“كايروكي”… المسكّن المؤلم الممتع

 

 

 

 

 

ليلى الشايب
إعلامية تونسية

 

 

“كايروكي” اسم يمكن بسهولة المراهنة على أنّ عدد من نطقوه أول مرّة من دون أن يخطئوا قليل جداً، وقد لا يكون أحد نطقه من دون تلعثم وفي أكثر من مرّة. وفي هذه اللخبطة معانٍ كثيرة. “كايروكي” هي اليوم إحدى أبرز فرق موسيقى الروك البديلة في مصر والعالم العربي، وأكّدت مكانتها هذه بخاصّة في موسم صيف 2026، إذ شهدت حفلاتها في أكثر من عاصمة عربية، رغم موجة الحر الاستثنائية، حضوراً جماهيرياً كبيراً عدداً وتفاعلاً، لا من الشباب فحسب، بل أيضاً من اليافعين والكهول أيضاً.

في زمن الانتكاس الفنّي العامّ وإصابة القريحة بعقم، بعد رحيل جيل من فناني الصفوف الأولى شعراً وتلحيناً وغناء، وتراجع أصوات جميلة أفرزتها برامج مسابقات الغناء على مستوى العالم العربي، بسبب ضياع بوصلتها بين الأغنيات التي نجحت بها وبين ما عرض عليها، ربّما، بعد ظهور طفرة من المؤدّين الذين نسفوا في سنوات قليلة إرثاً غنائياً شرقياً ومغاربيّاً شكّل مصدر فخر وإلهام لأجيال متعاقبة، وبعد تحوّل الغناء إلى “بيزنس” فجّ وخطير، بل أيضاً مدمّر للذوق والأخلاق، باسم الواقعية وإيقاع الزمن السريع… وبعد تعاظم مشاعر الحنين إلى الغناء الذي يخاطب المشاعر الإنسانية والوجدان بلغة يعرفها، ولكن الجمهور العربي “الصامد” أمام الرداءة يكاد ينساها، وتصبح شبيهة لديه باللغات القديمة الميّتة، فأوتي بمن لا يزالون أحياء من الفنانين المخضرمين وصعّدوا على خشبات مسارح عريقة، فكانت الخيبة والصدمة ومشاعر الشفقة عليهم… بعد ذلك كله تصدّرت فرقة كايروكي تلقائياً في الغناء، وسط هذا الفراغ، فملأته بموسيقى وغناء مختلفَين، ولكن حقيقيَّين صادقَين، معبّرين عن الحالة النفسية والذهنية الراهنة للملايين عبر الوطن العربي، حتى ما تعلّق فيها بالرومانسية. لأنه ببساطة كلّ شيء مرتبط بكلّ شيء، ولأنّ ما تمرّ به المنطقة منذ أكثر من عقدين من مخاض مؤلم وانقباضات، من دون ولادة أي شيء، وتحوّلات مربكة من دون تمهيد وتدرّج، امتدّ أثره إلى مختلف أوجه حياة الناس في كل مكان، ولم تجد هذه الخلخلة من يشخّصها ويعبّر عنها بأيٍّ من أدوات الفنّ المعهودة والمفضّلة عربيّاً، فنتجت عن ذلك أزمة مضاعفة مركّبة وخرساء تقريباً، عدا بعض المحاولات التعبيرية المشتتة هنا وهناك. فخرجت “كايروكي” بعازفيها الشباب والمغني الوحيد فيها أمير عيد، وهيئتهم البسيطة المتحرّرة من ربطات العنق والأزياء اللامعة والشعر الملمّس لتحرّر الجمهور أيضاً. جمهور في أغلبه لا يعرف بالضبط من أين يأتي شعوره بالقلق والخوف وحتى الاكتئاب، ولا كيف تتغير المعايير المجتمعية حوله، وما هو مفهوم “الصّواب” و”الخطأ” اليوم… ولا كيف يعبّر عن مشاعر الحبّ تجاه الطرف الآخر. وهل ما تزال هذه المشاعر موجودة أصلاً؟ وهل يمكن أن تصمد وتستمرّ أمام زحف المادّة والمظاهر التي يكرّسها عصر الاستهلاك القاتل لإنسانية الإنسان… بعدما كان يقال إن المشاعر والرومانسية بقيت من نصيب الشرق تخفّف عنه صعوبة العيش، فإذا بها هي أيضاً تكاد أن تلفظ نفسها الأخير.

جمهور في أغلبه لا يعرف بالضبط من أين يأتي شعوره بالقلق والخوف وحتى الاكتئاب، ولا كيف تتغير المعايير المجتمعية حوله

تجيب أغنيات “كايروكي” على بعض تلك الأسئلة الحائرة بعباراتٍ بسيطة من الدارجة المصرية الجميلة التي يفهمها جميع العرب، بلا ادّعاء أو تفضّل على الجمهور المنسجم معها، وتقول ما معناه إنّ أعضاءها هم أيضاً من هؤلاء الناس، ويعيشون معهم وبينهم ويتعرّضون للمؤثرات نفسها، ويسائلون أنفسهم كما يفعل البقية. ويأتون إلى المسارح وفضاءات الغناء، حاملين تلك الحالة وتلك الأسئلة عبر كلمات واضحة، وإن اعتراها الوجع والحيرة أغلب الوقت، ترافقها أنغام بسيطة أيضاً، لا تغطّي على معاني الكلمات ولا تضيف إزعاجاً إلى مسامع الجمهور الذي تحاصره الضجة والتلوّث السمعي باستمرار… بصوته الهادئ العميق الدافئ والمراوح بين الحزن حيناً والسخرية أو الغضب حيناً آخر، يغنّي أمير عيد عن “الأشياء الحقيقية” و البسيطة التي تمنح المشاعر فسحة كي تعبّر عن نفسها وعن صدقها، بعد أن حاصرتها وغيّبتها المظاهر المادّية البرّاقة، بل حلّت محلّها كمعيار للاستحقاق… يغني عن سيارة قديمة مستعملة، ولكنها صلبة و تتحمّل مشاقّ الطرق (حمّالة قسيّة ودبّابة)، وعن أماكن “حقيقية” مفتوحة فيها روح، ومشت على أرضها أقدام وسكنتها أصداء أصوات، وكتبت على جدرانها أو شجرها حروف وأسماء… وفي مواجهة ركض البشر اليومي في حركة “قطيعية” ينساق إليها المزيد كل يوم، تقول إحدى أغاني “كايروكي” إنّ “الناس بتجري، أنا مش قادر، لذلك بطّلت أحاول” واخترت أن أسير على مهل، وأترك الناس تجري و”تتغابى” كأنها في غابة… وفي موضع آخر، تستحضر “كايروكي” بعض ماركات العصر التي لا يتّسم أغلبها بأي جمالية. ومع ذلك هي باهظة الثمن، ويتبجّح مشتروها ومالكوها بها لأنها أحدث صرخة. ويفعلون هذا بلا تفكير. وفي الصورة اختزال للكائن البشري الذي يُراد صياغته اليوم وغداً وإنتاج ملايين النسخ منه. كائن مستهلك مقلّد لا يسائل نفسه ولا الآخرين.

عندما يشاهد الملاحظ كمّ تفاعل جمهور الشباب واليافعين من الجنسين مع كلمات أغنياتٍ كهذه الأغنية، يشعر بسعادة وببعض الاطمئنان لفكرة أن الوعي الذي يحارب بكل الأسلحة، لا يزال صامداً، ولكن لا يتمالك عن الشكّ في مدى صلابة ذلك الوعي أو ما إذا كان التفاعل وليد لحظة تماهٍ تعيشها الجماهير عادة في مثل هذه التجمّعات، ثم لا يلبث أن يتلاشى بعد العودة إلى الواقع اليومي.

تدرك كايروكي أن الخلل عامّ وشامل عند العرب، وعند من درجوا على إعطاء العرب دروساً في الحقوق

وبالقدر نفسه من البساطة أو ما يصنّف ضمن “السهل الممتنع” تخاطب “كايروكي” عمق النفس البشرية، فتقول نيابة عن ملايين الشباب التائه في الزمن وفي تحديد هويته العمرية والآجال المنطقية الواقعية لتحقيق طموحاته بكلماتٍ تقول “بعدين كل ما آخذ خطوة أرجع اثنين، العمر بيجري سابق السنين… أنا شاب لكن من جوّة عجوز، عندي جناحات بس محبوس… يمكن ده مش مكاني أو الزمان ده مش زماني أو أنا موهوم…يمكن خيالي ودّاني لدنيا أو لعالم ثاني…أنا نجم بس ما فيش سماء…عندي جناحات بس ما فيش هواء…”.

لا تقدّم “كايروكي” دائماً أجوبة أو شبه أجوبة أو حلولاً للحيرة أو الوضع المعوجّ، بل قد تعبّر عن حيرة وجودية ووجع، فتمنح العاجزين عن التعبير عن الحالة تلك، بعض الأوكسجين للتنفيس عن اختناقٍ يفاقمه العجز عن فهم الذات والتعبير عمّا يخالجها. ولأن الأغنيات، مهما بلغت كلماتها من بلاغة وشفافية، تظلّ قاصرة عن قول كل شيء، فإنّ التكملة تقال وتكشف في الحوارات واللقاءات التلفزيونية وفي “البودكاست” الذي يتحدث فيه أعضاء “كايروكي” عن تجاربهم في الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع وعمّا جمعهم، ويجمعهم مع الشباب المصري خصوصاً والعربي عموماً. وفي هذه المساحة، يكتشف المتابع إلى أي مدى يتشابه المغني وكاتب الكلمات والعازف في تركيبتهم النفسية والذهنية مع أقرانهم شرقاً وغرباً ومع فئات أخرى أكبر أو أصغر، بما يثبّت القناعة تقريباً أن أربعة أجيال على الأقل تشكّلت على نحو محدّد كأنها “صناعة” مقصودة سلفاً، تستجيب للمحفّزات نفسها، وتردّ الفعل بأساليب متقاربة تكاد تكون متجانسة. وبنظرة سريعة على التعليقات على مقتطفات من الحوار، تتواتر أمام نظر المتابع عباراتٌ من قبيل “كأنّك تتحدّث عنّي” أو “قلت كلّ ما يعتمل بداخلي”، ما يجعل فرقة “كايروكي” أقرب ما تكون إلى مرآة عاكسة لجيل كامل في روحه وبنيته النفسية ومراوحته بين أعتاب أزمان مختلفة فيها أحلام ونسف للأحلام وفوضى بلا أفق.

لا تقدّم “كايروكي” دائماً أجوبة أو شبه أجوبة أو حلولاً للحيرة أو الوضع المعوجّ، بل قد تعبّر عن حيرة وجودية ووجع

ولا تنكفئ “كاريوكي” على هذا التيه النفسي واختلال قيم المجتمع فحسب، لأنها تدرك أن الخلل عامّ وشامل عند العرب، وعند من درجوا على إعطاء العرب دروساً في الحقوق والحّيات وكرامة الإنسان، فتشير إلى الخلل بكلمات ثقيلة الأثر خفيفة الإيقاع، قليلة الحروف.

اكتشاف فرقة “كاريوكي” لمن لم يكتشفها بعد وفي هذا الظرف من الأشياء القليلة الممتعة المتاحة. يمكن لمن يستمع إليها أن يقضي وقتاً طويلاً في فك رموز أغنياتها على سهولتها، ثم يذهب ليبحث في كواليس ما تهديه إلى الجمهور كل مرة، ويبحث في شخصيات أعضائها الجميلة المرهفة المتنوعة والمتشابهة في آنٍ، وكأنهم مجموعة من التوائم الروحيين. ولا توجد ذرّة شكّ في أن دفع تذكرة وتذكرتَين وأكثر لحضور عروضها، ليس فعلاً يندم عليه وسط التهافت على عروضٍ متشابهة، تنتهي، في أغلب الأحيان، بخيبة تسعفها دعاية ما قبل وما بعد.

من مفارقات عجيبة أن أعضاء فرقة “كايروكي” ينتمون إلى جيل الثمانينيات، وهو بذلك الوجع والإحباط، وأن تثير الفرقة في كل عروضها انفعالاتٍ لا تثيرها أية عروض أخرى في جمهورها، وأن تشهد الأسابيع الأخيرة، يا للغرابة، “تقليعة” على منصات التواصل الاجتماعي تدعو الناشطين وغير الناشطين في العالم الافتراضي إلى تجربة صورهم وهيئاتهم بمظهر فترة الثمانينيّات وموضتها، بدافع الحنين إلى تلك السنوات باعتبارها من أجمل المراحل التي مرّت على العالم في الخمسين سنة التي مضت، وعلى افتراض أن من ولدوا خلالها مميّزون يغلب عليهم المرح والتفاؤل وروح الابداع، فهل جرى تحويل وجهة جيل الثمانينيات، و”كايروكي” تبحث عن هذه الحقيقة عبر أغنياتها التي لا تدعك محايداً أبداً؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics