د. سعيد الغماز *
عرفت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في الآونة الأخيرة، توترا غير مسبوق جعل الرئيس الأمريكي يفرض عقوبات ليس على الدولة وإنما على شركة صينية مختصة في مجال معدات الاتصالات بما فيها الهواتف الذكية اسمها “هيواوي” Huawei. وتفشي فيروس كورونا بشكل كبير في أمريكا مع نجاح الصين في محاصرة هذا الفيروس زاد من حدة الصراع بين البلدين الذين يقفان على حافة حرب باردة جديدة بعد أن حَمَّلَ الرئيس الأمريكي ترامب، الصين مسؤولية انتشار الفيروس في العالم وصار يلوح بعقوبات اقتصادية جديدة.
فما هي دوافع هذا التوتر وهل هو إجراء اقتصادي محض، أم أن للقرار خلفيات ودوافع خفية؟ ثم لماذا استهداف شركات صينية بعينها خاصة تلك التي تشتغل في مجال التكنولوجيا الحديثة على رأسها العملاق الصيني هيواوي ؟
لمعرفة الخلفيات الحقيقية لهذا الصراع التجاري بين البلدين، سنتطرق للأسباب الحقيقية التي جعلت الرئيس الأمريكي ترامب يفرض عقوبات اقتصادية على العملاق الصيني هيواوي، وهو مدخل رئيسي لفهم خلفيات هذا الصراع.
تقول الرواية الأمريكية إن الشركة الصينية هيواوي لم تحترم بنود المعاهدات الدولية وتتهمها بتزويد هواتفها بتطبيقات ذكية الغرض منها هو التجسس على زبائنها وهو ما يضر بالأمن القومي الأمريكي.
إذا كانت هواتف هيواوي تتجسس فعلا على زبائنها، فالأمر لن يقتصر على المستهلك الأمريكي فحسب، بل سيتعداه لباقي القارات لأن هيواوي أصبحت شركة عالمية ومنتجاتها موجودة في الأركان الأربعة للكرة الأرضية. فلماذا لم تتخذ نفس الإجراء دول عظمى في أوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا كذلك؟
لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذا القرار الأمريكي سنبدأ تحليلنا بنبذة عن شركة هيواوي.
من يكون هذا العملاق الصيني هيواوي؟
هي شركة متخصصة في أجهزة الاتصالات، تأسست في 1987. ورغم حداثتها ودخولها المتأخر لسوق تجهيزات الاتصالات قياسا لباقي المنافسين العالميين الذين راكموا تجربة تفوق قرنا من الزمان، فقد استطاعت الشركة الفتية أن تجد لها مكانا في السوق الدولية في وقت قياسي بل أبانت عن منافسة كبيرة أصبحت الشركات العتيدة في المجال تهابها وتحتاط منها.
بعد توسعها في الصين، شرعت الشركة في دخول مجال العالمية بفتح مكاتب لها في دول آسيا أوروبا وأمريكا. ولاستباق الأحداث و تقليص هوة البحث العلمي بينها و بين المنافسين، قامت الشركة بتخصيص اعتمادات مالية كبيرة للبحث والابتكار في مجال التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصال المعروفة اختصارا NTIC، و هي الآن من أكبر الشركات في مجال البحث العلمي، وتُشغل 70.000 شخص في مجال البحث والتطوير يُمثلون 45 % من كتلة الأجور، موزعين على 16 مركزا للبحث و التطوير في كل من بلدان الصين -الهند -روسيا -إيطاليا -فرنسا –أمريكا- السويد وألمانيا، الأمر الذي جعلها تحتل الرتبة الأولى عالميا في عدد براءات الاختراع التي بلغت 3325 براءة في العام الماضي أغلبها تتعلق بالجيل الخامس للهاتف النقال 5G، في حين لم يتجاوز العدد بالنسبة لغريمتها الأمريكية آيبل 2160 براءة اختراع.
وفي مجال شبكة الهاتف النقال قامت الشركة بمحاولة تجاوز تأخرها في هذا المجال بالمرور مباشرة إلى الاستثمار في الجيل الرابع للنقال. هكذا إذا في الوقت الذي كان فيه الفاعلون في الاتصالات مترددين في الاستثمار في هذا الجيل الجديد بسبب التكلفة المرتفعة و ضبابية قيمة العائد المالي، اتخذت هيواوي قرارا استراتيجيا مع تحمل جميع المخاطر حيث كانت أول شركة في العالم تستثمر في الجيل الرابع للنقال بتجهيز مدينة أوسلو النرويجية بهذه التقنية في 2009 معتمدة فقط على منتوجاتها لكسب ثقة الفاعلين الاتصالاتيين وتكريس صورة الشركة الرائدة في النقال، كما أنها شرعت في نفس السنة باختراق السوق الدولية للهاتف النقال، فشرعت في البداية بصنع هواتف نقالة بعلامة تجارية بيضاء (هاتف دون علامة تجارية يضع عليه الفاعل الاتصالاتي علامته الخاصة) قبل أن تشرع في طرح هاتفها النقال من نوع هيواوي. هذه التجربة مكنت الشركة من تعزيز مكانتها العالمية في مجال معدات شبكة النقال، فقد احتلت في 2010 المرتبة الثانية عالميا بعد إريكسون السويدية متجاوزة العملاق سييمنس وكذلك نوكيا وألكاتيل، تَفَوق حققته الشركة بالخصوص في السوق الآسيوية والدول الصاعدة وتلك التي في طريق النمو. في 2013 هيواوي تكسب رهان العالمية بإنجاز 70 % من رقم معاملاتها خارج الصين.
أول ضحية أمريكية للعملاق الصيني هيواوي هي شركة “سيسكو” المختصة في منظومة شبكات المعطيات بمعنى المجال الذي يحتكر المعلومات الرقمية المتداولة على الصعيد العالمي. ففي ظرف وجيز استطاعت هيواوي تكسير الاحتكار الأمريكي المطلق في هذا المجال وأصبحت هي الرائد الأول عالميا تليها في الرتبة الثانية سيسكو. هيواوي لن تقف عند هذا الحد، فقد استطاعت أن تحتل الرتبة الثانية في مبيعات الهواتف الذكية وراء العملاق “سامسونغ” ومتفوقة على الشركة الأمريكية آيبل التي أضحت تحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد أن كانت تسيطر على سوق الهواتف الذكية بدون منازع، وهو الأمر الذي لن يروق بطبيعة الحال الإدارة الأمريكية التي سوف لن تتعامل مع هذا الأمر من منظور تجاري بل بخلفيات تهديد الأمن القومي وتقويض القوة الأمريكية في العالم.
ينضاف إلى هذا المعطى كون الهواتف الذكية تعتمد بالأساس على معادن نادرة تملك الصين 37% من الاحتياطي العالمي في حين لا تتوفر الولايات المتحدة الأمريكية سوى على 1،2% من هذا الاحتياطي العالمي. باقي الاحتياطات العالمية تتواجد بشكل كبير في القارة الافريقية وهي دول تم اختراقها من طرف الصين.
وأكثر من هذا، يشهد العالم حاليا حربا ضروسا للسيطرة على سوق الجيل الخامس للهاتف النقال. وهو للإشارة جيل سيُحدث ثورة تكنولوجية قد تقلب الموازين وتهدد اقتصاد دول عظمى إن لم تحسن التعامل مع هذه الثورة الجديدة. ومن بين ملامح ثورة الجيل الخامس، ظهور دول بإمكانها السيطرة على المعطيات أو ما يعرف بالبيانات الضخمة “BIG DATA”، الأمر الذي سيمكنها من التأثير على جميع مناحي العالم الذي نعيش فيه وهو ما يمكن أن يعطي بعدا آخر لمقولة العلوم السياسية “من يملك المعلومة يملك السلطة”. وتشير آخر الأرقام إلى أن شركة هيواوي استحوذت حتى الآن على 40 عقدة لتجهيز شبكات الجيل الخامس وراء الشركة الفنلندية نوكيا ب42 عقدة، لكن هيواوي تبقى الأولى من حيث عدد الزبائن الذين سيستفيدون من تقنيتها بعد الاتفاق الأخير مع روسيا. فيما الشركات الأمريكية تظل بعيدة عن هذه الأرقام في سابقة لم يعرفها بلد يتحكم إلى حد الآن في كل شيء في عالمنا. هذا الواقع جعل أمريكا في حالة تشبه الهيستيريا لتخوفها من فقدان سيطرتها على سوق الهاتف النقال وتراجع دورها في التحكم في البيانات الضخمة لصالح غريمتها الصين وهو ما يعني بالنسبة للقوة الاقتصادية الأولى ترجيح كفة الغريم الصيني الذي سيصبح بإمكانه الطموح لخلافة أمريكا في سيطرتها على العالم.
لقد أدركت الولايات المتحدة أن الصين أصبح بإمكانها مزاحمتها في السيطرة على العالم، بل وقد تنزعها عن عرشها إن استطاعت السيطرة على شبكة الجيل الخامس للهاتف النقال. وبما أن أدوات الصين التي تعتمد عليها تتجلى في الشركات العالمية، فقد اتجهت أمريكا صوب الهدف مباشرة لتحقيق نتائج سريعة.
هل ستفلح أمريكا في ترويض المارد الصيني؟ الحرب الاقتصادية مفتوحة على جميع الاحتمالات وستشهد فصولا أكبر تعقيدا لأن الأمر بالنسبة للإدارة الأمريكية هو مفترق طرق قد يُطيح بعرشها كقوة أولى في العالم، وبالنسبة للصين هي فرصة سانحة للتفوق على أمريكا لتُصبح قوة عالمية إن هي استحوذت على شبكة الجيل الخامس من الهاتف النقال.
باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال*





