أزمة سبتة واحتجاجات السكن تستنزفان القاعدة الانتخابية لسانشيز.. 600 ألف صوت محتمل يفقدها الاشتراكيون معظمها تتجه نحو الامتناع عن التصويت
أرخت أزمة سبتة بظلالها على المشهد السياسي والانتخابي الإسباني، بعدما انتقلت خلال أكثر من شهرين من مجرد أزمة حدودية وهجرة غير نظامية إلى ملف أمني وسياسي وبرلماني، ثم إلى ورقة في الصراع بين الحكومة الإسبانية والمعارضة، وذلك في وقت دخلت فيه إسبانيا رسميا مرحلة الانتخابات العامة المبكرة المقرر إجراؤها يوم 29 نونبر المقبل، عقب قرار رئيس الحكومة بيدرو سانشيز حل مجلسي البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.
وفي هذا السياق تكتسب المؤشرات الانتخابية التي عرضها تقرير إسباني حديث أهمية خاصة، ليس باعتبارها نتيجة انتخابية محسومة، وإنما لأنها ترصد حركة في سلوك الناخبين خلال فترة زمنية تزامنت مع استمرار تداعيات أزمات سياسية واجتماعية عدة، وفي مقدمتها أزمة السكن وتداعيات أزمة سبتة.
فوفق المعطيات الواردة في العمل الميداني الذي أنجزته “تراغساتيك” لفائدة مركز البحوث الاجتماعية الإسباني، فقد الحزب الاشتراكي خلال الفترة الممتدة بين الأول والسابع عشر من شتنبر نحو 600 ألف صوت محتمل، لم تنتقل، وفق التحليل المعروض، إلى الحزب الشعبي أو “فوكس”، وإنما اتجهت أساسا نحو الامتناع عن التصويت، وإذا أضيفت هذه الخسارة إلى التراجع الذي سجله الحزب خلال مراحل سابقة من الولاية، فإن النزيف التراكمي يتجاوز، بحسب المصدر نفسه، 1.5 مليون ناخب.
ويشير التحليل إلى أن التراجع يمس، من بين الفئات التي كان الحزب الاشتراكي يعتمد عليها، النساء والمتقاعدين والأشخاص الذين تفوق أعمارهم 65 سنة، إلى جانب سكان المدن الكبرى والمناطق الحضرية، وهي شرائح ذات وزن انتخابي مهم.
والمفارقة الأبرز في تقرير مركز البحوث تتمثل في أن الحزب الشعبي و”فوكس” لم ينجحا، وفق المؤشرات المعروضة، في تحويل تراجع الاشتراكيين بالكامل إلى مكاسب انتخابية مباشرة، فقد ظل “فوكس” في حدود تقارب 16 في المائة، بينما وصل الفارق بين الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي إلى نحو 8.4 نقاط في نية التصويت، بواقع 33.5 في المائة للحزب الشعبي مقابل 25.2 في المائة للاشتراكيين.
وقدم التحليل ذاته تقديرا عدديا للمقاعد، حيث منح الحزب الشعبي 144 مقعدا مقابل 99 للحزب الاشتراكي، و57 لـ”فوكس”، مقابل مقاعد محدودة لأحزاب إقليمية وقومية أخرى، إذ بحسب هذا السيناريو، فإن اليمين قد يقترب من موقع مريح لتشكيل الحكومة إذا استطاع الحفاظ على تماسكه، لكن الطريق إلى ذلك لن يكون سهلا.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تتداخل فيه الأزمة الانتخابية مع ملفات سياسية واجتماعية أخرى، وعلى رأسها أزمة السكن التي شكلت إحدى القضايا المركزية في قرار سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة، فقد أكد رئيس الحكومة الإسبانية أن قراره جاء بعد فقدان حكومته القدرة على تمرير إحدى القضايا التي اعتبرها مركزية، في إشارة إلى تدبير أزمة السكن، معتبرا أن رفض البرلمان لتدابير الحكومة يستدعي منح الناخبين فرصة اختيار برلمان جديد.
بيد أن هذه الانتخابات لن تكون منفصلة عن سلسلة الأزمات التي راكمتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمتها أزمة سبتة التي اندلعت في 30 و31 يوليوز، عندما شهدت المدينة تدفقا جماعيا غير مسبوق للمهاجرين، بلغ وفق المعطيات الرسمية أزيد من 70 ألف شخص.
وقد حاول سانشيز الدفاع عن طريقة تعاطي حكومته مع الملف أمام البرلمان، مؤكدا في 3 شتنبر أن الأجهزة الحكومية لم تتلق أي تقرير كان بإمكانه أن يتنبأ بحجم التدفق أو باحتمال وقوعه بهذه الصورة، حيث استمر رئيس الحكومة الإسبانية في التأكيد على أن المعلومات المتوفرة آنذاك لم تكن تشير إلى حجم ما سيقع، كما شدد في تصريحات لاحقة على أهمية استمرار التعاون مع المغرب.
وهنا تبرز سبتة كعنصر لا ينبغي تجاهله عند قراءة المؤشرات الانتخابية، لأن الأزمة مست جوانب ترتبط مباشرة بمفاهيم الحدود والأمن والسيادة وقدرة الدولة على حماية المجال الوطني، وهي قضايا يمكن أن يكون لها تأثير أكبر على فئات من الناخبين التي تتعامل مع مسألة سبتة ومليلية باعتبارهما جزءا ثابتا من التصور الإسباني للدولة، وفق ما نقلته صحيفة “ذا أوبجيكتيف” الإسبانية في قراءتها لتقرير مركز البحوث الاجتماعية الإسباني.
وقد حولت المعارضة الإسبانية، ولا سيما الحزب الشعبي وحزب “فوكس”، أزمة سبتة بعد ذلك إلى عنوان متقدم في خطابها ضد سانشيز، وربطت بين تدبير الحدود وبين ما تعتبره ضعفا في أداء الحكومة، إذ في 26 شتنبر خرجت مظاهرة في مدريد للمطالبة بانتخابات عامة والاحتجاج على إدارة الحكومة لأزمة سبتة، بمشاركة قيادات من الحزب الشعبي و”فوكس”، في مشهد أظهر أن المدينة لم تعد قضية محلية تخص الحدود والهجرة فقط، وإنما أصبحت جزءا من المعركة على السلطة.
المصدر: الصحيفة





