د محمد إلياس المراكشي*
مشاغل وأعمال، وارتباطات والتزامات، ومشاريع ومخططات تسابق الزمن، وضغوط اجتماعية وتوتر نفسي…هكذا كانت حياة كثير منا قبل الحجر الصحي متأثرة بــ “فكر الحركة”، فكانت اللحظات والساعات والأيام تمر بشكل متسارع جدا، ونظرا لتأقلمنا مع الوضع كنا نحسبها حياة مثالية أو على الأقل طبيعية، بل كان بعضنا يتهم ساعات اليوم أنها ما عادت تكفي للوفاء بكل الالتزامات والقيام بكل الأعمال التي تلبي الضرورات والحاجات، وبالأحرى التحسينات.
إلى أن ظهر الوباء الذي فرض على كثير منا نمطا من الحياة مغاير تماما لما اعتدناه وألفناه، بما صاحبه من إجراءات تحاول إعادة الهدوء والسكينة إلى الحياة ولو بشكل نسبي، وتنبه إلى أهمية “حركة الفكر”، وضرورة إعادة النظر في ترتيب الأولويات.
وفسح المجال أمام الجانب الفكري في الإنسان، ليقوم بما كان غافلا عنه في السابق من التأمل والتفكير في مدى الترابط والتلازم بين الحياة الشخصية والحياة الاجتماعية، وبين قضايا الأفراد والمجتمعات والأمم، وليتحرى القيام بما يلزم من ربط الجزئيات بالكليات، من أجل حسن إدراك الواقع، والتهيئة والاستعداد للمتوقع.
ولما كان الفكر سمة ملازمة للكائن البشري، فلا شك أن كل الناس يمارسون عملية التفكير، وقد يقومون بها بوعي أو دون وعي، لكن نمط الحياة الجديد وما رافقه من انشغال وتقدير لقيمة المعلومة، يفرض على الإنسان الانتقال من التكديس إلى البناء، ومن الانشغال بالظواهر إلى التركيز على الأسباب والنتائج والمآلات، ومن الاكتفاء بجمع المعلومات، إلى محاولة تنظيمها وترتيبها، ووضعها ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي، لبناء تصور أفضل لواقع الحياة، استشرافا للقيام بما يلزم من الإصلاح والتغير في المستقبل.
إن البناء الفكري للإنسان لا يحدث فجأة، لأنه مثل كل بناء بحاجة إلى تخطيط وتصميم وجمع للموارد وشحذ للهمم والقدرات، وثمة عوامل عديدة تسهم فيه إيجابا أو سلبا، كما أنه لا يحدث بمعزل عن الظروف التي تتشكل فيها نفسية الفرد وعقليته وتتراكم من خلالها خبرات الحياة، ولذلك فإن تجربة الحجر الصحي ستترك لا محالة أثرا عميقا في نفسية هذا الجيل بأكمله، ويكفي أنها أعادت إلى الأذهان قيمة الأسرة والعائلة ومكانتهما في التنشئة الأسرية، كما أثارت في النفوس الحاجة إلى التعليم وأبانت عن مكانة المدرسة، كما حفزت لدى كثيرين قيم التآلف والتراحم والتعاون والإيثار…وأحيت كل ما من شأنه أن يؤدي إلى إقناع العقل بالحق وإمتاع الوجدان بالخير.
وحين كانت الحركة سابقة للفكر، كان الإنسان يكتفي بالبحث عن المسوغات والحجج لتبرير وتفسير قراراته وسلوكاته، لكن عندما يسبق الفكر الحركة، تنضبط تصورات الإنسان لنفسه وللمجتمع من حوله، وتتضح رؤيته للعالم، فيزداد الأمل بانفتاح بصيرته وسعيه إلى الرشد، وحينها تصبح لديه القدرة على تقديم المبادرات واقتراح البدائل لحل المشكلات أو تفاديها، إلى أن يكتمل بناء منهج التغيير المنشود.
أستاذ بجامعة عبد المالك السعدي تطوان المغرب*





