درعا السورية في عين المشهد.. حوادث أمنية وضرورات المعالجة.

إيطاليا تلغراف

 

بقلم.. الدكتور حسن مرهج*

كثيرة هي التطورات التي شهدها الجنوب السوري عموماً في الآونة الأخيرة؛ هي تطورات تراوحت ما بين الحوادث الأمنية من جهة، وبين البحث عن مخرج تصالحي يُجنب محافظتي درعا والسويداء، الدخول في متاهات المربع الاول الفوضوي، والذي نشأ مع بداية الحرب على سوريا، بين هذا وذاك، باتت درعا السورية في عمق مشهد التطورات، والذي يُراد له بطريقة أو بأخرى، أن يُعمم في كافة المناطق التي شهدت حالة من المصالحة السياسة، لكن تفجير الوضع الرهن والذي شهد استقراراً نسبياً، لن يكون بمصلحة أحد، فالدولة السورية سلكت طريق المصالحات لحقن الدماء، لكن هذا الأمر لا يعني عدم قدرتها على الحسم العسكري، كما أن العناصر الارهابية لن تتمكن من تغيير الوقائع التي فُرضت سورياً، وإنما تحاول هذه العناصر استغلال حالة التهدئة العامة في الجنوب السوري، في محاولة منها لاستجداء المواقف السياسية التي كانت داعمة لها في بدايات الحرب على سوريا، لكن الحقيقة الواضحة للجميع، أن الدولة السورية لم ولن تسمح لتلك العناصر الارهابية بخرق حالة الهدوء، بُغية تشكيل جبهة عسكرية هدفها الأول والأخير اشغال الجيش السوري عن محاربة الارهاب، وتحديداً في شمال شرق سوريا.

في عمق مشهد درعا السورية، لا يُمكننا إنكار ان هناك تفاصيل معقدة تؤطر الحالة السياسة العامة وكذا العسكرية، فأن تعود بعض الحوادث الامنية إلى الواجهة، فهذا يعني أن هناك بعض المفاصل في سياق المصالحات العامة، لا زالت دون حل، فأن تحدث تسويات لا يعني إطلاقاً غياب سلطة الدولة السورية بمؤسساتها عن درعا، كما أن نموذج المصالحات في سوريا، قد أثبت قدرة الدولة السورية، على متابعة تفاصيل التسويات بجزئياتها، والاستمرار بهذا النهج للخروج من مشهد العمليات العسكرية.

لا شيء يحدث صدفة، ففي وقت سابق حدثان أعادا الجنوب السوري إلى المشهد من جديد، الأول كان في مدينة السويداء، حيث شهدت المدينة احتجاجات محدودة، طالبت بالتدخل الحكومي للسيطرة على ارتفاع الاسعار وتحسين الظروف المعيشية، والثاني تمثل في تدخل الجيش السوري لمعالجة بعض الظواهر الأمنية في ريف مدينة درعا، وتحديداً في مدينة الصنمين. في المقابل قد يكون هذان الحدثان عابران دون أي تخطيط، لكن لاشك بأن عودة الحوادث الأمنية له ما له من رسائل داخلية وخارجية، خاصة في ظل تزايد الضغوط المعيشية في سوريا، وعطفاً على حالة الاحتجاجات المتصاعدة في الاقليم.

خصوصية الجنوب السوري تكمن في قربه الجغرافي من الحدود مع عدة دول، وفي جانب أخر وليس ببعيد عن هذه الجغرافية، تقع قاعدة التنف الأمريكية، هذا العامل حقيقة يُفاقم المخاوف على مستقبل الجنوب السوري، وما يؤطر المشهد ويزيد من تعقيده، أن هناك محاولات أمريكية واسرائيلية للمحافظة على الخلايا النائمة في درعا تحديداً، من هنا يبقى الجنوب السوري عموماً، منطقة خطرةً نظراً إلى تداخله الجغرافي مع الأردن ومع جبل العرب، لكنه مثل باقي الحدود السورية يشكّل نقاط تماس في حال عدم الاستقرار، فالأزمة الأخيرة ربما أعادت إلى الأذهان إمكانية تصاعد التوتر ابتداءً من أي نقطة حدودية سورية، نتيجة الخارطة السياسية المتشابكة مع الجوار السوري، وهذه المناطق هي أيضاً نقاط توتّر اقتصادي نتيجة التهريب أحياناً أو حتى تجارة الترانزيت، ومن هذه الزاوية، فإن منطقة درعا تبدو أهم، كونها المعبر السوري الأساسي نحو الجنوب.

بالمجمل، في درعا بعض العناصر الارهابية الذين استفادوا من فرصة التسويات، يحاولون استغلال هذا الامر للعودة إلى نظام الفوضى برعاية أمريكية، إذ من المفيد لـ واشنطن أن تعود محافظة درعا السورية الواقعة جنوب البلاد مع بلداتها إلى الواجهة من جديد، مع تردي الأوضاع الأمنية فيها، حيث تتكرر حالات الاغتيال والاختطاف في أرجاء المحافظة التي تمكنت الدولة السورية من فرض سيطرتها عليها، إثر تسوية تمت مع فصائل ما يُسمى المعارضة السورية في تلك المناطق، وذلك برعاية روسية منتصف عام 2018.

ضمن ذلك، بات من الضروري أن تحدث عمليات جراحية سريعة، تستأصل مكامن وبؤر الارهاب في درعا وعموم الجنوب السوري، وبهذا يتم التأسيس لرافعة سياسية واضحة تُجنب المدنيين في درعا وريفها، العودة مجدداً إلى مشاهد العمليات العسكرية، كما بات من الضروري قطع الطريق على المحاولات الأمريكية والاسرائيلية، للعبث بالجنوب السوري، ووضع اسس ناظمة من قبل الدولة السورية للأوضاع الامنية والاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على تحسين الواقع المعيشي الذي أرهق غالبية السوريين، وبذلك فقط يتم سحب فتيل الأزمة التي تحاول واشنطن وعبر أدواتها، من إشعاله مُجدداً، للوصول إلى الانفجار الكبير في عموم الجنوب السوري.

إعلامي كاتب صحفي خبير في شؤون الشرق الأوسط*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...