محمد الدكالي
في إحدى الرحلات داخل محافظة كازامانس في جنوب السينغال سنة 1993، كنا في طريقنا إلى إحدى القرى في غابة السّفانا لمتابعة تنفيذ مشروعين هناك، مسجد وبئر. ونحن على الطريق الترابي، لفتت انتباهي أعلام تلوح فوق قمم الأشجار من بعيد، وعندما اقتربنا بدا لي أنها أعلام مغربية، ثم تأكدت بعد أن وصلنا إلى المكان أنها كذلك. لا توجد قرية أو مجرد بيوت، فالمكان في قلب الغابة، وأقرب قرية تبعد عدة كيلومترات عن ذلك المكان.
كانت هناك خمسة صواري حديدية على قواعد من الأسمنت المسلح، وعلى كل صاري علم مغربي كبير. لم أفهم شيئا سوى أن المغرب حاضر في قلب هذه الغابة وسط الطبيعة. وعندما عدنا في المساء إلى زيجنشور عاصمة المحافظة الجنوبية، توجهنا لصلاة العشاء في المسجد الجامع. بعد الصلاة تقدمت للسلام على الإمام، وهو حاج شريف حَيْدره، أكبر الوجهاء المسلمين في المدينة آنذاك، عالم نشط بين أوساط المسلمين، وفي نشر الإسلام في أوساط قبيلة “ديولا” التي كانت في ذلك الوقت في طريقها لتصبح مسلمة بشكل شبه كامل. ينتمي شريف حيدرة إلى المجموعة الفُلاّنية في المحافظة، ويحظى باحترام كبير من طرف الجميع وكلمته مسموعة لدى السلطات المحلية ولدى الأهالي. سألته عن قصة الأعلام المغربية وسط الغابة، فابتسم وقال لي، ” إيه، إنه فلان، وهو من تجار المدينة ويهيم حبا في المغرب، وتعبيرا عن هذا الحب، أقام تلك الأعلام في وسط الغابة”.
وصلنا إلى القرية المقصودة، وكالعادة كان لزاما البدء بزيارة شيخها، إذ من العيب في إفريقيا أن تزور قرية أو مدينة، إذا كنت أجنبيا وتريد أن تبني علاقات، دون أن تتعرف على شيخ القرية أو المسؤول الأهم في المدينة (محافظ أو رئيس بلدية) قبل أي شيء آخر. لاحظنا أن هناك مشروعا آخر في القرية قيد التنفيذ: ثمانية أو عشرة بيوت من الأسمنت، كل بيت على شكل نصف كروي بمساحة 20 مترا مربعا تقريبا، كما هو شكل البيوت الريفية هناك، يبنيها القرويون من الطين والتّبن، وحولها حوش من أغصان الأشجار الشائكة لإيواء رؤوس الماشية. أمام تلك البيوت التي انتهي بناؤها كان هناك بئر جديدة، وإلى جانبه لوحة تشير إلى منظمة تنصيرية، أوروبية أو أمريكية لا أتذكر جيدا، صاحبة المشروع. لم يكن هناك في القرية مسيحيون بل كل سكانها مسلمون، ولا أعتقد أن تلك البيوت الأسمنتية ستلقى حماسا من سكان القرية، فهي غير عملية في جو حار، بينما بيوتهم الطينية أكثر “إيكولوجية” مع البيئة، وربما استعملوها لإيواء ماشيتهم في الليل، والله أعلم.
جاءنا شيخ القرية يقوده أحد شبابها، فقد كان أعمى. لن أنسى منظره أبدا، كان في حوالي الثمانين من عمره، عليه قميص إفريقي أبيض مُغْبَرّ يغطي بالكاد ركبتيه، وقد ذهب لونه وفيه ترقيعات ورُقع، وعلى رأس الشيخ طاقية صوفية مهترئة. أحسست بالوقار تجاه الرجل، وتقدمنا إليه وبادرناه بالسلام وصافحناه. كانت يداه خشنتان جدا مليئتان بالشقوق الصغيرة الصلبة، مما يدل على أنه كان فلاحا طوال حياته. وبعد أن عرّفناه بأنفسنا وبالغرض من الزيارة، رحب بنا وشكر منظمة “العون المباشر” على مشروع المسجد والبئر، وأخبرنا أن سكان القرية سيكون بمقدورهم، و لأول مرة، أن يشربوا ماء نظيفا. أما المسجد فسيكون مفخرة لأهل القرية بكل تأكيد، فالمساجد بسيطة جدا وصغيرة و مبنية من الطين، أينما ذهبت في المناطق الريفية.
ثم خطر لي أن أسأله عن مشروع البيوت المستديرة هناك في قريته، لأشرح له هدف المنظمة التي موّلت بناءها، وكان أحد الإخوة من موظفي مكتب “العون المباشر” يترجم بيننا، فقلت له وأنا أظن أنني سأسدي له معروفا، “هل تعرف ماذا يريد أصحاب هذا المشروع؟ إنهم لا يهتمون بكبار السن، بل يستهدفون أبناءكم لتنصيرهم”. أطرق الشيخ الأعمى صامتا للحظة قصيرة، ثم أجابني حرفيا مباشرة وبدون مقدمات بهذه الطريقة، “لو حدث أن أُصِبت بجرح بليغ في يدك، وأشار إلى ذراعه، وامتنع أقرباؤك عن مساعدتك، ثم جاء غريب ليتطوع لعلاجك، فهل سترفض؟”. كان يشير إلى تخلي إخوانهم العرب عنهم.
تجمدت في مكاني وأنا أنظر إليه مذهولا مما سمعت. لم أستطع أن أعلق بشيء أمام هذا الردّ المفحم الصاعق. لقد عبّر هذا الشيبة الضرير بأسلوب الحكمة الإفريقية المعروفة في مجتمعاتهم البسيطة، عندما يتشاورون تحت ظل شجرة في قرية ما، في شؤونهم ومشكلاتهم، برعاية كبار السن الذين يختزنون تجارب الحياة، وصولا إلى قرار ما بعد التشاور، يحظى بتقدير واحترام الجميع. عبّر عن الواقع المحزن الذي يعيشه ملايين من الأفريقيين، مسلمين وغير مسلمين، واقع الفقر والحرمان من أبسط مقومات الحياة كالمدرسة والمسجد والمستوصف.
أدركت لاحقا، عندما تعددت سفراتي في السنوات اللاحقة إلى أكثر من ثلاثين بلدا أفريقيا، كم كنت غبيا في تلك اللحظة التي التقيت فيها بذلك الشيخ الضرير، فقد بدأت أفهم مع مرور الوقت، أن إخوتنا في قارة “المعذبون في الأرض”، حسب تعبير الطبيب النفسي والثائر عالم ثالثي فرانز فانون في كتابه الشهير بهذا العنوان الصادر سنة 1961(*)، هم أكثر وعيا منا بمفاعيل الإمبريالية المتوحشة، منذ بدايات عصر الاستعباد والاسترقاق في القرن 16 إلى الآن.
والله ما تزال صورة ذلك الشيخ الضرير الحكيم تقفز إلى مخيلتي من حين لآخر، وأتذكر ساعتها كيف حضرني الحديث الشريف ” من أصبح و لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم”.
(*) فرانز فانون Franz Fanon (1924-1961)، من المارتينيك وينحدر من أحفاد العبيد الذين جلبتهم فرنسا إلى مستعمراتها في جزر الكارايبي. شارك في حرب تحرير فرنسا من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. تخرج طبيبا للأمراض النفسية من جامعة ليون الفرنسية كما درس الفلسفة وكان أبرز أساتذته فيها الفيلسوف جان ميرلو بونتي. عيّن طبيبا رئيسا لمستشفى الأمراض النفسية والعقلية في مدينة البليدة الجزائرية ثم استقال عندما اشتعلت الثورة الجزائرية سنة 1956 وانخرط فيها وكرس نفسه للنضال في إطارها بكل ما أوتي من قوة. تعتبر مساهماته الفلسفية والثقافية والسياسية في دعم الثورة الجزائرية مدرسة حقيقية، فقد كانت منطلقه من ونحو نضال عالم ثالثي لمواجهة الإمبريالية والعنصرية، عبر وعي عميق بالجذور الثقافية والنفسية للظاهرة الاستعمارية. كما اهتم بتحليل التاثيرات الثقافية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية للاستعمار الأوروبي على ثقافة الشعوب المستعمرة خاصة في إفريقيا، وبالسياسات والأدوات التي يستخدمها الاستعمار، وهي سياسات وأدوات تمتاح بعمق من الرؤية العنصرية الاستعلائية. تبنّى فرانز فانون الكفاح المسلح لمواجهة وطرد الاستعمار ودافع عن هذا الخيار بشجاعة كبيرة. ربط في كتاباته بين مآلات الثورات المسلحة ضد الإمبريالية والاستعمار وبين التحرر السياسي والثقافي للشعوب المستعمرة.





