بقلم.. الدكتور حسن مرهج*
“سندمر أي قِطع بَحرية تتحرش بسفننا”، هذا ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موجهاً كلامه ضد الحرس الثوري الايراني، لكن تفاصيل التهديد يبدو أنها مُفيدة للإيرانيين وكذا للجميع.
هذا التهديد ساهم إلى حد ما بارتفاع اسعار النفط، بعد سلسلة من تدني أسعاره قاربت سالب 37، ولا نُجافي الحقيقة إن قلنا بأن الأمريكيين والايرانيين كلاهما لا يُريد انهيار اسعار النفط، وفي جانب أخر فإن تهديد ترامب يُبعد شبح اخفاقات مواجهة فايروس كورونا لدى الجميع، ويضع العالم أجمع في صورة مشهد غاب جُزئياً عن جُلّ المشاهد الاقليمية والدولية، لجهة عودة التوتر إلى مياه الخليج، بعد أن حيّد فايروس كورونا كل الملفات السياسية والعسكرية.
بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف الزوارق الإيرانية حقق النفط مكاسب بنسبة 15%، وهي ليست فقط نسبة كبيرة، ولكنها تأتي في وقت شهد العالم أعجوبة من أعاجيب الاقتصاد، عندما تم بيع البرميل من خام غرب تكساس الأمريكي يوم الإثنين 20 أبريل/نيسان، بسالب 37 دولاراً.
إيران تعمدت التحرش بالسفن الحربية الأمريكية لإزعاج الامريكيين، وايصال رسالة لهم فحواها أننا هنا، وكل الممارسات الامريكية ضدنا هي مضيعة للوقت، يأتي ذلك بالتزامن مع الخطوة التي برهنت من خلالها ايران أن سلاح العقوبات لم ولن يُثنيها عن استمرار التقدم العلمي والتكنولوجي، فإطلاق القمر الصناعي العسكري ووضعه في مداره، يؤكد قدرة ايران على تحويل سلاح العقوبات، إلى مكاسب. وهذا يحتاج إلى تعمق كبير.
تهديد ترامب لا يُمكن إطلاقاً وضعه في إطار تحديد قواعد اشتباك جديدة، إذ لا تزال أدمغة الامريكيين الذين كانوا في قاعدة عين الاسد، تُ‘اني من ارتجاج سيدوم طويلاً، وكذا الادارة الامريكية لا زالت تحاول ترميم صورتها هناك، في هذا الاطار ولنكون موضوعيين، لا يُمكننا مقارنة لقوة العسكرية الامريكية بالقوة الايرانية، فالمؤكد بأن واشنطن وترسانتها العسكرية اقوى بكثير من الترسانة الايرانية، لكن الازعاج الايراني لا يُمكن تحمله امريكياً، وبالتالي كانت ايران سباقة إلى وضع خطوط حمراء إن تجاوزتها واشنطن، سيأتي الرد وسيكون مؤلماً وليس مُدمراً.
ترامب وتهديداته الجديدة ضد ايران، يحاول إظهار نفسه كـ قائد قوي، ويحاول أيضاً ترميم صورته في لدى ناخبيه بعد أن تمكن فايروس كورونا من إظهار قباحة سياساته داخلياً، وهو بذلك يحاول توحيد الأمة الأمريكية في مواجهة عدو خارجي، لكن نسي ترامب أن الايرانيين يُجيدون هذا النوع من الألعاب، وقادرين على الاستمرار بكشف ترامب وتعرية سياساته، بل وإحراجه في الداخل الأمريكي.
إيران وضمن محدودية خيارتها في التعامل مع الولايات المتحدة، تضع في قائمة استراتيجياتها، أنها لا تستطيع الفوز في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، لذا، تسعى ايران بدلاً من ذلك إلى استفزازات تستحوذ على عناوين الصحف؛ لإثارة الجدل السياسي في الديمقراطيات المفتوحة -في أوروبا والولايات المتحدة- مع تجنب الانتقام العسكري المباشر.
في مقابل ذلك، فإن استراتيجية ترامب لمواجهة إيران هي فرض أقصى ضغط لكسب أقصى قدر من النفوذ قبل المفاوضات لتفكيك برنامجها النووي، ومعالجة أنشطتها الأخرى مثل البرامج الصاروخية، وممارسة أقصى أنواع الضغوط السياسية والاقتصادية، مع تهديدات تتُرجمها ايران مكاسب ومنافع، فعقلية التاجر لا يمكن مقارنتها بالعقلية الاستراتيجية بعيدة المدى.
إعلامي كاتب صحفي خبير في شؤون الشرق الوسط*





