بقلم: ليان الكرمي – كاتبة مستقلة وباحثة في الشؤون الفلسطينية والإقليمية
في السابع من أكتوبر، تحلّ ذكرى «طوفان الأقصى»، ذكرى لا يمكن النظر إليها بوصفها مناسبة للاحتفال أو التفاخر، بل محطة تستوجب الوقوف أمام حجم المأساة التي حلّت بالشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة. فمنذ ذلك اليوم، دخل القطاع واحدة من أكثر المراحل دموية ودماراً في تاريخه، حتى بات المشهد أقرب إلى نكبة فلسطينية ثانية، بعدما فقد الآلاف حياتهم، وتشتّتت العائلات، ودُمّرت المنازل، وتحولت أحياء بأكملها إلى ركام.
بغض النظر عن الموقف السياسي من العملية، أو اختلاف التفسيرات بشأن دوافعها وأهدافها، تبقى حقيقة إنسانية لا يجوز تجاوزها: لا يمكن تحويل معاناة شعب بأكمله إلى مناسبة للاحتفاء، ولا يمكن قياس الإنجازات السياسية أو العسكرية بمعزل عن الثمن الذي يدفعه المدنيون.
بالنسبة إلى سكان غزة، لم يكن السابع من أكتوبر مجرد محطة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل بداية واقع يشبه في كثير من ملامحه نكبة جديدة. عائلات فقدت أبناءها، وأطفال حُرموا من طفولتهم، وبيوت اختفت، وأجيال باتت تواجه مستقبلاً غامضاً وسط النزوح والخوف والحرمان. إنها خسائر لا تختصرها الأرقام، ولا تعوّضها الشعارات مهما بلغت قوتها.
وهنا تبرز ضرورة فتح نقاش جاد حول مسؤولية حركة حماس عن قرار السابع من أكتوبر وتداعياته. فالحركة التي حكمت قطاع غزة لسنوات، وكرّست جزءاً كبيراً من جهودها لتعزيز سلطتها وبنيتها التنظيمية والعسكرية، مطالبة بالإجابة عن أسئلة جوهرية: ما الحسابات التي سبقت اتخاذ القرار؟ وهل أُخذت احتمالات الرد الإسرائيلي وحجم المخاطر على السكان المدنيين في الاعتبار؟ وما الذي تحقق للفلسطينيين مقارنة بما خسروه؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبرئة إسرائيل من مسؤوليتها عن أفعالها العسكرية، ولا التقليل من حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير. فالمسؤولية عن الانتهاكات بحق المدنيين لا تسقط عن مرتكبيها، أياً كانت المبررات. لكن ذلك لا ينبغي أن يمنع مساءلة القيادة الفلسطينية التي اتخذت قراراً بهذا الحجم، من دون أن يكون سكان غزة شركاء في تحديد تبعاته.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار إلى الإنسان الفلسطيني بوصفه الغاية الأساسية لأي مشروع وطني، لا مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. فالقضية الفلسطينية ليست قضية فصيل أو حركة، ولا ينبغي أن تتحول تضحيات الناس إلى رصيد سياسي يُستخدم لتبرير القرارات أو تجنب المحاسبة.
في ذكرى السابع من أكتوبر، الأجدر أن نتذكر الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لن يعودوا، والنازحين الذين يبحثون عن مأوى، وكل من فقد منزله وأمانه ومستقبله.
إن الوفاء الحقيقي لغزة لا يكون بالاحتفال بما حدث، بل بالاعتراف بحجم المأساة، والمطالبة بالمساءلة، والعمل على ألّا تتكرر.
فغزة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات والانتصارات المعلنة، بل إلى حياة كريمة، وأمان، وقيادة تضع الإنسان الفلسطيني قبل أي حسابات أخرى.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





