الصّدقة أفضل من الحجّ ومن الجهاد

إيطاليا تلغراف

 

فضيلة الأستاذ  محمّد هشام خليفي*

ذكر الدّكتور سيّد بن حسين العفاني في الصّفحة 296 من الجزء السّادس من كتابه الماتع (صلاح الأمّة في علوّ الهمّة) وتحت عنوان الأكباد الجائعة أولى بالصّدقات من البيت الحرام ، ما يلي :

وعن ميسر بن أبي الفرات قال : كَتَبَتِ الحجبةُ الى عمر بن عبد العزيز حتى يأمر للبيت بكسوة ، كما كان يفعل من كان قبله ، فكتب إليهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إنّي رأيت أن أجعل ذلك في أكباد جائعة ، فإنه أولى بذلك من البيت .

قُلْتُ : والحقيقة التي لا مراء فيها أننا في زماننا هذا وبعد أن ثبت يقينا أن أموال الحجّ تهدى الى أمريكا في السّرّ والعلن ونحن نعلم كيف تنفق أمريكا تلك الأموال وهذا أمر في غاية الوضوح والبيان ، وقد كتب الشيخ سفر الحوالي في كتابه (المسلمون والحضارة الغربية) ما يلي : لو أنّ المليارات الفلكيّة التي أعطِيَت لترامب وشركاته ، غير ما أعطيَ من الهدايا أنفقتْ لقضايا المسلمين وفكاك أسراهم لكان خيرا حتّى في السّياسة الدّنيويّة . (انتهى) ، وبناء على يقيننا الذي لا ريب فيه ولا شكّ في مساعدة السّعودية لأمريكا بأموال خرافية تقرّبا وتودّدا الى رئيسها ، في حين نرى المخيمات في كل مكان تعجّ بالمسلمين من النّساء والأطفال والشيوخ وهم يموتون جوعا وبردا ولا يستطيعون الحصول على اللباس والغطاء والطعام والماء والخيام وأموال الحجيج تعطى كما ذكرنا الى من لا يستحقها ولا تجوز له أصلا من باب الشرع ، فقد وجب على المسلم أن يتصدق بنفقة الحج الى من هو في خطر الموت من الجوع والبرد ، وأنا أذكر لك من أقوال العلماء ما يثلج صدرك فتدبّره وسوف أعقّب على أقوالهم وإن كنت لا أستدرك عليهم لجهلهم ولكني أقول إنّ أقوالهم التي قالوها في ذلك الزّمان لو كانوا في زماننا هذا لما قالوها البتة .

ذكر ابن كثير بلا اسناد في الجزء العاشر ص607 من تاريخه الماتع “البداية والنهاية” قصّة حصلت في هذا السياق وملخّصها أن عبد الله بن المبارك لمّا كان في طريق الحج مات لهم طائر فأمر غلمانه بالقائه في مزبلة الطريق ثم انه راى فتاة جاءت واخذت الطائر الميت فسالها عن شانها فأخبرته انها واخاها من الفقراء وان اباها قد قتل واخذ ماله وان الميتة تحل لهم ، فقال عبد الله بن المبارك لخادمه كم معنا من المال ؟

فقال: الف دينار، فقال ابق منها عشرين نرجع فيها الى بيوتنا واعط الباقي لهذه الفتاة فهذا افضل من حجنا لهذا العام ثم رجع .

قُلْتُ : وليس في القصّة ان ملكا حجّ عنه فهذه من زيادات القصّاص والوضّاعين والله اعلم وإن كان ابن كثير لم يذكر سندا لهذه القصّة فإنّ الخطيب البغدادي رواها بسندها في ترجمة عبد الله بن المبارك في تاريخه الموسوم بـ “تاريخ بغداد”.

وقال الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي في (الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف 2/162) قال ابن الجوزي في (صفوة الصفوة) : الصّدقة أفضل من الحج ومن الجهاد .

ثم إني رأيت في الجزء الأوّل الصفحة 116 من «الاختيارات الفقهية» فتوى لابن تيمة الحرّاني أعجبتني كثيرا يقول فيها ابن تيميّة :

1 – والحجّ على الوجه المشروع أفضل من الصّدقة التّي ليست واجبة.

2 – وأمّا إن كان له أقارب محاويج فالصّدقة عليهم أفضل.

3 – وكذلك إن كان هناك قوم مضطرّون إلى نفقته.

4 – فأمّا إذا كان كلاهما تطوّعا فالحجّ أفضل؛ لأنّه عبادة بدنيّة ماليّة وكذلك الأضحيّة، والعقيقة أفضل من الصّدقة بقيمة ذلك، لكن هذا بشرط أن يقيم الواجب في الطّريق، ويترك المحرّمات، ويصلّي الصّلوات الخـمس، ويصدق الحديث، ويؤدّي الأمانة، ولا يعتدي على أحد. انتهى.

وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى في “المغني” (3/212) :

“من وجب عليه الحج وأمكنه فعله ، وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره . وبهذا قال أبو حنيفة ومالك ، لقول الله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران/97 ” انتهى .

قُلْتُ : من العلماء من قال : وحيث إنك مستطيع فقد وجب عليك الحج وجوبا عينيّا ، فهو مقدّم على التصدق على جارك الفقير ؛ لأنه ممن لا تلزمك نفقته ، وصدقتك عليه ـ والحالة هذه ـ هي من باب التطوع والنفل والفرض مقدم على التطوع .

قُلْتُ : وهذا لا يصح أصلا فالصدقة تكون من باب التّطوّع والنفل إذا كان للمسلمين جراية من بيت مال المسلمين تنفق على الفقراء وإذا كانت الدّولة تجمع الزّكاة من الأغنياء وتعطيها للفقراء ولو حصل هذا لما وجدنا فقيرا واحدا في بلاد المسلمين ، والذين قالوا ان حج الفريضة مقدّم على الصدقة لأن الحج فرض والصدقة نفل ، غفلوا أنّ الصدقة تكون نفلا عندما تتعلق بزيادة خير للفقير بحيث لو لم تتصدق عليه فإنه لن يعجز عن الطعام والشراب ولن يموت من الجوع كما ذكرت لك وامّا في زماننا هذا وقد حصل وبلغنا الخبر اليقين بموت بعض المسلمين بسبب الجوع كما حصل في مجاعة افريقيا منذ سنين وقد ذهب ضحيّتها الكثير من المسلمين وكان سبب موتهم الجوع والعطش وهو ما يحصل الآن في مخيّمات اللاجئين في العديد من بلدان الشرق الأوسط وإذ ذلك كذلك فإنّ الصدقة هنا ليست نفلا بل هي فرض يأثم من يتركه وهو قادر عليه وقد رأينا من يذهب الى السّعودية من أجل العمرة وينفق فيها مبلغا يكفي لإطعام عشرة عائلات من اللاجئين في المخيّمات لعدة أسابيع ثم يذهب الى الحج بتكلفة مالية تطعم عشرات العائلات من اللاجئين لمدّة لا يستهان بها ، والناس في المخيمات يموتون جوعا ولو كنت مكانه لتصدقت بنفقة العمرة والحج فقد بيّن لنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم أجر السّاعي على الأرملة والمسكين ولو عرف الذي ينوي العمرة والذي عزم على الحج جزاء من يكفل يتيما أو ينفق على أرملة أو يشتري الدواء لمريض ما ادّخر الله له من أجر لغيّر رأيه ولفضّل الإنفاق على الفقراء والمساكين ، هذا ولو كانت الزكاة تجمع كما أمر الله بها وكما بيّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما احتجنا لأموال المعتمرين والحجيج ، والغريب أن هؤلاء الجهّال يقولون ان الحج فرض وانا أقول لهم والزكاة كذلك فرض فلماذا أقررتم بفرضيّة الحجّ على القادر عليه وغفلتهم عن فريضة الزّكاة ؟

فكيف بمن ينفق عشرات الملايين عليه وعلى زوجه من أجل الحجّ وله أقارب محاويج ، وهو يعلم أنّ (تلك الأموال) ستعطى لأمريكا حتّى تستعين بها على مواجهة الكوارث الطّبيعيّة التي تجتاحها كل شتاء مثل (الإعصار) وغيره ؟

يقول الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدّين، حين يتحدّث عن الْآدَابِ الدقيقة والأعمال الباطنة المتعلّقة بالحجّ، ويسوق عشرة آداب فيقول: “الثّاني: أن لا يعاونَ أعداء الله سبحانه بتسليم المكس، وهم الصادّون عن المسجد الحرام من أمراء مكّة والأعراب المترصّدين في الطّريق.

فإنّ تسليمَ المال إليهم إعانةٌ على الظّلم وتيسير لأسبابه عليهم، فهو كالإعانة بالنفس، فليتلطّف في حيلة الخلاص، فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء، ولا بأس بما قاله: إنّ تركَ التنفُّل بالحجّ والرّجوع عن الطّريق أفضلُ من إعانة الظّلَمة، فإنّ هذه بدعة أحدثت، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنّة مطّردة وفيه ذلّ وصَغَار على المسلمين ببذل جزية.

ولا معنى لقول القائل: “إنّ ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر؛ فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطّريق لم يؤخَذ منه شيء، بل ربما يظهر أسباب الترفه فتكثر مطالبته، فلو كان في زي الفقراء لم يطالب، فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار”.

قُلْتُ : أنا أستنتج من كلام حجّة الإسلام الغزالي ما يلي :

أولا: من استطاع التّلطف بحيلة للوصول إلى الحج والعمرة دون أن يدفع الأموال للحكّام الظّلمة، فليفعل.

قُلْتُ : وهذا من الباطل المتيقّن والمحال الممتنع في زماننا هذا .

ثانيا: شبّه الإمام الغزالي المال الذي يدفعه المتنفّل بالحجّ والعمرة للحكّام الظلمة المسيطرين على الحرم بالجزية التي تجرّ الذلّ والهوان على المسلمين.

ثالثا: بيّن الإمام الغزالي أن الانقياد إلى عادة دفع المال إلى الحكّام الظّلمة مقابل حجّ وعمرة النّافلة سيجعل الذلّ عادة مطّردة، وهو ما تأباه الأنفس القويمة.

رابعا: أكّد الإمام الغزالي على أنّه ليس وحده القائل بفتوى الرّجوع من الطريق في حجّ وعمرة النّافلة، وعدم دفع أموالهما للأمراء الظّلمة، بل هو يؤكّد على فتاوى بعض أهل العلم في زمانه.

قُلْتُ : أنا لا أفرّق بين دفع الأموال الطائلة في حجّ الفريضة وحجّ النافلة فالأموال الطائلة لا تعطى الى الظالمين لا في حجّ الفريضة ولا في حجّ النافلة سواء بسواء .

واعلم وفّقني الله وإيّاك لما يحبّه ويرضاه أنّني لا أقول بترك الحجّ فهذا لا يقوله عاقل، انا فقط أقول لو خيّرت بين الحجّ ومساعدة الأرامل والمساكين لاخترت أن أساعد الأرملة والمسكين فإطعام الطعام المنقذ من الهلاك مقدّم على الحج لأن المبالغ المالية التي نحج بها اليوم ليست بالهيّنة وانما هي مبالغ تشتري بيت في بعض البلدان وتغني عائلة في بعض البلدان وتفتح مشروع تجاري في بعض البلدان كما قد علمت ، والغريب أن تكلفة الحج من أوروبا اقل بكثير من تكلفة الحج من بلدان الإسلام والحال ان المسلم في أوروبا غالبا ما يكون وضعه المالي احسن من وضع الكثير من المسلمين في بلداننا العربية واعني بهم المسلمين الذين يدّخرون تكاليف الحج لسنوات طويلة ومنهم من يبيع بعض ممتلكاته من أجل الحج ومنهم يستدين المال من أجل الحج ، فمن قال إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : من حجّ البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه . والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ، فالجواب أننا لا ننكر هذا الحديث ولكننا نقول هناك حديث آخر يخبرك بعمل إذا عملته خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمّك فقد روى أبو هريرة كذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه . والحديث هنا كذلك متّفق على صحّته فصم رمضان إيمانا واحتسابا تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمّك . وقد وردت الأحاديث الصحيحة المشهورة التي تبشر بالجنّة من يكفل اليتيم ومن يسعى على الأرملة والمسكين وهذه الأحاديث كثيرة لا تكاد تحصى لكثرتها وانا كما قد علمت لا أقيس هنا بين الحج والصدقة ولا أقارن بين الحج والزكاة ولا اضع في ميزان التّفاضل الحج واطعام الطعام ، انا فقط أقول لك يا أخا الإسلام إنك تعلم أين تذهب أموالك التي تحجّ بها وتعتمر بها وهي كثيرة ففي بعض البلدان تكلفة الحج تصل الى عشرة مليون بعملة تلك البلد وفي بعض البلدان تزيد على العشرة مليون ، فاعلم يا أخي ان ذلك المبلغ في بلدك يغيّر حياة عائلة مسلمة تغييرا جذريا في السودان او غينيا أو نيجيريا أو سوريا أو العراق فهذا هو الذي أقول.

ويبقى الحج فريضة من فرائض الإسلام التي يكفر من يستخف بها والعياذ بالله وانما انا أميل الى رأي ابن تيمية في هذه المسألة والى رأي ابن الجوزي وقد قدّمت لك قولهما في بداية هذه المسألة فارجع اليه وتـأمّله بتدبّر وتفكّر والله الهادي الى سواء السبيل وهو ولي ذلك والقادر عليه وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آل بيته الطّاهرين وأصحابه الغرّ الميامين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدّين .

من الجزء الثاني الصفحة 404 من كتاب :
وسائل الإئتلاف في مسائل الإختلاف لفضيلة الأستاذ محمد  هشام خليفي*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...