جرح السودان النازف

 

 

 

محمد كريشان
كاتب وإعلامي تونسي

 

 

مأساة السودان مركّبة: طوال ثلاثين عاما لم يبن عمر البشير شيئا في البلد ولا أطلق تنمية أو نهضة، كما لم ينقذ نظامه، «نظام الإنقاذ»، الناس من أي فاقة أو حاجة ولا هو أنقذهم من مرارات النزوح والتشرد بسبب حروب عدة لم تؤد في النهاية إلا إلى انقسام البلد واستنزافه. أما من جاء من بعده فلم يفعل شيئا، هو الآخر، سوى تدمير ما تبقى حتى أصبحت البلاد الآن على حافة الانحلال.
لا فائدة في العودة إلى أسباب هذه الحرب الطاحنة الحالية بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» الذي اندلعت قبل أكثر من ثلاث سنوات، ولا كيف أن هذه القوات «وحش» تم تسمينه حتى انقلب لالتهام من قام بذلك متجاهلا نواميس الدول ووحدة مؤسساتها التي عرفت في عهد البشير أدلجة وتدجينا فظيعين.
المهم اليوم هو الوقوف أمام الخسائر الفظيعة التي أصابت بلدا كان يريد أن يتنفس الصعداء بعد عقود من الاستبداد فإذا به يصاب الآن بالاختناق الكامل. لقد أدت هذه الحرب بين الجيش و»الزائدة الدودية» التي أوجدها بنفسه إلى مصرع أكثر من 200 ألف مواطن ونزوح 13 مليونا فضلا عن آلاف اللاجئين. ورغم كل النداءات المحلية والدولية فقد استمر استهداف المدنيين في المعارك وضرب البيوت والمدارس والمستشفيات وغيرها، ففي ولاية النيل الأزرق لوحدها التي تكثفت فيها المعارك مؤخرا أشارت «المنظمة الدولية للهجرة» إلى أكثر من 10 آلاف نازح في أقل من عشرة أيام مع نهايات شهر أيلول/ سبتمبر وبدايات شهر أكتوبر الحالي، مع 99 ألف نازح من يناير /كانون الثاني إلى آب /أغسطس من هذا العام، 56% منهم من النساء ونصفهم من الأطفال دون سن الثامنة عشرة.
ورغم هذه التكلفة المرتفعة، فإن لا مؤشر إلى قرب انتهاء المعارك في ضوء عجز كلا الطرفين على الحسم العسكري النهائي رغم أن الجيش يسيطر حاليا على 13 ولاية من ولايات البلد الـ 18، بما فيها العاصمة الخرطوم، فيما لا يسيطر «الدعم السريع» سوى على ولايات دارفور الخمس باستثناء بعض الأجزاء.
تعذّر التفوّق الكامل لهذا الطرف أو ذاك لم يؤد مع ذلك إلى أية حلحلة في مسار التسوية، لا سيما أن لا حل مطروحا على الطاولة إلا اتفاق المبادئ الذي وقّع في جدة في مايو 2023، بعد أشهر قليلة من اندلاع المواجهات، ويدعو إلى حماية المدنيين وإخلاء المرافق العامة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والذي رعته السعودية والولايات المتحدة. لا شيء مما دعا إليه إعلان جدة وجد طريقه إلى التنفيذ لكن ذلك لم يمنع كلا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الافريقي من تجديد الدعوة هذا الشهر في نيويورك إلى ضرورة الالتزام به واستئناف المفاوضات على أساسه.

المشكل الآن أن الجيش يرفض مساواته بالطرف الآخر والتعامل معه بالندية نفسها، فيما يسعى «الدعم السريع» إلى إطالة أمد الحرب لإجبار الجيش على الجلوس معه مرغما طمعا في اقتلاع موقع ما في السلطة، رغم انحساره العسكري على الأرض. المشكل الأكبر أن استمرار المراوحة وغياب المفاوضات يقضم من رصيد هذا أو ذاك، فالخارجية الأمريكية مثلا اعتبرت الأسبوع قبل الماضي أنه ليس هناك من «يمثل حكما شرعيا ودستوريا في السودان» نازعة هذه الورقة من رئاسة عبد الفتاح البرهان والجيش الرسمي، ومتهمة في نفس الوقت «الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية والجيش بجرائم حرب، بالتوازي مع اتهامه بتلقي دعم خارجي لاسيما من دولة الإمارات العربية المتحدة، فضلا عما يثار عن وجود مرتزقة تقاتل إلى جانبه.
المعضلة الأخرى، أن الأطراف التي تتهم بدعم هذا الطرف أو ذاك، الإمارات بالنسبة للدعم السريع ومصر بالنسبة للجيش، هي نفسها الأطراف التي لا غنى عنها للتوصل إلى اتفاق إذا ما قرّر أي منهما فعلا الضغط عليهما لوقف المعارك والبحث عن تسوية. مسار يبدو صعبا في ضوء الشروط التي تطرحها الحكومة السودانية الآن، على الأقل إذا ما تابعنا ما قاله مؤخرا عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي في مجلة «فورين بوليسي» من ضرورة حصر السلاح في يد الدولة لإنهاء الحرب، وألا مستقبل «للدعم السريع» ولا مجال لإعطائه وضعا يتساوى فيه مع القوات النظامية، وإن السلام لن يتم إلا عبر حوار وطني داخلي مع حصر الدور الدولي في المراقبة والمساعدة فقط.
ومع أنه توجد «رباعية دولية» خاصة بالسودان تتكون من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات تعمل من أجل هدنة في السودان، فإن الأكثر نشاطا في هذه المرحلة هي واشنطن عبر مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والافريقية الذي صرح في القاهرة مؤخرا أن جهود بلاده متواصلة مع مصر من أجل حل سياسي في السودان وكذلك مع «شركاء إقليميين ودوليين» آخرين لم يسمهم. لكن لا نتائج عملية من الجهتين.
وطالما ظل الحسم العسكري الكامل متعذّرا، والتسوية متعثرة، والتدخل الخارجي متواصلا، والعالم مشغولا بنزاعات أخرى، فإن مأساة السودان ستبقى للأسف الشديد جرحا ينزف حتى شعار آخر.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا