*لخضر لكراد
أصبح الغرب بشكل متزايد مجتمعًا متعدد الأعراق. هذا ينطبق بشكل خاص على المدن الكبرى. لنعلم انه في غضون بضعة عقود سيكون أكثر من 50 ٪ من سكان المدن الرئيسية في الغرب من أصل أجنبي. لنعلم أن السياسيين الغربيين يعلمون ان حرمان الاجانب ونحن منهم كمغاربة اجتماعيًا واقتصاديًا، قد يؤدي إلى “دراما متعددة الثقافات”.
فبادئ ذي بدء، هناك اختلافات في القيم والثقافة بيننا وبينهم في الخارج، والحرية الفردية مهمة للغاية. اننا نعيش في مجتمعات فيها التسامح (المخدرات، التوجه الجنسي ، إلخ.) من القيم المختلفة. في الإسلام الخضوع لله (الله) أمر مركزي وتسود بيننا ثقافة الأسرة وهي مركزية وبالتالي فإن الفرد أقل أهمية في ثقافتنا. ونتيجة لذلك، قد يبدو لنا الغربي أحيانًا باردًا وبعيدًا جدًا عن التواصل الجماعي. انه من الصعب أيضًا على البعض منا التعود على الحرية الكبيرة في الثقافة الغربية: فيبدو أحيانًا كما لو أن كل شيء مسموح به.
علاوة على ذلك، هناك اختلافات في المعايير (التي تنشأ عن القيم) التي يمكن أن تسبب احتكاكًا بين السكان الأصليين والمغاربة. فارتداء الحجاب مثلا أمر طبيعي بالنسبة للمرأة المسلمة، ولكن لا يقبله بعض الغربيين. على سبيل المثال، في المحاكم لايسمح للعاملات بها ممارسة هذا النوع من الشعائر الدينية.
يمكن أن تؤدي الاختلافات في المعايير والقيم أيضًا إلى صراعات “سياسية” بيننا كمغاربة مسلمين وبين الغربيين. كما يبدو أن الفجوة بيننا وبينهم كبيرة حول القضية الوطنية وقضية فلسطين.. توجد كذلك اختلافات في وجهات النظر حول المثلية الجنسية. لنأخذ هولندا نموذجا: على الرغم من أن الهولنديين كثيرا ما متسامحون، فإن هولندا هي الدولة الأولى التي سمحت بالتزوج من نفس الجنس، لكن ثقافتنا غالبًا ما تواجه صعوبة أكبر في قبول ذلك. لنضرب مثلا بالإمام المغربي في التسعينات “الشيخ خليل” إمام مسجد النصر بروطردام، لقي هجوما عنيفا من الوسط الهولندي الإعلامي والسياسي والشعبي بعد أن أدلى بتصريحات حول المثلية الجنسية وصفها بأنها “مرض معد” و “تهديد للمجتمع”.. في حين ان آراء الشباب حول المثلية الجنسية بين المهاجرين الشباب ليست مشكلة على الإطلاق. وقد برز هذا من نقاشات متعددة في هولندا فاتضح أن الآباء المغاربة غالبًا ما زالوا يعتبرون الشذوذ الجنسي من “الطابوهات” ولا يتم الحديث عنه في المنزل لكن الشباب المغربي نفسه متسامح تمامًا. فنستنتج أن الاندماج يسير ببطء ولكن بثبات على الرغم من أن وسائل الإعلام تقدم أحيانًا برامجها عن المغاربة “باللونين الأبيض والأسود” فإن غالبية شبابنا بالتأكيد ليسوا أصوليين.
ان التطورات السياسية الحالية (“التوجه نحو اليمين”)، من المرجح أن تدفع الحكومات القادمة بالغرب نحو اندماج أكثر صرامة اي الانصهار.
لا يمكن أن يكون التكامل كاملا وإيجابيا إلا إذا آمنا كمغاربة الخارج بأن الإندماج لا يكون أحادي الجانب، بل يجب أن يأتي من كلا الجانبين، كلا الثقافتين، لنتجنب “بوتقة الانصهار”. لذا بالأساس هو تعلم اللغة باحترام ثقافة بعضنا البعض ولا ينبغي أن تكون ثقافتنا سببا للعزلة والإنطواء. نعتقد أيضًا أنه من غير الطبيعي أن نقبل بالمدارس السوداء والغير متوازية. على أي حال يبدو ان هذا الخيار أفضل بكثير من الصراخ و”فضفاضة” لعب دور الضحية. يجب ألا نلوم الآخرين وننظر إلى مصلحتنا ومصلحة أبنائنا. معا ويد في يد يمكننا التغلب على التمييز وتعزيز التكامل والتكيف.
لنعلم أن الاندماج والتكيف يبدأ بنجاح علاقة عاطفية حقيقية مع بلد الإستقبال. لنستثمر كوافدين جدد وأطفالنا وشبابنا بالعمل والمساهمة السياسية والحوار والمشاركة في المجتمع المدني. لنعش ونحيا كمهاجرين، ليس فقط جسديًا ولكن أيضًا عقليًا. لا أحد يحرمنا في الغرب من ممارسة شعائرنا الإسلامية لأن دساتير الغرب تحمي الديمقراطية الإجتماعية والحرية الفردية. لن نعزل أنفسنا في المجتمع ولاننضم إلى مجموعات حزبية صغيرة إسلامية بل علينا الإنخراط في أحزاب كبيرة ديموقراطية ويسارية وحتى مسيحية تخدم مصالحنا ومصالح أبنائنا. علينا أن نشارك في الترشح والتصويت الإستراتيجي. علينا أن نتجرأ على التفكير في أنفسنا والانخراط في المجتمع الغربي بإيجابية.
بعض المغاربة يشتكون من التمييز والتحيز اللذان يقفان في طريق المشاركة الكاملة بالمجتمع الغربي. فعلا؛ ليس بالسهل؛ وعلى المغربي احيانا إعمال الجهد ثلاث مرات من نظيره الغربي لإثبات الذات. وفي نفس الوقت، لعب دور الضحية والانتظار والانطواء كذلك ليس حلا. فالاندماج معناه المشاركة اقتصاديًا وإتقان اللغة والالتزام بالقانون. ويجب أن ندافع عن خصوصياتنا وأن نعي باننا نشترك كإنسانية في الأخلاق الاجتماعية. لكن التكيف الثقافي مع المعايير والقيم الغربية ليست مفروضة ومتروكة للحرية الفردية.
لا نستثني أنفسنا من المشاركة في جدل التكامل والاندماج والجدل السياسي ولا يجب أن نعتبره استقطابا وظلما بل نواجهه بالفصول الدستورية التي تضمن الحرية الفردية في العقيدة والفكر والتعبير.
على إخواننا المغاربة في جنوب اوروبا (اسبانيا وايطاليا) النظر الى تاريخ اخوانهم المغاربة في أوروبا الشمالية والدول الاسكندنافية، اخوان لهم سياسيون وحقوقيون وجمعويون فليتواصلوا معهم لأنهم مروا بسياسات هاته الدول في الاندماج. فوصلوا بحكم التاريخ والنضال داخل الأحزاب والمجتمع المدني الى فتح نقاشات اعلامية ولقاءات شهدت المد والجزر في هكذا مواضيع: الاندماج أم الانصهار، التعايش أم العزلة… دخلوا سباق السياسة فحصلوا بفرض انفسهم على مناصب تمثيلية في البلديات والبرلمان وكعمداء ومحافظون قانونيون ذكورا واناثا. فأصبح كذلك بشهادة مكاتب للإحصاء عدد الفتيات المغربيات اللواتي يلجن الجامعات والمدارس العليا يفوق نظرائهن الفتيان المغاربة. من الملاحظ تعاطف المغاربة مع أحزاب اليسار والديموقراطيين والمسيحيين الذين تتجلى مبادئهم في الدفاع عن الأقليات ويطالبون بالاندماج الإيجابي عوض الانصهار.
لنعلم ان العلاقات الوثيقة والتواصل مع المواطنين الغربيين والنجاح في التعليم وفي سوق العمل تجعلنا لا نلعب دور الضحية أو نعاني من الإحساس بالاقصاء والاستبعاد. علينا إقناع السياسيين بأن لنا ولاطفالنا جنسيات بلد الإستقبال وأن الدولة اصبحت متعددة الثقافات: لنتعايش جميعا. لنعلم ان الهجرة ازلية، فما وقع لنا من هجرة الى هاته البلدان هو ما وقع لأجداد الغربيين ابان الحرب العالمية II عندما غادروا إلى كندا وأمريكا واستراليا ونيوزيلاندا فاستوطنوا واندمجوا ولم يعودوا.
على أجيالنا المغربية الصاعدة أن تفرض نفسها كمواطنين كاملي المواطنة في المجتمعات الغربية. لايتأتى ذلك إلا بوعي وتشجيع من الآباء بالدراسة؛ بالمشاركة في سوق العمل والاحتكاك في مجتمع متعدد الثقافات. ولنا في الجاليات الإيطالية مثالا عندما أصبح رئيس الوزراء في بلجيكا من أصل إيطالي هاجر والديه واشتغل في المعادن. لي أمل كبير وتوقعات إيجابية ليست ببعيدة أن يصبح ذات يوم رئيس إحدى الدول الغربية أو رئيس وزرائها من أصل مغربي.
فاعل جمعوي مقيم روطردام- هولندا (مؤسسة B4PEACE)*





