التوازن بين العقل البشري والطبيعة لإحياء مفهوم الحياة الإنسانية

إيطاليا تلغراف

 

كمال ابراهيم المصري*

الكل اعظم من الأجزاء التي تكون هذا الكل. ‏بمعنى انه لو أخذنا طاولة على سبيل المثال وهي تتكون من ارجل و منصة وبراغي وغيرها من الأجزاء التي تُكون هذه الطاولة. ‏عندما تكون متكاملة ‏ ‏فإن عطائها وقوتها ومتانتها واستخدامها سوف يكون افضل واكبر مما إذا كانت الأجزاء منفصلة كل جزء لوحده، لأن ‏إمكانية الاستفادة من هذه الأجزاء ‏يكون اكثر إذا كانت ‏هذه الأجزاء من ضمن الكل وليست فقط ‏كأجزاء.

وإذا أخذنا هذا الوصف المجازي ‏وطبقناه على أنفسنا ‏نحن البشر فإن عقلنا البشري وجسدنا وروحنا هي عبارة عن ‏أجزاء من مكوناتنا كبشر. ولو أننا نظرنا إلى أنفسنا على ان ما يسيرنا ويتحكم بنا هو العقل فبذلك نحن نفصل العقل عن باقي الأجزاء لنصبح مجزئين مثل مثال الطاولة أعلاه.

‏ولكن إذا أردنا النظر إلى أنفسنا بشكل متكامل وكلي فيجب أن تكون هذه الأجزاء من مكوناتنا (العقل الروح الجسد) مترابطة وهذا هو التكامل.

‏ونحن كبشر و لسنوات بعيدة جدا وأكثر من قرن ونتيجة الثورات الصناعية المتعاقبة منذ الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن التاسع عشر، نظرا للحاجة الماسة للقدرات العقلية المطلوبة في المصانع وفي التشغيل وفي المكاتب ، فأصبح هناك تركيز على تنمية العقل البشري فأنشئت المدارس الحالية التي تركز في منهجها على الرياضيات والعلوم لكي تخرج كوادر جاهزة لمواكبة احتياجات المصانع والشركات على مدار الثورات الصناعية المختلفة.

‏اصبح التركيز على العقل البشري وأصبحنا كبشر متأثرين بهذا الفكر المادي البحت وهذه الأيديولوجية التي تعتقد أن العقل قادر على كل شيء.

‏وبالطبع فإننا نؤمن بقدرة العقل البشري على الإبداع والإبتكار في مواجهة التحديات وأن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان بالعقل . وفعلا تقدم الإنسان تقنيا في مجالات التكنولوجيا وفي مسارات متعددة ولكن للأسف اصبح هناك خلل وانفصال للعقل البشري في تواصله مع الجسم والروح. ‏ففي ظل النظام المادي و ابتعاد الناس عن القيم الأخلاقية والإنسانية التي فطر الله الناس عليها ، فقد تمادى الإنسان على غيره من المخلوقات ظنا منه أنه بقدراته العقلية يستطيع على كل شيء وعلى ان يتجاوز قوانين الكون والطبيعة وما عليها من كائنات. ‏وأصبح هناك أنانية وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه البيئة وحمايتها فزاد التلوث وقل التوازن والانسجام بين متطلبات الحضارة المادية التي نعيش والطبيعة.كل هذه الأمور هي نتيجة لطغيان العقل البشري و الإشكاليات المترتبة على المعرفة البشرية بعيدا عن التوازن مع الطبيعة والنظرة الكلية التكاملية بين العلوم الإنسانية والطبيعة.

‏ الكلية هي ان ننظر إلى أنفسنا على أننا كل وليس جزء من كل وكذلك على أننا نحن جزء من هذا الكون الكامل. ‏و بالتالي سوف يكون صعب النظر لأنفسنا بانعزال عن الطبيعة والكون فإننا لا نستطيع العيش من غير الهواء والشجر والشمس.

‏‏مجرد النظر إلى أنفسنا على أننا عبارة عن عقل وجسد وروح فسوف يكون التواصل مع الذات أفضل لتصبح علاقتنا مع اجسادنا وا أرواحنا وعقولنا ليست علاقة هرمية يكون فيها العقل هو المسيطر والأجزاء الأخرى تابعه لأوامر هذا العقل.

‏فيجب علينا أن نعرف كيف نتعامل مع انفسنا من خلال العقل والجسد والروح. وهذا يؤدي بنا أن نستشعر في الصلاة لإدراكنا ان الصلاة هي ليست عبارة عن حركات يأمر بها العقل ويقوم بها الجسم.

‏وكذلك عند الأكل فسوف نستطيع أن نستشعر هذه النعم التي انعم الله بها علينا وأن نستشعر كيف يتعامل جسمنا مع الأكل والهضم وغيره حتى لا تأخذ الأمور بشكل روتيني لإننا دائما ننسى ‏روحانياتنا. ‏وإذا نظرنا إلى كيفية التواصل و الترابط مع البيئة المحيطة بنا فإننا لا نستطيع أن نعيش من غير النباتات التي تمدنا بالهواء فيجب علينا ‏الاعتماد عليها وعدم تدميرها ‏لمصلحة أنانية.

وما يمر به العالم اليوم من أحداث جسام نتيجة انتشار فيروس كورونا فإن العقل والذكاء البشري يواجه تحديا كبيرا ويقف مرتبكا يحاول الصمود أمام هذا التحدي الكبير من هذا الفيروس الصغير.

ولكن هذه الأوقات هي اختبار للبشرية جمعاء ‏لإحياء و تعزيز القيم الإنسانية المشتركة التي فطر الله الناس عليها للخروج من هذه الفاجعة وكذلك إلى النظر بنظرة الكلية (التكامل) لإعادة فهم وإدراك معنى الحياة الإنساني.

مدرب للتطوير الذات- الكوتشنج وناشط إجتماعي*

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...