى لمن جعل من 7 أكتوبر ذكرى لتربية الأجيال على أن فلسطين أمانة، والتحرير عقيدة، والعودة حتمية بإذن الله تعالى، قال الحبيب النبي الشهيد صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. قيل: وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” رواه أحمد في مسنده.
فاللهم ارزقنا صلاة في المسجد الأقصى محررا من دَنَس اليَهود ومطهرا من رِجْس الصهاينة؟
آمين، والحمد لله رب العالمين.
عبد العزيز الإدريسي
عصر الأربعاء 26 ربيع الآخر لعام 1448 ه، 7أكتوبر2026
مكناس قدس المغرب
المغرب الأقصى





