ذ. سعيد الغماز*
بين المغرب والجزائر مصير مشترك في كثير من القضايا. فالجوار بين البلدين لوحده يشكل أكثر من سبب يعزز هذا المصير المشترك. وإذا أضفنا المُشترك بين الشعبين من التاريخ واللغة والدين فإننا نخلص إلى أن ما يجمع بين البلدين أكبر بكثير مما يفرق بينهما. وما يجمع بين البلدين لا يقتصر على ما سبق ذكره، بل يتعداه إلى وحدة المصير وطبيعة التحديات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية التي يواجهها البلدان. ونظرة سريعة لطبيعة هذه التحديات تجعلنا نقف على المشاكل المشتركة بينهما والمتمثلة في توفير الشغل للشباب وتقليص معدل الفقر والفوارق الاجتماعية وتوفير العيش الكريم للشعبين، وهي تحديات نجد الإجابة عنها في جملة واحدة هي التنمية بأبعادها الثلاثة: خلق الثروة والتوزيع العادل لها وبناء الانسان. هذه التحديات هي التي كانت وراء مطالب الربيع العربي الذي خرج منه المغرب بالتحام شعبي وراء المؤسسة الملكية في حين نجد الجزائر لم تجد بعد الطريق نحو الاجماع الوطني حول نظام الحكم ولا زالت تعيش مخاض الربيع العربي. كما أن الجزائر لم تحقق بعد دستورا يتوافق حوله الجزائريون في حين حسم المغرب هذا الورش الهام في 2011 بإجماع جميع مكونات المجتمع المغربي السياسية والحزبية والمجتمع المدني.
منذ أن شرع المغرب في نموذجه التنموي في بداية الألفية الثالثة، كان يعرف معرفة اليقين أن حل نزاع الصحراء المغربية مع الشقيقة الجزائر سيشكل دعامة كبيرة للإقلاع الاقتصادي والتنموي ليس للمغرب فحسب، وإنما للبلدين الجارين معا. وكان هذا التصور المغربي مبنيا على استراتيجية قائمة على أساس مبدأين اثنين: تعاون جنوب-جنوب وعلاقات قوامها منطق رابح-رابح، بمعنى أن عائدات التعاون التنموي تعود على الجميع وتستفيد منها جميع الأطراف المتعاونة. قناعة المغرب هذه جعلته ينهج مع الجزائر سياسة اليد المفتوحة، حيث لا نكاد نجد خطابا للعاهل المغربي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء أو عيد الاستقلال إلا وفيه دعوة صريحة للحوار المباشر مع الجزائر لمناقشة جميع الخلافات العالقة بين البلدين وفتح الحدود أمام الشعبين الشقيقين. وأمام عدم تجاوب حكام الجارة الجزائر مع اليد الممدودة للمغرب، بادر جلالة الملك محمد السادس إلى عرض خطوة كبيرة ومتقدمة تتجلى في الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية، وهي مبادرة تندرج في إطار العمل التنموي الذي نهجته المملكة المغربية والذي قادها إلى اعتماد سياسة الجهوية المتقدمة لاختصار الزمن التنموي وتسريع إنجاز المشاريع التنموية. مبادرة المغرب لحل نزاع الصحراء مع حكام الجارة الجزائر هي مبادرة صادرة من دولة تمتلك مشروعا تنمويا وتعمل جاهدة على تحقيق الإقلاع الاقتصادي الذي من شأنه أن يجعل المغرب يطمح للحاق بالدول النامية.
سياسة اليد الممدودة هي نفس السياسة التي اتبعتها كثير من الدول سواء المتقدمة صناعيا أو تلك التي نجحت في نموذجها التنموي كدول النمور الآسيوية التي حققت الإقلاع الاقتصادي وكذلك الدول الصاعدة في إفريقيا وآسيا. فهذه التجارب التنموية الناجحة تتقاطع كلها في توفير عوامل النجاح وعلى رأسها معالجة المشاكل الحدودية وإقامة علاقات التعاون وحسن الجوار مع الجيران.
لما شرعت النمور الآسيوية في إنجاز برامجها التنموية، عملت على تصفية مشاكلها الحدودية لتُركز جهودها واهتمامها على برامج الإقلاع الإقتصادي. فماليزيا مثلا حينما تعذر الانسجام العرقي مع سنغافورة انفصل البلدان واجتمعا لحل جميع الخلافات بينهما. وبما أن البلدين يحذوهما نَفَسُ التنمية والاقلاع الاقتصادي فقد غَلَّبَا التوافق على الخلاف لتفادي كل إشكال من شأنه استنزاف الطاقات والأموال. طموح الإقلاع الاقتصادي جعل ماليزيا وسنغافورة يتعاونان لتحقيق التنمية الشاملة. نجح البلدان في مشروعهما التنموي بالتعاون وحسن الجوار بل تعزز هذا التعاون بمشروع كبير للقطار الفائق السرعة بين كوالا لامبور الماليزية وسنغافورة. نفس المسار سارت عليه الصين في خلافاتها الحدودية مع روسيا والهند وبعض الجزر مع اليابان.
بخصوص الدول التي أصبحت تملك مشروعا تنمويا وتجتهد في تنمية اقتصادها، نجد أنها في مرحلة من مراحل تاريخها، سلكت سياسة اليد الممدودة التي ينهجها المغرب مع حكام الجارة الجزائر، حيث عملت هذه الدول على حل مشاكلها الحدودية لأنها تعرف جيدا أن مثل هذه الخلافات مع دول الجوار تستنزف الطاقات وتهدر الأموال وتفتح المجال للتدخلات الخارجية وهو ما قد يؤدي إلى عرقلة التنمية المنشودة. فروندا مثلا، التي قطعت أشواطا كبيرة في التنمية، لم تستطع الجزائر بكل ثرواتها الطبيعية أن تُحققها، قامت بمعالجة حرب التطهير العرقي التي شهدتها البلاد بإقامة مصالحة وطنية دائمة ومستديمة.
إثيوبيا التي قطعت أشواطا كبيرة في العديد من البرامج التنموية، على رأسها سد النهضة الذي ستشرع في استخدامه شهر يوليوز القادم والذي يُعتبر أكبر سد لإنتاج الطاقة الكهربائية في إفريقيا، قامت بإيجاد حل لمشاكلها مع جارتها إريتريا ووضعت حدا لحرب دامت لعدة سنوات وهو ما ساعدها في توفير الجهد والمال لتنمية بلادها. فلو استمرت الحرب لما استطاعت إثيوبيا توفير 4 ملايير دولار لبناء سد النهضة. وفي آسيا نجد دولة تشق طريقها نحو التنمية بصمت وثبات وهي دولة الفيتنام التي قامت بمعالجة مشاكلها الحدودية مع الكامبودج وغيرت سياستها اتجاه أمريكا لخلق الشروط الضرورية لنجاح نموذجها التنموي.
إذا كان هذا ما قامت به الدول التي تمتلك نموذجا تنمويا يحقق التنمية والرفاه الاقتصادي لشعوبها، فعلى النظام الجزائري أن يطرح سؤال وضعية اقتصاده في أفق 10 أو 20 سنة القادمة ويستحضر الوضع الذي سيكون عليه إقتصاد بلدان تشق طريقها نحو التنمية من قبيل الفيتنام وإثيوبيا ورواندا وبوتسوانا. طَرْحُ هذا السؤال من قبل الساسة في الجزائر سيجعلهم يدركون قيمة اليد الممدودة للمغرب الذي يشق طريقه بثبات نحو التنمية والاقلاع الاقتصادي. فالمغرب أصبح مغرب صناعة السيارات ومغرب صناعة أجزاء الطائرات ومغرب أكبر ميناء في إفريقيا، ميناء طنجة المتوسط، ومغرب الطاقة المتجددة، بتوفره على أكبر محطة للطاقة الشمسية في افريقيا، ومغرب بنية طرقية تحتية عصرية ومتطورة هي الأولى إفريقيا، ومغرب القطار السريع الأول في إفريقيا.
إنه مغرب التعاون جنوب-جنوب وفق منطق رابح-رابح الذي بلغت استثماراته العديد من الدول الافريقية بما فيها تلك الناطقة بالإنجليزية، وهو ما جعل علاقاته الافريقية تتوطد لدرجة إرساله مساعدات طبية لمكافحة وباء كورونا ل 15 دولة إفريقية، وكل المساعدات الطبية هي من صنع مغربي. على الساسة الجزائريين أن يعرفوا جيدا أن التنمية ليست هي تقليد ما يقوم به المغرب من إنجازات تنموية وصناعية، وإنما هي امتلاك رؤية استراتيجية تحدد القطاعات التي ستعتمد عليها البلاد في تحقيق النموذج التنموي وفق دراسة تأخذ بعين الاعتبار الموارد المتاحة وتكوين الكفاءات والتكامل الاقتصادي مع دول الجوار. انتقال الجارة الجزائر إلى بلد يتوفر على نموذجه التنموي كما هو شأن المملكة المغربية، سيجعلها تُغلب التفكير المستقبلي والاستراتيجي على الحسابات السياسوية الضيقة، وتستجيب لليد الممدودة من قبل المغرب وحل نزاع الصحراء المغربية بشكل تام على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا الخيار المستشرف للمستقبل سيستفيد منه البلدان معا، فالمغرب سيعزز وحدة أراضيه وهو ما سيسمح له بتكريس المزيد من الجهد وتعبئة المزيد من الموارد المالية للدفع قدما بنموذجه التنموي، والجزائر ستوفر الجهود التي تقوم بها في المنتظمات الدولية لخلق المتاعب للمغرب وستوفر كذلك الموارد المالية التي تهدرها على مشروع تعرف الجزائر قبل غيرها أنه مشروع يحده جدار الشرعية القانونية والتاريخية والدولية التي هي بجانب الموقف المغربي، وهو موقف تعزز بما حققته البلاد من تنمية مستمرة لتشمل جميع التراب الوطني بما فيها الأقاليم الجنوبية.
عندما تتوفر الإرادة السياسية لدى القادة الجزائريين لاعتماد نموذج تنموي جزائري يعمل على توفير الشغل والعيش الكريم للمواطن الجزائري كما يعمل المغرب على تحقيقه، سيعرف هؤلاء القادة أن التنمية تمر عبر الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية. ما عدا ذلك، على الحكام في الجارة الشقيقة أن يتوجسوا من وضعية بلدهم في الأفق القريب قياسا للبلدان الافريقية التي تشق طريقها نحو التنمية على رأسها المغرب ورواندا وبوتسوانا وإثيوبيا. فقطار التنمية إذا انطلق قد يتعثر بسبب مناوشات حدودية يقوم بها حكام الجار الشقيق، لكنه لن يتوقف بل سيواصل السير لبلوغ الإقلاع الاقتصادي. وأما من لم ينطلق بعد قطاره التنموي فعليه إدراك قيمة اليد الممدودة فالعالم يتحرك ومن لم يتقدم فمصيره السقوط.
باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال*





