علي أنوزلا
في زمنٍ تتزاحم الأزمات الكبرى على شاشات العالم، من مضيق هرمز إلى صخب الانتخابات الأميركية وتقلبات دونالد ترامب، تبدو المأساة الفلسطينية كأنها تُدفع عمداً إلى الهامش. لكن إسرائيل، المنشغلة بتوسيع حربها الجغرافية والسياسية والدينية، لا تحتاج إلى الضجيج كي تواصل مشروعها التوسعي الاحتلالي، فهي تهدم بصمت، وتقصف بصمت، وتقتلع الناس من أرضهم بصمت. وحده إيتمار بن غفير، وزير أمنها، اليميني المتطرف، يرفض هذا الصمت، لا بدافع إنساني طبعاً، بل لأنه يجسّد الوجه الأكثر بشاعة ووقاحة وعنصرية للمشروع الذي تحاول تل أبيب تسويقه للعالم تحت شعار “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
بن غفير، أو “بن حقير”، ليس استثناءً داخل الحكومة الإسرائيلية، فهو لا يرقى في تطرّفه مهما فعل إلى مستوى جرائم نتنياهو وجنرالاته القتلة، ولا إلى زميله في التطرّف بتسلئيل سموتريتش، أو إلى وزراء حرب مهووسين بالقتل والدمار، مثل إسرائيل كاتس وسلفه المجرم المطلوب للعدالة الدولية يؤاف غالانت. بن غفير يتفوّق عليهم، فقط، في طريقة تسويق صورة المتطرّف، فهو التعبير الأكثر فجاجة ووقاحة عن كل هؤلاء المجرمين القتلة. الرجل الذي يعيش في مستوطنة، ويدعو علناً إلى طرد الفلسطينيين والاستيلاء الكامل على الضفة الغربية وغزّة واحتلال لبنان، لا يخفي شيئاً. حين يستعرض حقده ونذالته أمام نشطاء “أسطول غزّة” المقيّدين والمعنّفين، أو يحتفل بشرب الشامبانيا لإصدار قانون يُعدم الأسرى الفلسطينيين، فإنه لا يخرج عن قاعدة التطرف الصهيوني، بل يكشفها عارية أمام العالم، فهو يعبّر صراحة عن فكر العقل الباطني الصهيوني الذي يسعى منذ الاحتلال إلى فرض واقع استيطاني بالقوة، وإعادة رسم الخريطة الديموغرافية للمنطقة بالنار والتهجير.

وما كشفته واقعة أسطول الصمود العالمي أخيراً لم يكن مجرّد واحدٍ من مشاهد العنف الإسرائيلي اليومية المعتادة، بل لحظة تعرية كاملة لوحشية السلطة الإسرائيلية وللنفاق الغربي في آن. فالنشطاء الذين تعرّضوا للضرب والإذلال والتنكيل، بينهم نساء ورجال جرى تعنيفهم وهم مكبّلون، وتحدث كثيرون منهم لاحقاً عن انتهاكات مهينة وصلت، بحسب شهاداتهم، إلى حد الاعتداءات الجنسية والتعذيب النفسي والجسدي. والأخطر أن بعض هذه الأفعال لم تُرتكب في الخفاء، بل جرى تصويرها ونشرها بتباهٍ على حساب بن غفير الرسمي على منصة “إكس”، في استعراض فج ووقح للقوة والإذلال، وكأن إذلال الضحايا تحوّل إلى مادة دعائية سياسية.
يبدو العالم العربي، أنظمة وشعوباً، كأنه استسلم للهزيمة والإذلال
الخطير في الأمر أن بن غفير لا يتحرّك في هامش السياسة الإسرائيلية، بل في قلب السلطة. فمنذ سنوات، أصبحت أحزاب اليمين الديني والقومي المتطرّف الضامن الأساسي لبقاء نتنياهو في الحكم، ما يعني أن خطاب الكراهية والعنف لم يعد مجرّد تطرّف معزول، بل تحول إلى سياسة دولة. وهنا تكمن المفارقة الصادمة لهذا الصمت الغربي الذي يفضح ازدواجية أصحابه ونفاقهم عندما يحتجون ويندّدون بقوة، ويسارعون إلى اتخاد القرارات القاسية ضد أي فعل، ولو كان مشروعاً، يصدر عن فلسطيني أو لبناني يدافع عن أرضه وعرضه، ويلوذون بالصمت أو يبحثون عن عبارات التبرير وظروف التخفيف، حين يتحول القتل الجماعي، وحرق الناس أحياء، وقصف المدارس والمستشفيات والملاجئ، وتدمير المدن وتجريف القرى، والدعوة إلى التهجير الجماعي، وحرمان شعبٍ كاملٍ من حقوقه وحصاره بين الأنقاض والخراب، وتجويعه ومنع الدواء عنه، ووصف الناس بالحيوانات، وتعذيب الأسرى واغتصابهم، وسنّ قوانين تتيح إعدامهم، إلى جزء من النقاش السياسي “الطبيعي” داخل كيان ما زال الغرب يصفه جنة الديمقراطية في الشرق الأوسط!
أمام كل هذه الأفعال، ما زال العالم يقف متفرّجاً، ولم تتحرّك أوروبا التي ترفع راية حقوق الإنسان، حتى وجدت نفسها في موقف حرج أمام انكشاف ما تعرّض له نشطاء “أسطول الصمود”، لا لأنه أبشع مما يتعرّض له أهل غزّة منذ ثلاث سنوات، ولا لأن الانتهاكات هذه المرّة بلغت حدّاً غير مسبوق، بل لأن بين المعنفين مواطنين ومواطنات يحملون جنسيات أوروبية. عندها فقط صدرت الإدانات الخجولة، وأعطيت بعض الإشارات الساعية لرفع العتب، فقط لا غير، كاستدعاء سفراء إسرائيل في بعض العواصم الأوروبية، أو إعلان دول أوروبية منع بن غفير من دخول أراضيها.
ومع هذا، ظل سقف الرد الغربي خجولاً ومحدوداً بشكل يفضح حجم ازدواجية المعايير، فلم نسمع عن ملاحقات قضائية حقيقية، ولا عن تجميد أصول أو فرض عقوبات صارمة على المسؤولين الإسرائيليين الذين ظهرت وجوه كثيرين منهم مكشوفة وهم يمارسون التعنيف والإهانة في مواقف ومواقع مختلفة، أو يُصدرون التصريحات العنصرية، أو يشيدون بأفعال إجرامية ترتكبها قواتهم، لم يوضع أحد على قوائم المطلوبين للعدالة، أو المنع من السفر، أو تجميد الحسابات، كما يحدث بسرعة قياسية مع فلسطينيين أو لبنانيين أو إيرانيين، رغم أن هؤلاء، وفق القانون الدولي نفسه، يخوضون مقاومة يعتبرها كثيرون من خبراء القانون حقاً مشروعاً ضد الاحتلال أو دفاعاً عن حق تقرير مصيرهم ومصير بلدانهم.
لا يمثل ما تعرّض له نشطاء “أسطول الصمود” سوى صورة مصغّرة، أو نسخة مخفّفة، مما يعيشه الفلسطينيون منذ عقود في غزّة والضفة الغربية والقدس المحتلة، وما يتعرّض له الأسرى داخل السجون الإسرائيلية من تعذيب وإهانة وتجويع وانتهاكات موثقة. الفرق الوحيد أن كاميرات العالم التفتت هذه المرّة لأن الضحايا لم يكونوا فلسطينيين فقط. أما الفلسطيني، حين يُعذّب أو يُقتل أو يُهان، فقد تحوّل في الوعي الدولي إلى خبر اعتيادي يمر بلا صدمة ولا غضب.
لا يخرج بن غفير عن قاعدة التطرف الصهيوني، بل يكشفها عارية أمام العالم، فهو يعبّر صراحة عن فكر العقل الباطني الصهيوني
الحقيقة التي يفضحها بن غفير، من حيث لا يقصد ربما، أن المشكلة لم تعد في غياب الأدلة أو نقص المعلومات؛ فالعالم يشاهد ويتابع على الهواء مباشرة ما يجري، وخبراء القانون الدولي يصنفون كثيراً من هذه الممارسات جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهيرا عرقيا. لكن المأساة تكمن في عجز المجتمع الدولي أو ربما تواطئه، بكل هيئاته ومؤسساته الحقوقية والقضائية والقانونية والسياسية، أمام سياسة الأمر الواقع التي تفرضها إسرائيل بقوة السلاح والدعم الغربي.
هكذا، بينما ينشغل العالم بأزماته المتلاحقة، يستمر اقتلاع الفلسطينيين واللبنانيين من أراضيهم. قرية بعد قرية تُمحى، وبيتٌ بعد بيت يُسوّى بالأرض، تحت الغطاء نفسه، “الدفاع عن النفس”، و”الحرب على الإرهاب”، ويعامَل الفلسطينيون واللبنانيون لا باعتبارهم بشراً لهم الحق في الحياة والكرامة، بل باعتبارهم مجرّد “تفاصيل جانبية” في معادلة القوة. أما بن غفير، فلا يفعل سوى قول الحقيقة الإسرائيلية بصوت مرتفع، لأنه يدرك أن حربه ليست مؤقتة، بل مشروع اقتلاع طويل يُنفذ أمام أنظار العالم بأكمله. فما يحدث اليوم في فلسطين المحتلة لم يعد مجرّد حرب إبادة في غزّة أو اعتداءات ممنهجة في الضفة الغربية وقصف وتدمير يوميين في لبنان، بل مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والإنسانية في فلسطين ولبنان وفي المنطقة برمتها.
أما العالم العربي، أنظمة وشعوباً، فيبدو وكأنه استسلم للهزيمة والإذلال، حتى صار الصمت اللغة الوحيدة المتبقية، وكأن أمة كانت تهتزّ يوماً لأجل القدس وغزّة فقدت قدرتها حتى على الغضب، واكتفت بمراقبة المأساة من خلف الشاشات، بلا أثر يغيّر شيئاً في ميزان القوة أو في مسار الكارثة المقبلة لا محالة، مثل تسونامي عندما تضرب موجاته فلن تستثني أحداً!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





