“عَنْدُو غيْر نِيشانْ”.. حين تتحول الجِدِّيَّة إلى تُهمة..! في تفكيك ثقافة السخرية من الاستقامة في الإدارة العموميّة
* الدكتور عبد الله شنفار
ليست المشكلة في الموظف الذي “يمشي نِيشانْ”، بل في ثقافةٍ إداريةٍ جعلت من الاستقامة استثناءً، والالتفاف على القانون مهارةً، والحنكة مرادفًا للتحايل.
في الحياة الإداريّة المغربيّة، تتردد عبارات تبدو للوهلة الأولى عفويّة وبريئة، غير أنها تخفي وتستبطن وراء بساطتها قدرًا من الخبث الإداري، وتحمل في طياتها دلالات ثقافيّة عميقة.
ومن أكثرها شيوعًا وصف بعض الموظفين أو المسؤولين بأنهم “يمشون نيشان” أو “يمشون كود”، أو كما يقال بالفرنسية: عَنْدُو غيْر “Direct”..!
والمفارقة أن هذا الوصف لا يُستعمل دائمًا على سبيل الإشادة، بل يُراد به أحيانًا شهادة حق يراد بها باطلاً، والتنبيه إلى أن صاحبه لا يساير الأعراف غير المكتوبة، ولا يترك هامشًا للمحاباة أو المجاملة أو النفاق الإداري أو الالتفاف على القانون. وكأن احترام القانون أصبح عند البعض خروجًا عن المألوف، لا سلوكًا طبيعيًا يُفترض أن يميز كل من تقلد أمانة مسئوليّة عموميّة.
وهي مسئوليّة تستحضر معنى الأمانة كما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ. إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.” وما الإدارة العموميّة، في جوهرها، إلا أحد أبرز ميادين أداء هذه الأمانة.
إنها مفارقة تستحق التأمل؛ إذ كيف انقلبت الاستقامة، في لحظة اختلالٍ في سلّم القيم، إلى وصفٍ استثنائي؟ وكيف أصبح الالتزام بالقانون مدعاة للتندر، بدل أن يكون المعيار الطبيعي لممارسة المسئوليّة؟ وكيف انقلبت منظومة القيّم حتى صار المستقيم يُوصَف بأنه “نيشان”، وكأن الاستقامة حالة نادرة تستحق الإشارة؟
والحق أن المسؤول الذي “يمشي نيشان” يشبه القطار الذي يسير على سكته. فالقطار لا يملك رفاهية الانحراف، لأن ميلًا بسيطًا عن مساره قد يقود إلى كوارث بشريّة وماديّة جسيمة. وكذلك المسؤول العمومي؛ فكل انحراف عن القانون، مهما بدا يسيرًا، قد يفتح الباب أمام الفساد، أو الظلم، أو هدر المال العام، أو المساس بثقة المواطنات والمواطنين في مؤسساتهم.
ولعل اللافت أن الذاكرة الشعبيّة، وهي تصوغ عبارتي “نيشان” و”كود”؛ لم تكن بعيدة عن معاني الاستقامة والدقة.
* فـ”نِيشانْ” في التداول الشعبي المغربي يحيل إلى إصابة الهدف، وإلى التصويب الدقيق الذي لا يزيغ عن مقصده، وهو معنى يلتقي مع الاستقامة في السلوك كما يلتقي مع الدقة في الإنجاز.
* أمّا “كود”، فإنها في المخيال الشعبي تستدعي معاني السير المباشر دون التفاف، حتى وإن تعددت التأويلات حول لفظها. وليس المقصود البحث في أصلها اللغوي، وإنما الوقوف عند حمولتها الرمزيّة؛ فهي، في وجدان الناس، تقترن بالسير الواضح، والقرار الحاسم، والابتعاد عن المواربة والالتواء.
وهكذا، فإن حال اللسان الشعبي، من حيث لا يقصد، احتفظ بمعنى بالغ الدلالة؛ إذ جعل قيمة المسؤول تُقاس بمدى استقامته، لا بقدرته على الالتفاف.
ولعل أجمل ما في هذين التعبيرين الشعبيّين أنهما لم يكونا في أصلهما قدحًا، بل كانا وسامًا يُمنح لمن يُصيب الهدف ولا يحيد عن الطريق؛ غير أن اختلال بعض الموازين جعل الفضيلة تُقرأ أحيانًا بوصفها عيبًا، والاستقامة تُتداول وكأنها نقص في “الحنكة”.
ومن هنا، فإن المسؤول المستقيم لا يمارس التشدد، وإنما يمارس الأمانة، ولا يتعسف في استعمال السلطة، بل يحترم حدودها. وهو يدرك أن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار إداري أو سياسي، بل قاعدة دستورية وأخلاقية لا تستقيم الدولة إلا بها.
وليس من قبيل المصادفة أن تختزل الحكمة المغربية ذات الجذور الأمازيغية هذا المعنى في عبارة بليغة: “أغَرَاسْ… أغَرَاسْ…”؛ أي التزام الطريق المستقيم ولا تحِد عنه.
فهي ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل فلسفة في السلوك، تؤسس للاستقامة والانضباط والوفاء بالواجب، وتجسد وعيًا حضاريًا بأن الانحراف عن الطريق، مهما بدا يسيرًا، تكون عواقبه جسيمة.
فاستقامة الطريق في المخيال المغربي الأمازيغي ليست وصفًا للمسلك، وإنما وصفٌ لصاحبه؛ إذ لا قيمة لطريق مستقيم إذا لم يكن سالكه مستقيمًا، ولا معنى للمسؤولية إذا لم تسندها الأمانة.
وفي هذا السياق، يكتسب التكرار اللافت لمفهوم الجِدِّيَّة في الخطاب الملكي السامي دلالة خاصة.
فقد تكرر مفهوم الجِدِّيَّة في الخطاب الملكي السامي أربع عشرة مرة، وهو تكرار لا يمكن اعتباره مجرد أسلوب بلاغي، بل يعكس اختيارًا استراتيجيًا يروم ترسيخ ثقافة جديدة في التدبير العمومي، قوامها الصدق، والإتقان، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن خلال مفهوم المخالفة للنص، يمكن استنتاج أن الإلحاح على الجدية إنما جاء لمواجهة مظاهر مضادة لها؛ من قبيل التهاون، والعبث، والارتجال، والعشوائية، وضعف الإحساس بالمسؤولية.
فالخطاب الذي يكثر من الدعوة إلى قيمة معينة، إنما يستجيب، في الغالب، لحاجة المجتمع إلى استعادتها، وإلى إعادة بناء السلوك المؤسساتي على أسس أكثر صلابة.
ولعل أخطر ما يفرزه هذا الواقع هو انقلاب سلّم القيّم داخل بعض البيئات الإدارية؛ حيث يصبح الموظف الجاد محل استغراب، وربما هدفًا للتضييق أو التنمر، في حين يمتلك الانتهازي والوصولي قدرة أكبر على التكيف مع شبكات المصالح والعلاقات غير المشروعة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقيّة؛ فهي ليست أزمة أفراد، بل أزمة ثقافة إداريّة تشكلت بالتراكم، حتى أصبح الانحراف عند البعض مهارة، والاستقامة استثناءً يثير الريبة. إنها ثقافة تحتاج إلى مراجعة جذرية وعميقة تعيد الاعتبار لمنظومة القيّم التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
ولعل هذا المعنى هو ما تنبه إليه عبد الرحمن بن خلدون منذ قرون، حين جعل قوة العمران مرتبطة بقوة الوازع الخلقي، لأن القوانين، مهما بلغت دقتها، لا تؤتي أثرها إذا ضعف الوازع الأخلاقي الذي يحرسها. ففساد العمران لا يبدأ من النصوص، وإنما يبدأ حين تفقد القيم سلطانها على النفوس، فيغدو التحايل ثقافة، والاستقامة استثناء.
إن الموظف الجاد ليس ساذجًا، ولا يجهل مسالك الالتفاف أو خبايا اللف والدوران، بل قد يكون أعمق الناس إدراكًا لها، لأنه يلامسها في واقع الممارسة اليومية. غير أن الفرق بينه وبين غيره أن معرفته لا تتحول إلى وسيلة للاستفادة، وإنما إلى سبب للاجتناب.
فهو يعفّ عن الانحراف مع قدرته عليه، ويترفع عن استغلال الثغرات مع علمه بها، ويختار الانتصار لضميره حين ينهزم غيره أمام الإغراء.
وهنا تتجلى حقيقة النزاهة؛ فهي ليست عجزًا عن الفساد، ولا افتقارًا إلى الحيلة، وإنما قدرة على الفساد يقيدها وازع أخلاقي، وإمكان للانحراف يضبطه ضمير حي. فالنزاهة ليست غياب القدرة على الفساد، وإنما حضور الإرادة في مقاومته.
ولعل ما يزيد هذا المعنى وضوحًا ما جاء في الخطاب الملكي السامي على لسان صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله: «الجِدِّيَّة ليست عتابًا، وإنما هي تشجيع على مواصلة العمل لاستكمال المشاريع والإصلاحات، ورفع التحديات التي تواجه البلاد. وهو ما فهمه الجميع، ولقي تجاوبًا واسعًا، من مختلف الفعاليات الوطنية.»
إن الجدية، في الرؤية الملكية، ليست خطابًا للتأنيب، وإنما مشروع وطني لإعادة الاعتبار لقيمة العمل المنتج، وللمرفق العمومي، ولثقة المواطن في مؤسسات دولته. وهي ليست فضيلة فردية فحسب، بل شرط من شروط الدولة الحديثة، التي لا تُبنى بالمجاملات، وإنما بالكفاءة، والاستقامة، وسيادة القانون.
وهذا الفهم للجدية لا يختلف عما قرره ماكس فيبر حين جعل أخلاقيات المسئوليّة وأخلاقيات الوظيفة أساسًا للإدارة الحديثة؛ حيث لا تُقاس قيمة الموظف بما يملك من سلطة، بل بما يتحلى به من حياد ونزاهة واحترام للقانون. وهي القيم نفسها التي يقوم عليها مفهوم الجدية في المشروع الإصلاحي المغربي.
إن الدولة لا تُبنى بالاستثناءات، وإنما بالقواعد. وحين يصبح المسؤول الذي “يمشي نيشان” هو النموذج الطبيعي، لا الاستثناء الذي يُشار إليه، تكون الإدارة قد استعادت معناها الحقيقي، وتكون الجدية قد انتقلت من مجرد شعار إلى ثقافة مؤسسية راسخة.
وعندئذ فقط، يصبح احترام القانون سلوكًا تلقائيًا، وتغدو النزاهة قاعدة لا بطولة، والاستقامة منهجًا لا موقفًا عابرًا، ويخطو الوطن بثقة نحو تنمية قوامها الكفاءة، والعدل، وسيادة القانون.
فحين يصبح قول الناس عن المسؤول: «عندو غير نيشان» عبارةً تُقال على سبيل التقدير لا التهكم، سنكون قد استعدنا المعنى الحقيقي للجدية، وانتقلنا من إدارة وتدبير الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن ثقافة التحايل إلى ثقافة الاستحقاق.
فالدول لا تنهض بالأذكياء في الالتفاف على القانون، وإنما تنهض بالشجعان في الالتزام به.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





