*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
حين أبحث عن معنى أن تكون مُناضلًا، أستحضر نموذج الزعيم نيلسون مانديلا، وما عاناه في ظل نظام الفصل العنصري من سجنٍ وتنكيلٍ وحرمانٍ من الحرية. ومع ذلك، لم يجعل من مرارة التجربة حاجزًا أبديًّا بينه وبين خصوم الأمس، بل جلس إلى طاولة الحوار مع من كانوا جزءًا من النظام الذي اضطهده، ليفتح أمام بلاده أفقًا لتجاوز مواجع الماضي وآلامه وأخطائه، وبناء المستقبل.
لم يكن ذلك تنازلًا عن المبادئ، ولا إنكارًا للذاكرة، بل إدراكًا عميقًا للفارق بين مقاومة الظلم والقمع والاستبداد والتعسّف والشطط في استعمال السلطة، وبين الاستسلام لمنطق الانتقام؛ كما أدرك أن الاحتفاظ بذاكرة الجراح شيء، وتحويلها إلى أداة لإدامة الصراع شيء آخر.
هناك تتجلّى شجاعة المناضل الحقيقية: أن يمتلك القدرة على مواجهة ثقل الماضي من دون أن يرهن له المستقبل، وأن يفهم السياسة باعتبارها فنّ الممكن، لا استعراضًا دائمًا لاستحالة التوافق والتسوية ووضع حدّ للتناحر اللامتناهي.
ومن هنا أنتقل إلى المشهد السياسي في بلدنا، حيث نرى أحيانًا زعيمًا سياسيًّا أو مناضلًا تقدميًّا ذا فكر يساري وقاعدة شعبية أو رصيد تاريخي، يخرج تحت ضغط الانفعال ليصبّ جام غضبه على الماضي والذاكرة الوطنية، وكأن المغرب لم يعرف مسارًا للإنصاف والمصالحة، ولم يخض نقاشًا وطنيًّا بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة.
فهل يكفي الغضب، مهما كانت دوافعه ومشروعية بعض مطالبه، لمحو ما راكمه الوطن من تجارب في معالجة جراحه؟ وهل تكون استعادة الماضي مدخلًا لفهمه وتجاوزه، أم وسيلة لإعادة إنتاج انقساماته؟
إن درس مانديلا لا يكمن في تمجيد المصالحة لذاتها، ولا في مطالبة الضحايا بنسيان ما تعرّضوا له، وإنما في إدراك أن العدالة والذاكرة والحوار ليست بالضرورة مسارات متعارضة؛ وأن بناء الدولة يقتضي أحيانًا امتلاك شجاعة الجلوس إلى طاولة واحدة مع المختلفين، من دون التنازل عن الحقيقة أو تحويلها إلى وقود دائم للثأر.
وإذا كان استحضار مانديلا يفرض علينا مساءلة علاقتنا بالماضي، فإن التجربة المغربية نفسها تفرض سؤالًا لا يقل أهمية: كيف نستحضر ذاكرة الانتهاكات من دون أن نحوّلها إلى ذاكرة انتقائية، تُدين طرفًا وتُبرّئ آخر، وتختزل تاريخًا معقدًا في ثنائية جاهزة من الجلاد والضحية، والملائكة والشياطين؟
وكأنّ الآخرين كانوا جميعًا ملائكة أبرياء، لا مسؤولية لهم عمّا جرى، أو كأنّ البلاد كانت فردوسًا آمنًا لا يهدّده شيء، قبل أن تظهر عصابة من الشياطين لتعبث بمصائر العباد والبلاد!
أليس في هذا الاختزال للتاريخ ما يستدعي مساءلة الذاكرة نفسها، بدل الاكتفاء بتوزيع أدوار البراءة والإدانة؟ وهل يمكن فهم مآسي الأوطان بإعفاء طرف من كل مسؤولية، وتحميل طرف آخر أوزار مرحلة بأكملها؟
إن الإنصاف يقتضي تسمية الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، ومساءلة من ثبت تورّطهم فيها؛ لكنه يقتضي أيضًا مقاومة إغراء تحويل التاريخ إلى محكمة انتقائية، تُستدعى فيها الوقائع بحسب الحاجة السياسية، ويُمنح فيها البعض صكّ البراءة، فيما يُختزل الآخرون في صورة الجلاد الأبدي. فالمصالحة لا تعني تبييض الماضي، كما أن النقد لا يكتسب مشروعيته بمجرد استدعاء الجراح أو رفع سقف الاتهامات.
وهنا تكمن العبرة التي ينبغي ألا تغيب عن الفعل السياسي: قد تتغيّر مواقع الخصوم والحلفاء، وقد تتبدّل التحالفات وموازين القوى، لكن ما ينبغي أن يظلّ حاضرًا هو معيار المسؤولية؛ أن يكون القرار مؤسسيًّا لا انفعاليًّا، محسوبًا لا مرتجلًا، ومفتوحًا على إمكانات المستقبل، لا أسيرًا لعبارة قيلت تحت ضغط اللحظة.
فالسياسة لا تُدار بمنطق «لن يحدث أبدًا»، وإنما بسؤال أكثر نضجًا: ما الذي يمكن فعله حين تتغيّر الشروط؟ ذلك هو الفارق بين من يمتلك شجاعة الموقف ومن يستسلم لاندفاعه؛ فالأول يدافع عن مبادئه مع الاحتفاظ بمساحة للحركة، أما الثاني فقد يحوّل عباراته إلى قيود تكبّله حين تتبدّل الظروف، فيصبح أسيرًا لما قاله، بدل أن يكون مسؤولًا عمّا ينبغي فعله.
ولعلّ الإشكال الأعمق أن بعض الناس يستسهلون الكلمات، فيوزّعون أوصافًا من قبيل «الجلّاد» (tortionnaire)، ويتوسّعون في التخوين والاتهام بالخيانة والتنابز بالألقاب، وينسجون الحكايات ويروّجون الإشاعات، من دون تمييز بين الحقيقة والانطباع، أو بين النقد والتشهير، أو بين المساءلة وإصدار الأحكام.
وكأنّ الكلمة مجرّد صوت عابر، لا أثر له في تشكيل الوعي وصناعة الذاكرة الجماعية.
والحال أن الكلمات، مثل الأفعال، تترك آثارها في التاريخ؛ فقد تُنصف ضحية، وقد تفتح جرحًا قديمًا، وقد تحوّل خلافًا سياسيًّا إلى خصومة اجتماعية ممتدّة. وبقدر ما ننطق بكلماتنا ونمارس سلوكنا، نشارك في صناعة ذاكرة قد تتّسع للتعايش، أو تمتلئ بالكراهية والأحقاد.
فبكل كلمة، مهما بدت بسيطة، قد نفتح نافذة في جدار التفاهم، أو نُحدث شقًّا جديدًا في البيت الذي نسكن تحت سقفه جميعًا.
وليس مستغربًا أن تصدر مثل هذه الممارسات عن أفراد لا يستحضرون عواقب كلامهم، لكن المسؤولية تصبح أثقل حين تصدر عن النخب السياسية والفكرية والاجتماعية؛ لأن موقعها يمنح كلماتها أثرًا يتجاوز أصحابها، ويجعلها قادرة على توجيه النقاش العام أو تسميمه، وعلى إعادة تأطير الخلاف أو تحويله إلى عداوة مستدامة. فالنخبة ليست مجرّد طرف في الخصومة، بل هي أيضًا مسؤولة عن الحدود الأخلاقية التي ينبغي ألا يتجاوزها الصراع.
ألم يحن الوقت لأن يسأل كل فاعل سياسي نفسه، قبل أن يطالب الآخرين بالمراجعة: هل كان ما قلته أو فعلته صوابًا؟ أم أنني أسهمت، من حيث أدري أو لا أدري، في تعميق شرخ ما زال الوطن يدفع بعض أثمانه إلى اليوم، على المستويات الجغرافية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؟
ويكفي أن نستحضر، في هذا السياق، كيف يمكن لفكرة الانفصال أو تقسيم المغرب، حين تُطرح بلا مسؤولية أو تُستعمل في سياق التحريض، أن تمسّ معنى الانتماء المشترك. فالوحدة الوطنية ليست مجرّد شعار يُرفع، بل مسؤولية تُصان بالعدل والإنصاف والحوار، وبالاعتراف بالتعدّد، ومعالجة الاختلالات التي قد تغذّي الإحساس بالتهميش أو الإقصاء.
إن الوطن لا يحتاج إلى ذاكرة مبتورة تُنكر جراح الماضي، ولا إلى خطاب يستدعي تلك الجراح في كل مناسبة لإدامة الخصومة؛ بل يحتاج إلى ذاكرة نقدية تحفظ الحقيقة، وتصون كرامة الضحايا، وتمنع تكرار الانتهاكات، من دون أن تجعل الأجيال رهينة أحقاد لم تصنعها.
فالوطن واحد، وإن تعدّدت الآراء والمواقع والمواقف. وكل كلمة مسؤولة يمكن أن تسهم في ترميم ما تصدّع، وتعزيز التلاحم والتعايش والتكامل والتضامن، وصناعة تاريخ يحقّ للأجيال المقبلة أن تستحضره بفخر؛ لا لأننا أخفينا خلافاتنا، بل لأننا امتلكنا من الوعي والشجاعة ما يكفي لإدارتها دون أن نحوّلها إلى عداوات تورّثها الأجيال.
فهل نمتلك شجاعة وجرأة نقد الماضي، أم نكتفي باستدعائه كلما احتجنا إلى خصم؟ وهل نريد للكلمة أن تكون جسرًا نحو المستقبل، أم قيدًا جديدًا على الوطن؟
_____
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.





