مسألة ضرب الزّوجة في الإسلام

إيطاليا تلغراف

 

محمّد هشام خليفي*

من المضحكات التّي احتجّ بها أولئك الذين فقدوا الحياء واعتيضوا من البصر بالعماء وركنوا الى كلّ عاميّة عمياء في استباحة ضرب الزّوجة، احتجاجهم بآية من القرآن الكريم في غير محلّها وإخراجهم للنّصوص عن مقاصدها متأوّلين تأويلا لا يصحّ ولا يستقيم ولا يحتجّ به إلّا من سفه نفسه، احتجّ أبناء الجهالة، والكبر، والجدل بقوله تعالى ” واللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ ” سورة النساء آية 34 . وفهم هؤلاء أن معنى الآية الكريمة هي حقّ الزّوج في ضرب زوجته بالمعنى الدّارج والشّائع لمفهوم الضّرب.
والمعلوم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلمّ لم يضرب زوجة من زوجاته قط ، وأنه قال : (خيركم من لا يضرب) وعندما حدث خلاف كبير بين الرّسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونسائه لم يضرب واحدة منهن ، بل ترك لهن الحُجُرات واعتكف في المسجد .
فتوى العلاّمة محمد الطّاهر ابن عاشور : من ضرب امرأته عوقب
قال ابن عاشور رحمه الله تعالى :
وأمّا الضرب فهو خطير وتحديده عسير، ولكنه أذن فيه في حالة ظهور الفساد ، لأن المرأة اعتدت حينئذ ، ولكن يجب تعيين حد في ذلك ، يبين في الفقه ، “لأنه لو أطلق للأزواج أن يتولوه ، وهم حينئذ يشفون غضبهم لكان ذلك مظنة تجاوز الحد ، إذ قل من يعاقب على قدر الذنب “، على أن أصل قواعد الشريعة لا تسمح بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة ، بيد أن الجمهور قيدوا ذلك “بالسلامة من الإضرار” ، وبصدوره ممن لا يعد الضرب بينهم إهانة وإضرارا .
وهذه فتوى العلاّمة بن عاشور رحمه الله تعالى في ضرب النساء فيقول رحمه الله تعالى:
يجوز لولاة الأمور إذا علموا أن الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعها ، ولا الوقوف عند حدودها أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة ، “ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب” ، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج ، لا سيما عند ضعف الوازع . (انتهى).
وانّ ترك بيت الزوجية من جانب الرجل، والبعد الكامل عن الدار كوسيلة لتمكين الزوجة الناشز من إدراك مآل سلوك النشوز والتقصير والنفور في الحياة الزوجية ليوضّح لها أن ذلك لا بد أن ينتهي إلى الفراق والطلاق وكل ما يترتب عليه من آثار خطيرة خاصة إذا كان بينهما أطفال ، هذا التّصرّف من الزّوج قد يعيد المرأة النّاشز الى صوابها لأنّها تخشى من ورائه الطّلاق والفراق وما يترتّب عنه من مضارّ للأبناء وتمزيق للأسرة التي جعل لها الإسلام مكانة ذات أهميّة قصوى في المجتمع الإسلامي.
فإذا خاف الزوج نشوز زوجته عالج ذلك بطريقة متميزة رفيعة المستوى، وتلك الطريقة تبدأ بالوعظ وبيان خطورة طريق النشوز ، فإن لم يجدي الوعظ نفعا تأتي الطريقة الثانية وهي الهجر في المضجع فإن لم يصـلح الهجـر في المضجع يأتي الهجر الكُـلّي في البيت، ( أو ترك البيت للزوجة وخروج الرجل منه كما فعل المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ).
فإنّ معنى الترك والمفارقة في قوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ) أولى من معنى الضرب أي الأذى الجسدي والقهر والإذلال النفسي ، لأن ذلك ليس من طبيعة العلاقة الزوجية الكريمة ، ولا من طبيعة علاقة الكرامة الإنسانية وليس سبيلاً مفهوماً إلى تحقيق المودة والرحمة والولاء والسكن واللباس بين الأزواج .
والفهم المقاصدي المتناسق مع المقاصد العامة لعلاج النشوز وخطوراته والمقاصد الشرعية من الحياة الزوجية تؤيّده السنة النبوية المطهرة الفعلية حين فارق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منازل نسائه واعتزلهن مدة شهر ليدركن النتائج المترتبة على العصيان دون أن يلجأ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أي شيء من اللطم أو الإهانة ، أو الضرب.
وهذا الفهم المقاصدي قد غاب عن بعض الرجال لأنهم يرون أن الضرب بمعنى الإيلام الجسدي يحقق لهم أهدافا ذاتية ويشبع رغباتهم النفسية والبدنية والاجتماعية التي غلّفوها بهذا الفهم الخاطئ لمعنى الضرب في قوله تعالى : (وَاضْرِبُوهُنَّ) .

وقد وردت كلمة ( الضرب ) ومشتقاته في القرآن الكريم في ستة عشر وجهاً كما يلي :
1 – (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) [النحل : 76]
فالشيء يضرب مثلا : أي يستخلص ويميز حتى يصبح جلياً واضحاً .
2 – (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) [النساء : 101]
والضرب في الأرض هو السفر والمفارقة .
3 – (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف : 11]
والضرب على الأذن : هو منعها من السماع .
4 – (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) [الزخرف : 5]
وضرب الصفح عن الذكر : هو الإبعاد والإهمال والترك .
5 – (كذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) [الرعد : 17]
وضرب الحق والباطل تمييزهما وتجليتهما مثلاً .
6 – (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) [النور : 31] وضرب الخُمُر على الجيوب : هو ستر الصدر ومنعه من الرؤية .
7 – (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ)
وضرب الطريق في البحر : شق ودفع الماء جانباً .
8 – (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [الأنفال : 12]
وضرب الأعناق والبنان : بترها وفصلها ، وأبعادها عن الجسد .
9 – (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) [البقرة : 61]
وضرب الذل والمسكنة عليهم : نزولهما بهم .
10 – (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص : 44]
وذلك أنّ أيوب – عليه السلام – كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته . قيل : [ إنها ] باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة . وقيل : لغير ذلك من الأسباب . فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله – عز وجل – أن يأخذ ضغثا – وهو : الشمراخ – فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه.
11 – (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فضرب الرقاب) [محمد : 4] وضرب الرقاب كناية مشهورة يعبر بها عن القتل سواء كان بالضرب أم [ ص: 79 ] بالطعن في القلوب بالرماح أو بالرمي بالسهام ، وأوثرت على كلمة القتل لأن في استعمال الكناية بلاغة ؛ ولأن في خصوص هذا اللفظ غلظة وشدة تناسبان مقام التحريض .
والضرب هنا بمعنى : القطع بالسيف ، وهو أحد أحوال القتال عندهم لأنه أدل على شجاعة المحارب لكونه مواجها عدوه وجها لوجه .
والمعنى : فاقتلوهم سواء كان القتل بضرب السيف ، أو طعن الرماح ، أو رشق النبال ، لأن الغاية من ذلك هو الإثخان .
12 – (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد : 13]
والضرب بالسور بينهم : عزلهم ومنعهم عن بعضهم بعضاً .
13 – (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) [النور : 31]
الضرب بالأرجل إيقاع المشي بشدة كقوله : يضرب في الأرض . وسبب نزول هذه الآية كما قال البغوي في تفسيره:
أنّ امرأة اتخذت بُرتين تثنية بُرة بضم الباء وتخفيف الراء المفتوحة ضرب من الخلخال من فضة واتخذت جزعا في رجليها فمرت بقوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية .
والتحقيق أن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال ضربن بأرجلهن في المشي بشدة لتسمع قعقعة الخلاخل غنجا وتباهيا بالحسن فنهين عن ذلك مع النهي عن إبداء الزينة .
14 – (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد: 27]
قال العلاّمة محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى في التحرير والتنوير عند تفسيره لهذه الآية :
يضربون وجوههم وادبارهم حال من الملائكة. والمقصود من هذه الحال: وعيدهم بهذه الميتة الفظيعة التي قدرها الله لهم وجعل الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم ، أي يضربون وجوههم التي وقوها من ضرب السيف [ ص: 119 ] حين فروا من الجهاد فإن الوجوه مما يقصد بالضرب بالسيوف عند القتال ويضربون أدبارهم التي كانت محل الضرب لو قاتلوا وهذا تعريض بأنهم لو قاتلوا لفروا فلا يقع الضرب إلا في أدبارهم .
15 – (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) [البقرة : 60]
قال البغوي في تفسيره : وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا واسمها عليق حملها آدم عليه السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى عليه السلام .
16 – (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) [الصافات : 93]
قال العلاّمة ابن عاشور في التحرير والتنوير : استعمل فعل ( راغ ) هنا مضمنا معنى ( أقبل ) من جهة مائلة عن الأصنام لأنه كان مستقبلها ثم أخذ يضربها ذات اليمين وذات الشمال ، نظير قوله تعالى فيميلون عليكم . وانتصب ” ضربا باليمين ” على الحال من ضمير ” فراغ ” أي : ضاربا . وتقييد الضرب باليمين لتأكيد ” ضربا ” أي : ضربا قويا .
فإذا أمعنّا النظر في الآيات السابقة نجد أن معنى الضرب فيها : العزل والمفارقة والإبعاد ، والترك.
أما باقي ما ورد من كلمة ( الضرب ) ومشتقاتها فيما سبق من ضرب الأرجل ، والوجوه ، وضرب الحجر ، وضرب الضغث ، وضرب الأصنام باليمين ، فهي بمعنى دفع الشيء بقوة وخبطه ولطمه .
وهكذا فإن عامة معاني كلمة ( الضرب ) في السياق القرآني هي بمعنى العزل والمفارقة والإبعاد والدفع .
فما هو المعنى المناسب لكلمة الضرب في سياق فضّ النزاع بين الزوجين واستعادة السكينة والطّمأنينة في قوله تعالى:
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا). [النساء : 34- 35] .
والمعنى المناسب للضرب هنا هو الإصلاح والوفاق هو الهجر في البيت بعد الهجر في المضجع .
ويلاحظ أن القـرآن الكريم لم يعبّر بلفظ (الضرب) ولكـن عبّر بلفظ الجــلد (بفتح الجيم وتسكني اللام) حين قصد إلى الأذى الجسدي بقصد العقاب أو التأديب كما في قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ). [النور : 2] وذلك من الجلد ( بكسر الجيم وتسكين اللام ) لأنه موضع الإحساس بالأذى والألم الخارجي ، وهو المقصود بالضرب .
وأنت خبير أنّك اذا تأمّلت الأدلة العلمية الشرعية أدركت يقينا أن الفهم السائد بين الناس لكلمة الضرب للزوجة في القرآن الكريم لا يتناسب مع سياق العلاج والمودة والرحمة ومقاصد الشريعة الإسلامية من الحياة الزوجية .
وقد ورد في ذلك أحاديث منها قوله صلّى الله عليه وسلّم :
(اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله ، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح) . رواه مسلم .
وفي خطبة الوداع قال صلّى الله عليه وسلّم : (استوصوا بالنساء خيراً فإنهنّ عوان عندكم ، ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنة ، فإن فعلن فاهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ ضرباً غير مبرّح ، فإن أطعنكم فلا تبتغوا عليهنّ سبيلاً ، ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهنّ وطعامهنّ ) رواه الترمذي ، وقال: حسن صحيح .
وقال الإمام البخاري: باب ما يكره من ضرب النساء ، وقول الله تعالى(واضربوهنّ) أي ضرباً غير مبرح ” ، ثم ساق البخاري بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
(ما ضرب رسول الله شيئاً قط ، ولا امرأة ولا خادماً ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ، فينتقم لله عز وجل) . رواه مسلم.
كيف يكون الضّرب اذا اضطرّ إليه :
وخلاصة الأمر ، أنه لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته ابتداءً ، وإنما يكون ذلك بعد الوعظ ، وبعد الهجران ، ويجب أن يكون الضرب غير مبرّح ، فإن الضرب المبرّح حرام لما سبق في الأحاديث .
قال عطاء: ” الضرب غير المبرّح يكون (بالسّواك ونحوه) .
قُلْتُ : هذا في حق الزوج الذي نشزت عليه زوجته ومن النّشوز أن لا تمكّنه من نفسها وأن تخرج من البيت بدون إذنه وما شابه ذلك وجرى مجراه .
وتتّفق السنّة والآثار الموقوفة جميعاً على أنّ المقصود هنا الإرشاد لإنقاذ كيان الزيجة التي يتهدّدها الفشل، وألا يتسرع الزوج الغاضب لنشوز زوجته في تطليقها، ذلك أن أبغض الحلال عند الله الطلاق، كما هو مشهور في الحديث النبوي.
كذلك، فليس المقصود بالضرب البطش باليد أو بأية آلة، إلا إذا كانت تلك الآلة لا تحدث أي جرح أو تسيل دماً، فيكون رمزاً للتأنيب والتأديب، كأن يضرب الزوجُ الزوجَة الناشزة بِمَنْشَفَة أو مَرْوحة من الورق ونحو ذلك أو مِنْديل أو عود أراك كما بيّن ذلك حبر الأمّة وترجمان القران ووارث ثلثي علوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .

قُلْتُ: اذا نشزت عليه وأراد تأديبها فانه يتّبع المراحل كما جاءت في الآية الكريمة:

أوّلا : أن يعظها بالحكمة والموعظة الحسنة. والنشوز معناه أنها تحرمه حقّه في الفراش وتخرج من البيت بدون إذنه وما كان من هذا السياق.
ثانيا : أن يهجرها في المضجع إذا لم تنفع الموعظة.
ثالثا : أن يضربها ضربا غير مبرّح أي غير مؤلم قال ابن عباس رضي الله عنها يضربها ( بالأراك والمنديل ) ونحو ذلك .
قُلْتُ : لأنّ المقصود من الضّرب الإهانة واعلامها بانّه غير راض عنها لنشوزها عليه فان زاد على ما ذكرنا أثم . وإن ضربها انتقاما لنفسه أثم وارتكب محرّما كما سبق بيانه من قول الحافظ ابن حجر في كتابه الشهير فتح الباري في شرح صحيح البخاري.
وإنّي أقول : يا أيها الذي اتخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في إطالة لحيتك وتقصير ثوبك واستعمال العطر والأراك تأسّى بنبيّك صلّى الله عليه وسلّم في معاملته لنسائه لقد تظاهرت عليه عائشة وحفصة رضي الله عنهما تظاهرًا أنزل الله فيه قرآنا يتلى الى يوم القيامة ولم يضرب واحدة منهنّ .
قُلْتُ : وقد أعجبتني كثيرا تلك المرأة الحكيمة التي أبكاها زوجها ثم أخذ ابنتهما الصّغيرة واستلقى على ظهره ووضعها على صدره وجعل يلاعبها فقالت له زوجته كيف تشعر لو أبكاها زوجها ؟ فأجاب الزّوج : أقتله أضربه أشتمه إنّها ابنتي حبيبتي . فقالت له زوجته الحكيمة:
وانا كذلك لي أب يحبّني كما تحبّ أنت ابنتنا ويتعذّب ويتألّم إذا ضربتني ولم تحسن صحبتي. فكن حكيما يا طيّب الكَلِمِ وعامل والد زوجتك بما تحبّ أن يعاملك به زوج ابنتك فكما تدين تدان.

من الجزء الثاني الصفحة 309 من كتاب وسائل الائتلاف في مسائل الاختلاف لمحمّد هشام خليفي*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...