عاطف محمد عبد المجيد
تتناول الناقدة عزة بدر في كتابها «الحب في الرواية العربية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حضور الحب في الأعمال السردية وتحولاته الفنية والاجتماعية، من خلال قراءات في تجارب عدد من الروائيين والروائيات العرب. وتستهل دراستها بالإشارة إلى جذور الكتابة عن الحب في الحضارة المصرية القديمة، مستعينة بما أورده عالم المصريات سليم حسن عن أشعار الغزل التي تعود إلى عصر الدولة الحديثة. كما تستعرض حضور الحب في التراث العربي، من مؤلفات القاضي التنوخي إلى كتابات الجاحظ، قبل الانتقال إلى الرواية الحديثة، حيث لم يعد الحب موضوعا للحكاية وحده، بل أصبح وسيلة للكشف عن العلاقات الإنسانية والتحولات الاجتماعية والنفسية للشخصيات.
أفضل عمل روائي
ومتحدثة عن أعمال اعتدال عثمان القصصية تقول بدر، إن قصصها تقدم بلغتها الآسرة محاولة من محاولات الفن لفهم الذات الإنسانية، وصياغة أشواقها ومخاوفها واكتناه أسرارها، فيما تقول عن رواية «وداعا صديقي المهرج» لسهير شكري إنها عناق جميل مبدع بين عالم الأدب والفن التشكيلي، بل الإفادة من فنون المسرح. وعن رواية جوخة الحارثي أول رواية لكاتبة عربية تفوز بجائزة مان بوكر لأفضل عمل روائي مترجم إلى الإنكليزية، إنها تهتم بالعوالم الداخلية لشخصياتها، خاصة النساء، وتتناول المسكوت عنه من المشاعر والخفايا التي تسكن الذوات الإنسانية لشخصياتها، من خلال سرد ممتع يتميز بالكشف عن التفاصيل المؤثرة في حياة الأفراد، التي ترتبط حتى بتطور العادات والتقاليد في المجتمع. فيما تتساءل الكاتبة في معرض حديثها عن ثلاثية أحلام مستغانمي: هل يحدث أن تنفرد مع ذاكرتك فتفكر بالحب الذي عبرك ببهجته ووحشته؟! هل يحدث أن تقع على رواية ثلاثية تغزوك حتى الألم، فتقرأ نفسك بين سطورها، وترى وجهك بعد غياب، وتتلمس يديك وكأنك تعرفها لأول مرة وتصافحها بعد خصام؟ مضيفة أن هذه الروايات الثلاث توقظ ذاكرة الحب، لكنها تنتهي إلى التحديق في عتمة الحواس فتهدي لنا الحب كما قدمه الشعراء منذ الجاهلية وحتى الآن، أطلالا أو وقوفا على أطلال. هنا أيضا تتساءل بدر ماذا بقي من طعم الحب في هذه الروايات؟ وتضيف أن مستغانمي ترى أنه بقي درس الحب الذي هو توأم درس الجسد، «إن الاشتهاء وحده حالة الامتلاك، أما المتعة فهي بداية الفقدان، والفضيلة ليست تجنب الرذيلة وإنما عدم اشتهائها، فكيف يكون الاشتهاء وحده هو الامتلاك، والمتعة هي الفقدان؟». كما تقول إن رواية «حاجز أمواج» لفوزية مهران ورواية «لا تسرق الأحلام» لزينب صادق من أهم الروايات التي أبرزت الحب كطاقة إيجابية لتحقيق الذات والتفاعل مع المجتمع، مؤكدة في موضع آخر، أن صورة المرأة في أدب صنع الله إبراهيم تتجسد في روايتيه «ذات» و»وردة»، مشيرة إلى أن أحدا لم يهتم بأن يجلو لنا صفحة غامضة ومثيرة في حياة وأدب صنع الله، ألا وهي علاقته بالمرأة وصورتها في أدبه، وهي صفحة لا تقل إثارة عن عوالمه الحافلة بالسياسة وتجارب السجن والاعتقال السياسي ولا تقل أهمية عن دراسة تكنيك الروائي المولع بالتأريخ والتوثيق.
حب قديم آسر
هنا أيضا تقدم الكاتبة غوصا في كتابات محمد ناجي وعلاقتها بالمرأة، كما تقول، إن العلاقة بين الرجل والمرأة في أدب إحسان عبد القدوس قد شغلت حيزا كبيرا، فهو يقف متأنيا أمام تصوير دقائق هذه العلاقة في شتى جوانبها ويصور من خلالها قطاعات متعددة من المجتمع في دنيا السياسة، أو في محيط العلاقات الاجتماعية المختلفة، مضيفة أن إحسان عبد القدوس كتب روايات عديدة احتلت فيها مشكلات المرأة النصيب الأكبر، وهو في كل رواية يمس وترا حساسا في حياة المرأة المعاصرة. ومتحدثة عن أعمال إدوار الخراط تورد الكاتبة تساؤله: هل الحب هو هذا النداء الذي لا رد عليه أبدا ولا ينقطع، لا يملك أنه يرده عنه مُلحّا، يصحبه في صحوته ونومه منذ أمد يبدو له قديما، لا بد له ولا تبدو له نهاية، ذاكرة أن وراء أسطورة الخراط التي ينحتها مع المرأة حبا قديما آسرا نازفا يصفه في «رامة والتنين».
كذلك تتناول الكاتبة بالدراسة، نوعا من الروايات التي تصفها بالصادمة التي تغوص في الواقع بجرأة وتكشف عن مناطق مسكوت عنها، منها رواية «برج العذراء» لإبراهيم عبد المجيد التي تثير العديد من الأسئلة منها هل يُعبّد الحب طريقا للرواية العربية الجديدة؟ واصفة إياها بأنها رواية وحشية تدخلنا إلى أحراش النفس الإنسانية، ولا يفوقها إلا قساوة الواقع وعنفه وسطوته.
بدر في كتابها هذا الذي تقدم فيه قراءات لروايات ياسر شعبان، محمود حامد، نجلاء علام، سحر الموجي، عفاف السيد، نورا أمين، بهيجة حسين، وسمية رمضان تقول، إن الكتابة عن الجسد أصبحت ملمحا مميزا للكتابات الحداثية بشكل عام، لكن عندما مس قلم المرأة الأديبة هذه المنطقة الشائكة اتخذ الأمر أهمية خاصة اجتذبت الكثيرين يدفعهم حب الاستطلاع إلى معرفة كيف تكتب المرأة عن الحب والجنس في رواياتها وقصصها، متسائلة: هل أصبحت كتابات الجيل الجديد من الأديبات كالمرآة تعكس تصورات المرأة عن علاقتها بالرجل وعن علاقتها بالجسد ذاته كفكرة وموضوع لانفعالات إنسانية تعبر عن الغضب، أو السعادة أو عن أزمات الإنسان الروحية؟
كذلك نجد هنا قراءات لكتابات مي التلمساني، مي خالد، صفاء عبد المنعم، سهير المصادفة، رحاب إبراهيم، غادة نبيل قائلة عنها، إنها كتابات خرجت من قوقعة الذات كما دخلتها بعمق، لتفتح الشرانق والقماقم، وتضع أصابعها العشر في فم الغول، تحدق لتعرف الحقيقة. إنها كتابات تكشف عن لحظات فارقة ومناطق معتمة ومجهولة من النفس الإنسانية لتجلوها وتضعها أمامنا في نسيج روائي خصب وشخصيات ثرية مرسومة بدقة ولغة خاصة مميزة تعززها رغبة جريئة في الاكتشاف والمغامرة. عزة بدر التي لا تكتفي هنا بغوصها في أعماق الكتابات الروائية والقصصية تقدم هنا قراءة في مقالات نقدية لجابر عصفور، فاروق عبد القادر، شاكر عبد الحميد، وعبد الله الغذامي، ذاكرة أن فاروق عبد القادر يتهم في كتابه من أوراق الرفض والقبول القسم الأكبر من أدب النساء العربيات، وفي الروايات بوجه خاص بتعميق دائرة العداء الشوفيني المطلق للرجل، وهنا يظهر تساؤل الكاتبة: هل المطلوب من الكاتبات ألا يكتبن ضد الأنوثة المتخيلة في الصورة الذهنية التي رسمها لها الناقد الرجل؟ أم يتحررن من هذه الصور الذهنية لتحلق كتاباتهن في فضاءات الإبداع؟
ومن خلال هذه القراءات المتنوعة، يتضح أن عزة بدر لا تتناول الحب بوصفه موضوعا عاطفيا منفصلا عن الحياة الاجتماعية، بل تتابع حضوره في تشكيل الشخصيات وعلاقاتها، وما يكشفه من تحولات في صورة المرأة والرجل داخل الرواية العربية. ويتيح هذا التنوع النظر إلى الحب باعتباره مدخلا لقراءة قضايا أوسع، تتصل بالذاكرة والجسد والحرية والهوية، وإن كان تعدد التجارب والأعمال المطروحة يفتح المجال لمزيد من المقارنة بين أساليب الروائيين ومواقفهم من هذه القضايا.
كاتب مصري





