هل يعود الملف الليبي إلى مرجعية اتفاق الصخيرات؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بلال التليدي*

ثمة أربعة تطورات مهمة ينبغي استحضارها لفهم تطورات الملف الليبي، أولها، التطورات الميدانية والتقدم العسكري الذي وصل إلى نقطة التوتر الاستراتيجي (خط سرت-الجفرة)، والإعلان المتكرر من الجانب الليبي بأن هذا التقدم لن يتوقف حتى تسيطر حكومة الوفاق على كامل التراب الليبي، ثاني هذه التطورات، هو ما يرتبط بتعدد الديناميات الدبلوماسية وتداخل خطوط التفاوض بين ملفي سوريا وليبيا، واستدعاء الدور الأمريكي لإحداث توازن في المنطقة على حساب النفوذ الروسي الداعم للجنرال حفتر، ثالث هذه التطورات، هو التحول في الموقف المصري، من مبادرة دبلوماسية تم الإعلان عنها بالقاهرة لصرف الأنظار عن مصر الطرف، بمصر المتوسطة بين الأطراف المتصارعة، إلى الإعلان عن تهديد بالتدخل العسكري، ورابع هذه التطورات، هو بيان وزراء الخارجية العرب، وانتهاؤهم في اجتماعهم الافتراضي الأخير إلى التأكيد على مرجعية اتفاق الصخيرات وكونه يشكل الحل السياسي للصراع، وينهي التدخل الأجنبي بها، ويسد الطريق أمام تنامي المجموعات الإرهابية بها.

كانت في خضم هذه التطورات، أحداث لا تقل أهمية، تعين على فهم الديناميات المتصارعة وسيناريوهات الملف الليبي، ومن بينها تأجيل زيارة للرئيس المصري إلى المغرب، وذلك للمرة الثالثة، فضلا عن لقاء تركي من أعلى المستويات جرى في العاصمة الليبية، وحديث عن زيارة مرتقبة لوزير الدفاع التركي لطرابلس، وأيضا انطلاق تفاهمات تركية أمريكية بخصوص الملف الليبي.

ثمة معطيات تحليلية ليس من الصعب فهمها، فالتقدم العسكري الذي أحرزته حكومة الوفاق واستهدافه للمربع الاستراتيجي في ليبيا (الهلال النفطي)، هو الذي يفسر كل هذا الحراك الدبلوماسي، بل يفسر الاضطراب في الموقف المصري، وتحول مصر من داعية دبلوماسيا إلى داعية حرب، وهو بالتحديد ما يفسر اعتذار المغرب عن قبول زيارة الرئيس السيسي في هذه الأجواء الذي كان الرئيس المصري يريد فيها توظيف وجوده بالرباط لتحقيق مكاسب دبلوماسية في الملف الليبي بما لا يوافق هوى الرباط وثوابتها في هذا الملف.

وثمة معطيات تحليلية أخرى ليست بمستوى السهولة للفهم، وتتعلق بالنفوذ الروسي في المنطقة، ورهانها الاستراتيجي على التواجد بمنطقة المتوسط، وتعارض استراتيجيتها مع الاستراتيجية التركية في ليبيا وروسيا، وأن هذا بالتأكيد ما يجعل التقدم العسكري للحسم، يواجه صعوبات، ليست أقل من التي واجهتها تركيا لحظة رغبتها في حماية أمنها القومي بإقامة منطقة عازلة مع سوريا.
تركيا التي لا تريد الاصطدام الاستراتيجي بروسيا في سوريا ولا في ليبيا، تدرك أن أوراق لعبها محدودة، فإذا كانت في سوريا قد حركت الاتحاد الأوروبي بورقة الهجرة، وحركت ترامب بورقة محاصرة النفوذ الروسي، فإنها لا تملك في ليبيا سوى أن تتجه إلى إقناع ترامب مرة أخرى بضرورة التنسيق معها لمواجهة النفوذ الروسي الذي يشكل عائقا حقيقيا أمام تمدد حكومة الوفاق في كل الأراضي الليبية.

مصر، تلقت ضربة قوية بهزيمة الجنرال حفتر وتفكك العصبية القبلية التي كان يستند إليها، وانحسار الدعم والتمويل الإقليمي الذي كان يلقاه من بعض دول الخليج وحتى من بعض دول الاتحاد الأوربي، وهي تستشعر خطرا أكبر على أمنها القومي، لأنها لا تتحمل حكومة يوجد بها شعور وطني إسلامي بمستويات عالية، فضلا عن التحالف مع تركيا -عدوها الإقليمي في المنطقة- ولذلك ربما تسرعت عندما طرحت مبادرة دبلوماسية منفردة بدل أن تضع بيضها في سلة الجامعة العربية، وتراهن على موقف عربي مشترك يحقق قدرا من مصالحها الاستراتيجية، وبالتحديد مصلحة أمنها القومي، إذ سرعان ما حولت المبادرة إلى تهديد عسكري بعد أن لقيت تجاهلا دوليا وإقليميا ملحوظا.

ربما تصورت الدبلوماسية المصرية أن ما يمكن أن يخرج به وزراء الخارجية العرب هو أقل بكثير من حجم مطامحها، أو لا يكفي لتبديد مخاوفها الاستراتيجية، ولذلك سارعت للرقص على الحبلين: حبل دبلوماسية الوساطة، ثم حبل دق طبول الحرب، قبل أن تجد نفسها مرغمة على أن تركب لغة الهدوء وتقبل بنصف الحلول من خلال السقف الذي عبر عنه بيان وزراء الخارجية العرب.
الكثيرون يتساءلون عن سبب تحول الموقف المصري غير المفهوم لا في اللغة ولا في الزمن، وتفسير ذلك أن الضغط الذي تشكله مخاوف مصر لم يترك لها هامشا كثيرا للمناورة، فهي لا تثق بسقف اتفاق الصخيرات، بدليل أنها واجهته، وعملت على تحطيمه، فلا تريد أن تجد نفسها مرة أخرى أمام نفس الخيار الذي أنهكها بنتائجه دون أن تخرج منه بطائل، فلم تجد غير التلويح بالدخول تحت الجلباب الروسي، وهي التي تواجه أكبر تحد تعيشه دبلوماسي بعد فشلها الذريع في كسب معركة سد النهضة.

بدون شك أن ثمة تخوفا أوروبيا كبيرا من الوجود التركي في ليبيا، وأن الضغوط الأوروبية لم تتوقف في هذا الاتجاه أو ذاك من أجل إقناع الدول المغاربية خاصة على لعب دور دبلوماسي معين من أجل منع التقدم العسكري الذي تحققه حكومة الوفاق بشراكة تركية، لكن ثمة في المقابل كياسة سياسية ثقيلة من جانب هذه الدول التي تعامل كل منها بما يوجبه القرار السيادي، وبما لا يوافق الهوى الأوروبي، فاختارت هذه الدول طريقة واحدة للتحلل من الضغط الأوروبي: وهي الصمود على المواقف الثابتة السابقة، فتونس أعادت التعبير عن موفها الثابت برفض الاصطفاف، والجزائر عبرت هي الأخرى عن استعدادها للعب دور وساطة للتوصل لحل سياسي بين الأطراف المتصارعة، مع أن وضعها الداخلي لا يساعدها على ذلك.

أما المغرب، فقد كانت المناسبة بالنسبة إليه ليس فقط لإثبات صوابية موقفه الاستراتيجي في التأكيد على مرجعية اتفاق الصخيرات ورفض التدخل الأجنبي من أي جهة كان، ولكن، لرد الاعتبار إلى دبلوماسيته بعدما أهينت من خلال استبعادها في مؤتمر برلين، فأوضح للجميع بأن تقديره الدبلوماسي كان سليما، وأن الجميع عاد إلى موقفه، بما في ذلك مصر التي تخفي اليوم اضطراب موقفها وراء بيان اجتماع الخارجية العرب.

وإذا كان تفسير تشابك المعطيات بهذا النحو، فاستشراف السيناريوهات يشير إلى أن الأفق يشوبه قدر كبير من توتر المواقف، فتركيا لا يمكن أن تحل المشكلة في ليبيا إلا عبر مقايضة مع روسيا في سوريا أو العكس، وربما كان نقطة قوتها أنها لا تعارض اتفاق الصخيرات، بل تعتبره مرجعية للحل السياسي، سوى أنها تطرح سؤال موقف المجتمع الدولي لحظة انتهاك الاتفاق من قبل قوى دولية وإقليمية في المنطقة، ولماذا تحرك المجتمع الدولي فقط عندما توجهت تركيا لإحداث التوزان في المنطقة؟

من الواضح جدا، أن الحل الأقل كلفة هو الرجوع إلى اتفاق الصخيرات، أو استكماله من خلال حلقة ثانية، تجري في المغرب، الدولة التي اكتسبت رضى وقبول الطرفين، لكن بتنازلات مؤلمة، تعكس الوقائع العسكرية على الأرض، وتنهي التمثلات المرتبطة بالماضي ودور الجنرال حفتر، ليس فقط في الخروج عن اتفاق الصخيرات، ولكن بالسخرية به والتعريض بدور المغرب في رعايته.

كاتب وباحث مغربي*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...