فايزة أحمد*
في الحادي والشعرين من شهر فبراير المُنقضي، طُلب الطبيب الأردني عماد الجولاني، على وجه السرعة ليكون في المستشفى الذي يعمل به، والواقع بإقليم لومبارديا؛ بؤرة تفشي فيروس كورونا المُستجد (كوفيد-19) بإيطاليا، حيث هرول، ليفاجئ بأعداد هائلة من المصابين الذين ثُبت إيجابية تحاليلهم، فأدرك أنهم بصدد كارثة هائلة سيكون ضمن الذين سيتصدون لها حتى وقت غير معلومٍ.
رغم هول المشاهد التي أبصرها الجولاني داخل مكان عمله، لكنه لم يكن يتوقع أن إيطاليا _ التي يعيش بها منذ40عامًا- تصبح ثاني أكثر الدول تضررًا بالفيروس المُستجد، إذ تجاوز عدد المصابين فيها الـ31 ألف حالة، فيما بلغ عدد الوفيات (2978) ” كل المستشفيات تبعنا تحولت إلى مراكز لمعالجة مصابين كورونا”، حتى امتلأت عن أخرها، فشرعوا في نَصب الخيام أمامها؛ لتتحوّل إلى مفرزة؛ يقوم من خلالها الأطباء بإخضاع المرضى لبعض التحاليل الأولية، لمعرفة “إذا ثبت أن المريض عنده كورونا نبعته للطوارئ بالمستشفى، وإذا عنده مرض تاني نبعته على أخرى”، اتقاءً للزحام.

على مدار 12 ساعة، يعمل الجولاني يوميًا، مُرتديًا زي الحماية الذي يتكون من قناع وكمامة وقفازات وقميص واقي يُلبس ليوم واحد ومن ثم يُلقى في القمامة “في البداية كنت خايف ومتردد شوية من الاقتراب من المصابين”، غير أن هذه الأفكار سُرعان ما أبعدها عن ذهنه، ليُشمّر عن ساعديه ويبدأ مهمته المُقدسة “حسيت إنه مافي شي أجمل من أنك تنقذ إنسان من الموت”، الذي حاوطهم من كل جانب بكرور الأيام التي لم يذق فيها النوم إلاّ لساعاتٍ قلائل.
يوم تلو الآخر تكدست المستشفيات بالمصابين وكذلك التوابيت بالموتى، لعدم وجود علاج لذاك الفيروس، وكذا قلة أجهزة التنفس الصناعي وغرف العناية المركزة، بينما كان الطبيب اللبناني حسام محسن يحاول رفقة زملائه في أحد مراكز معالجة المصابين بمدينة ميلانو عاصمة إقليم بؤرة تفشي المرض، إيجاد أدوية تقلل من حدة “كورونا”، فتوصلوا إلى “أدوية الإيدز، وفيروس اتش سي في، والإيبولا، والماليرا، والمفاصل” التي آتت ثمارها مع بعض المصابين فيما لم تُجدِ نفعًا مع البعض الآخر “نفعت مع المصابين بإصابات طفيفة، لكن ضعاف المناعة وكبار السن لم تنفع معهم”.

دفعت أعداد الموتى التي تشهدها إيطاليا يوميًا، بعض المسؤولين لاقتراح حرمان المصابين الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا وأكثر من دخول الرعاية المركزة، وإعطاء الأولوية لصغار السن، لكن حسام وزملائه جاهدوا ألاّ يصلوا إلى هذه المرحلة القاسية “فجأة بتلاقي حالك بإيدك تنهي حياة شخص على حساب آخر”، شَكلّت هذه الفكرة رعبًا كبيرًا ظل يطارده في سويعات نومه، إلى أن استيقظ على الحقيقة التي لا مفر منها، في ظل تفاقم الأوضاع هناك “مبدئيًا أخلينا غرف الرعاية من المرضى الغير مصابين بالفيروس، وتأجيل العمليات الجراحية لهم”، غير أن ذلك لم يكن حلًا “بعض المرضى الذين لم يكنوا مصابين بالفيروس أصيبوا به”.

في تلك الأثناء كان الطبيب الأردني يتجرع الخطوة القاسية مع زملائه الذين شرعوا في التخلي عن كبار السن المصابين، بإرسالهم إلى دور المُسنين أو إلى منازلهم، للاكتفاء بمتابعتهم عبر الهاتف أو بإرسال ممرضين لهم؛ كلما سنحت الفرصة “قلبي يتمزق كلما نأخذ مثل هذا القرار، لكن ما بيد الحيلة”، يتملكه إحساس ثقيل، يحاول التخلص منه بالركض بين الطبيعة، لكونه وجميع الأطباء المسموح لهم بالتواجد خارج المنزل “أثر الأمر علىّ نفسيًا بشكل كبير، لكن مضطر أستكمل دوري في علاج المرضى”.
من سيء إلى أسوأ يصف الطبيب الخمسيني حالته النفسية، كلما عَلَم بوفاة أحد كبار السن داخل منزله بالفيروس، أو تدهور حالته التي كادت تتحسن “كأن قدام عيونك شخص بيغرق وأنت عاجز عن إنقاذه”، تلك الصورة التي يراها أيضًا داخل المستشفى يوميًا مع مرضاه الذين توقف عن السؤال عنهم حين لم يجدهم “طبعًا بعرف إنه مات”، تؤكد معرفته هذه منظر تراص التوابيت في الطرقات وعلى أطراف السلالم “هذا المشهد يجعلني أرتجف كلما رأيته”.

بينما كان عماد الجولاني يحارب الكورونا وحزنه، كان حسام محسن يقاوم فجيعته في زملائه الذين أخذوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر مصابين بالفيروس “اتنين منهم أُصيبوا وبقوا بالمنزل، والكثير من الممرضين والمسعفين”، ينهش الخوف قلبه، منتظرًا دوره هو أيضًا “كلنا معرضين للإصابة”، وهو ما تسبب في قلة عدد الأطباء بالمستشفيات الإيطالية، فيما يقول الجولاني إن أربعة أطباء وافتهم المَنية خلال الأيام القليلة الماضية، بينما أُصيب ما يربو عن (150طبيبًا) بالفيروس- حد قوله.

يأمل الطبيبان أن تنتهي تلك الكارثة التي لازمت الكوابيس نومهم، يتضرعون إلى الله لكي ينجيهم وأسرهم الذين يفرضون عليهم إجراءات حازمة اتقاءً للإصابة، يتساءلون عن الأرواح التي هُدرت بحكم الضرورة، يهربون من شبح الموت داخل مستشفياتهم ما أن تنتهي نوباتهم، وكذا يهربون من جلد الذات الذي لا يفارقهم، لتخليهم عن كبار السن، غير أنهم على قناعة تامة بأنهم بحاجة إلى دعم نفسي، ربما ليس الآن، ولكن ما أن يفرغ العالم من هذا الكابوس “حاليًا مضطرين ننقذ المرضى ونسيطر على حزننا”.
المصدر إكسترا نيوز*





