تركيا وغياب الأهداف الاستراتيجية.. من سوريا إلى ليبيا ومآزق الموت.

إيطاليا تلغراف

 

بقلم.. الدكتور حسن مرهج

للوهلة الأولى يُهيئ للمتابع للتطورات في شمال شرق سوريا، لجهة الانتشار الواسع والمكثف للقوات التركية، أن الدولة السورية قد سلّمت بالأمر الواقع، واكتفت بما انجزته في شرق سوريا، خاصة بعد العمليات العسكرية التي شنها الجيش السوري في إدلب وريفها، وتمكن من السيطرة على الطريق الدولي M-5، فضلاً عن الانتشار في الجزيرة السورية، وفق الاتفاقيات الروسية التركية والسورية الكردية. لكن في مقابل هذا المشهد، هناك حقائق فرضتها الدولة السورية وحلفاؤها، حيال هندسة التطورات في شمال شرق سوريا، فضلاً عن أن جُزئية الانتشار التركي وتحت اي مُسمى لن تكون إلا في إطار التفاهمات مع روسيا الشريك الاستراتيجي للدولة السورية، ولكن وبصرف النظر عن ذلك، قد تكون هناك أسباب تركية وراء هذا الانتشار، يُراد منه في مرحلة لاحقة، فرض ورقة سياسية تُصرف في مستقبل سوريا. لكن هذا لن يُحقق لـ تركيا.

تركيا التي دعمت المجموعات الارهابية في سوريا، طيلة سنوات الأزمة السورية، إذ كانت تبحث أنقرة عن مسوغات تتمكن بموجبها من البقاء في الجغرافية السورية، وذلك تحت ذرائع تتعلق بالوجود الكردي في تلك المنطقة، وضرورات الأمن القومي لـ تركيا، ولكن مع مرور سنوات الأزمة بدأت الاحلام الأردوغانية تتضاءل مع كل قطعة أرض جديدة كان يحررها الجيش السوري، ووصل الأخير المناطق التي كانت تركيا تضع يديها عليها، وتحلم بان تصبح جزء من الاراضي التركية، في هذا الإطار خرج أردوغان عن طوره، لتبدأ سلسلة من الزيارات لروسيا ومختلف القوى الفاعلة والمؤثرة في الشأن السوري، بُغية إيقاف تقدم الجيش السوري نحو إدلب؛ صحيح أن روسيا قامت بتلبية رغبات أردوغان، لكن الصحيح أيضاً ا، الجيش السوري هو صاحب اليد الطولى في الجغرافية السورية، مدعوماً بحلفاء أقوياء لا يساومون أحد على سيادة سوريا.

نتيجة لذلك، أدرك أردوغان أن المعادلة السورية الروسية الإيرانية، لا يُمكن إختراقها او حلحلة مفرداتها، ولذلك لا سبيل لتحقيق أطماعه في سوريا، حتى وإن سُمح له لاعتبارات كثيرة الانتشار في شمال شرق سوريا، لكن يبقى هذا الانتشار مؤطراً بجملة عسكرية قوامها الجيش السوري وحلفاؤه، الحاضرين في الميدان العسكري.

وعليه، كانت وجهة أردوغان ليبيا، الدولة التي تعاني من أزمات وانقسامات، ليقدم أردوغان دعمه لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج عبر ارسال آلاف المرتزقة الى هناك، للوقوف في وجه قوات اللواء حفتر المدعوم من روسيا والامارات ومصر، ولكن من هذه القوات التي ارسلها أردوغان هل هي تركية أم من جنسيات أخرى؟.

أردوغان يُدرك أن أرسال الجنود الأتراك سيُضيق عليه لخناق كثر في الداخل التركي، الأمر الذي سيجعله يفقد الكثير من شعبيته المنهارة أصلاً، ومع ذلك اصر أردوغان على ارسال مسلحين من سوريا كانت قد دربتهم تركيا على اراضيها، وينتمون في غالبيتهم لجماعات ارهابية، مثل “داعش” و”النصرة” وغيرها، هذا الاصرار جاء من معرفة أردوغان المسبقة بأن الوجود في ليبيا مغامرة محفوفة بالمخاطر في كافة الأحوال. وقد أكدت مصادر موثوقة أنه في مارس/آذار الماضي حدث استياءً كبيراً في صفوف المرتزقة السوريين الذين أرسلهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ليبيا، بسبب تخلف تركيا عن الوفاء بوعودها، فيما يعيش المرتزقة حالة مزرية في معسكرات العاصمة الليبية طرابلس.

معلومات مؤكدة من مصادر في مدينة الحسكة السورية، أكدت أن هناك تحضيرات عسكرية من قبل الجيش السوري وحلفاؤه، لاستكمال المسار العسكري، وستكون هذه المرة العمليات العسكرية مدعومة بقوات نخوبية سورية، كما أكد المصدر أن القوات التركية ونقاط مراقبتها في إدلب شهدت عمليات نوعية سورية في الآونة الأخيرة، وتركزت هذه العمليات عبر قنص جنود أتراك وأسر بعضهم والاسماء متواجدة لدينا، وبينهم ضباط أتراك وقيادين في المخابرات التركية، والمصدر ذاته أكد أن رسالة وصلت إلى مكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حملت تواقيع المقاومة السورية، وتمحور مضمون الرسالة أن كل الاتفاقيات مع روسيا لن تحمي جنودكم من بنادقنا، وعليكم بالرحيل.

في هذا الإطار، بات واضحاً أن تركيا تتخبط في سوريا وكذا في ليبيا، ولن يطول الأمر حتى يفقد أردوغان كل خياراته وأوراقه الاستراتيجية، إذ يحاول الرئيس التركي استغلال انشغال أغلب دول العالم بانتشار الوباء القاتل، لتدارك خسائره العسكرية والمادية في سوريا وليبيا.

إعلامي كاتب صحفي خبير في شؤون الشرق الأوسط*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...