من الحرب الكورية إلى تايوان.. هكذا توظف الصين الذاكرة التاريخية سياسيا

إيطاليا تلغراف متابعة

تستدعي الصين ذكرى دخول قوات المتطوعين الصينيين الحرب الكورية لتأكيد الصداقة والتنسيق مع بيونغ يانغ، وتربط ذكرى انتهاء الحكم الاستعماري الياباني لتايوان -التي تسميها “استعادة تايوان”- بالدفاع عن مطالبتها بالسيادة على الجزيرة والدعوة إلى الوحدة.

واتخذ هذا الربط شكلين مختلفين في التقارير الصحفية الصينية؛ فتضحيات الجنود في كوريا تُستحضر لإسناد استمرار العلاقة والتعاون بين الدولتين، فيما تُقدَّم مقاومة اليابان في الخطاب الصيني بوصفها إرثا مشتركا يؤسس للهوية والوحدة في ملف تايوان.

وفي المناسبتين تؤدي الذاكرة وظيفة تتجاوز استذكار الضحايا واستحضار أحداث الماضي؛ لتمنح المواقف السياسية الراهنة امتدادا تاريخيا وأساسا أخلاقيا عبر خطاب يجعل الوفاء للأجيال السابقة مسؤولية سياسية تقع على عاتق الأجيال الحالية.

صداقة أساسها التضحية

عند برج الصداقة في بيونغ يانغ، شارك مسؤولون صينيون وكوريون شماليون في إحياء الذكرى الـ76 لمشاركة المتطوعين الصينيين في الحرب، وذكرت صحيفة الشعب أن المشاركين وضعوا الأكاليل ووقفوا حدادا، ثم تصفحوا سجلات أسماء القتلى وشاهدوا صورا ووثائق عن القتال ومشاركة الصينيين في إعادة إعمار كوريا الشمالية.

يجمع هذا التسلسل بين التضحية العسكرية والمساهمة في البناء، ويقدم العلاقة باعتبارها مسؤولية مشتركة ممتدة. واتخذ المعنى السياسي صيغة مباشرة خلال زيارة كيم جونغ أون، الأمين العام لحزب العمال الكوري وزعيم كوريا الشمالية، إلى مدينة “داندونغ” الصينية يوم السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول.

وذكرت صحيفة “غلوبال تايمز” أن وانغ هونينغ، عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، رافق كيم إلى ساحة المتحف التذكاري لـ”حرب مقاومة العدوان الأمريكي ومساعدة كوريا”.

كما نقلت الصحيفة عن وانغ قوله إن الزيارة الخاصة التي قام بها الأمين العام كيم جونغ أون إلى مدينة “داندونغ” تعكس بوضوح مدى تقدير حزب وحكومة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية للصداقة الصينية الكورية التي ترسخت عبر التضحيات بالدماء.

وتمنح هذه العبارة استمرار العلاقة سندا أخلاقيا مستمدا من التضحيات المشتركة، وتجديدا للإرث نفسه في مخاطبة الداخل الصيني؛ إذ نقلت الصحيفة عن دا تشيغانغ، الباحث في أكاديمية هيلونغجيانغ للعلوم الاجتماعية، قوله إن “هذا الإرث لا يزال يحمل أهمية بالغة اليوم، في وقت تتعامل فيه الصين مع بيئة دولية معقدة؛ فهو يشجع البلاد على مواجهة التحديات بشجاعة وعزيمة راسخة”.

جسر يصل زمنين

يتجسد الانتقال من الذاكرة إلى المصالح الراهنة عند نهر يالو، فقد استهلت  صحيفة “غلوبال تايمز” تقريرها بشهادة المحارب السابق “تشو يوتشوِن” عن عبور الجنود جسرا عائما بعدما قُصف الجسر القائم.

وأعادت صحيفة الشعب اليومية نشر مقتطفات من شهادته الموثقة في وثائقي أُنتج عام 2021 بعنوان “تذكّر 1950″، عبر منصات التواصل تزامنا مع ذكرى المناسبة، ما شكّل إضاءة على قصص الجنود الشباب أمام الجيل الجديد.

وعلى ضفاف النهر ذاته، يُقدَّم جسر يالو الجديد باعتباره أداة لتجديد العلاقة، فبحسب “غلوبال تايمز”، افتُتح الجسر في 15 أكتوبر/تشرين الأول ليربط مدينة “داندونغ” الصينية بمدينة “سينويغو” الكورية الشمالية، ودعا وانغ خلال محادثاته مع كيم إلى استثمار هذا الجسر كفرصة لتوسيع تبادل الأفراد والتعاون التجاري، وتعزيز التواصل والتنسيق الإستراتيجيين.

وفي هذا السياق، صرح لو تشاو، الخبير في شؤون شرق آسيا بأكاديمية لياونينغ للعلوم الاجتماعية، للصحيفة بأن “الجسر الجديد يربط الماضي بالحاضر، محولا شريان الحياة الذي كان حيويا خلال فترة الحرب إلى ممر للربط والتعاون الاقتصادي في زمن السلم”، متوقعا أن يسهم الجسر في تحسين الخدمات اللوجستية العابرة للحدود، وخفض تكاليف النقل والتخليص الجمركي، وتسهيل التجارة في المنتجات الزراعية والسلع الصناعية الخفيفة والآلات.

هكذا يمنح المشروع الاقتصادي مضمونا عمليا لخطاب الصداقة، فيما تمنحه ذاكرة الحرب رمزية تتجاوز وظيفته الحدودية؛ فبعد أن كان المعبر مرتبطا بوصول الجنود والإمدادات، يُعاد تقديمه ممرا للتواصل والتنمية.

“تايوان” ذكرى والتزام

في ملف جزيرة تايوان، يتجه توظيف الماضي نحو تعزيز رواية الانتماء والسيادة، فقد جمعت ندوة مدينة فوجو في مقاطعة فوجيان الصينية نحو 200 مشارك، بينهم أحفاد مقاومين للاحتلال الياباني وقتلى ضحوا بحياتهم في تايوان، وشباب وأكاديميون وشخصيات من جانبي المضيق.

وبحسب صحيفة تشاينا ديلي، جاءت المناسبة بعد عام من اعتماد يوم رسمي لإحياء ذكرى “استعادة تايوان”، ونقلت عن سونغ تاو، رئيس مكتب عمل تايوان باللجنة المركزية للحزب الشيوعي ومكتب شؤون تايوان بمجلس الدولة، قوله إن تخصيص هذا اليوم يعكس ثقة البلاد الراسخة في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها، ويعزز التزام المجتمع الدولي بمبدأ “الصين الواحدة”.

وربط سونغ توريث روح مقاومة اليابان برفض استقلال تايوان والتدخل الخارجي، مؤكدا دعم القوى المؤيدة للوحدة داخل الجزيرة. وفي هذه الصياغة، تُستحضر الذكرى لتصبح أساسا لموقف من المستقبل، فالتضحيات تُقدَّم إرثا مشتركا، والانتماء المشترك عامل لإسناد الدعوة إلى الوحدة.

ويتسع حضور الرواية عبر أدوات تتجاوز الخطاب السياسي، فقد أورد تقرير لوكالة الأنباء الصينية (شينخوا) نشرته شبكة الصين الإخبارية، إصدار طابع تذكاري يجمع سور الصين العظيم بجبل “أليشان” وبحيرة “الشمس والقمر” وهما معلمان بارزان في جزيرة تايوان، إلى جانب معارض وفعاليات موسيقية ومراسم نظمتها جماعات في تايبيه. وتحمل هذه الرموز معالم من جانبي المضيق في صورة بصرية واحدة للانتماء.

قراءة التاريخ للشباب

تحتل الأجيال الجديدة موقعا مركزيا في هذا الاستخدام السياسي للماضي، فقد نقلت صحيفة تشاينا ديلي عن هونغ هسيو-تشو، الرئيسة السابقة لحزب الكومينتانغ الصيني في تايوان، اتهامها سلطات الحزب الديمقراطي التقدمي في تايوان بمحاولة محو تاريخ مقاومة اليابان و”استعادة تايوان” من المناهج الدراسية، وربطها ذلك باضطراب الهوية والتوترات عبر المضيق.

ونقلت الصحيفة عن أو كوي تشيه معلمة الأدب الصيني المتقاعدة في مدرسة تايبيه الأولى الثانوية للبنات، دعوتها الشباب إلى دراسة التاريخ لاكتشاف جذورهم وفهم المعاناة التي مرت بها الأمة، وزيارة البر الرئيسي الصيني ومقارنة الكتب الدراسية وتكوين أحكامهم بعقلانية. وتُظهر هذه الدعوات كيف تصبح رواية التاريخ مدخلا للتأثير في تعريف الهوية والخيارات السياسية، مع بقاء الاتهامات المتعلقة بالمناهج مواقف لأصحابها.

ويتصل خطاب الهوية برسائل الردع، فقد نشرت قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني أول ملصق لها بمناسبة “يوم استعادة تايوان”، جمع خريطة الجزيرة وصورا ووثائق تاريخية.

ونقلت صحيفة غلوبال تايمز عن جانغ جوِن شه، الخبير الصيني في الشؤون العسكرية، تفسيره للملصق بأنه جاء تعبيرا عن العزم على حماية الوحدة ومواجهة محاولات فصل تايوان عن الصين.

تخلص القراءة المتكاملة لهذه التقارير إلى أن بكين تحاول توظيف الماضي لبناء التزام بالحاضر من خلال استمرار الصداقة والتنسيق في الحالة الكورية، وتعزيز الهوية والدعوة إلى الوحدة في حالة تايوان.

وتمنح التضحية هذا الالتزام ثقلا أخلاقيا، فيما تنقله المؤسسات والمشروعات والرموز إلى المجال السياسي، أما نجاحه في تشكيل قناعات الجمهور فيظل سؤالا يتجاوز ما تكشفه المراسم وتصريحات المشاركين فيها.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا