كيف يخدم الاندماج الذكي استقرار إيطاليا؟ أمن المجتمع ومستقبل الهوية في ضوء التحديات السياسية والاجتماعية
عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
تمر إيطاليا بمرحلة تاريخية دقيقة تتداخل فيها الهواجس الديموغرافية والاقتصادية بالمخاوف الثقافية والأمنية وفي ظل التجاذبات الراهنة وصعود التيارات المحافظة واليمينية إلى سدة الحكم باتت قضايا السيادة الوطنية وحماية الهوية الثقافية وإدارة التدفقات البشرية في طليعة الأولويات الإستراتيجية للدولة. ومع ذلك فإن النظرة العلمية والواقعية لتطور الدول تفرض علينا الانتقال من مقاربة إدارة الأزمات اللحظية القائمة على الانفعال إلى صياغة رؤية مستقبلية شاملة تحول التحديات الحالية إلى فرص حقيقية لتعزيز الأمن القومي والاستقرار المجتمعي المستدام.وفي هذا السياق لم يكن اختياري لتفكيك هذا الملف نابعاً من ترف فكري بل فرضته المسؤولية والواجب المهني بصفتي مواطن يعيش تفاصيل هذا المجتمع ويتابع عن كثب الديناميات السياسية والإعلامية في إيطاليا. إن ما تبثه القنوات التلفزيونية المحلية وتنشره كبريات الصحف الإيطالية من تقارير ومواد إعلامية متواترة بات يفتقر في كثير من الأحيان إلى الصواب والموضوعية ويجانب الواقع السوسيولوجي والاقتصادي الميداني للبلاد. إن الإصرار على تقديم مقاربات غير منطقية تختزل قضايا الهجرة والتعايش في زوايا أمنية ضيقة وتتعمد تشويه صورة المهاجرين وحتى الإيطاليين الجدد و أبناء الجيل الثاني هو ما دفعنا للكتابة رداً على هذا القصور المعرفي وتقديم بديل تحليلي رصين يعتمد على منطق الدولة والمصالح الإستراتيجية العليا بعيداً عن البروباغندا والشحن الإعلامي الموجه للاستهلاك الانتخابي المؤقت.
أولاً: تبديد المخاوف الديموغرافية والاقتصادية بمنطق الأرقام تتأسس هواجس اليمين المحافظ حول فكرة التحول الديموغرافي الثقافي أو الخشية على النسيج التقليدي للمجتمع الإيطالي من الذوبان. غير أن القراءة البنيوية للمؤشرات الحيوية الرسمية في إيطاليا تكشف عن معطيات هيكلية لا يمكن القفز عليها بجرعات خطابية عاطفية.
كما يعلم الجميع ان إيطاليا تعاني من تراجع حاد ومستمر في معدلات الولادات وهو ما يصنف سوسيولوجياً بالشتاء الديموغرافي. هذا الانكماش يهدد بشكل مباشر استدامة صناديق التقاعد ونظام الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي INPS. إن الحفاظ على ديمومة التنافسية الاقتصادية الإيطالية يتطلب كمحدد بنيوي دمج قوة عاملة شابة تسهم في دورة الإنتاج الفعلي والوعاء الضريبي.
إن هؤلاء الشباب الذين وُلدوا في روما وميلانو ونابولي وطورينو وتلقوا تعليمهم وصقلوا هوياتهم في المدارس والمعاهد الإيطالية لا يمكن تصنيفهم قانونياً أو واقعياً كعبء وافد بل هم طاقات بشرية محلية تتحدث الإيطالية كلغة أم وتحمل ثقافة البلاد وقيمها الجمهورية وتشكل الركيزة الأساسية لسد الفجوة المهنية العميقة في قطاعات الصناعة المتقدمة التكنولوجيا والخدمات الحيوية.
ثانياً: الأمن القومي والاندماج كعقيدة استباقية لمكافحة التطرف من المنظور الأمني الصرف يميل الخطاب الإعلامي السائد إلى ربط ظاهرة الهجرة تلقائياً بمعدلات الجريمة أو التهديدات الأمنية العابرة للحدود. وهنا يجب على المقاربة الأكاديمية والإستراتيجية تقديم التفكيك العكسي الحقيقي:إن أكبر مهدد للأمن القومي لأي دولة ليس التنوع الثقافي في حد ذاته بل هو صناعة المعازل الاجتماعية والتهميش البنيوي. عندما يشعر الشاب من أصول غير أوروبية بأنه يعيش في موضع شك دائم وأنه منبوذ نظامياً ومرفوض ثقافياً وقانونياً رغم كفاءته وولائه فإنه يتحول تلقائياً إلى صيد سهل لشبكات الجريمة المنظمة أو بؤر التطرف الإيديولوجي.بناءً عليه فإن مراجعة فلسفة منح حقوق المواطنة وجعلها أكثر مرونة واستجابة لمعايير التحصيل العلمي والاندماج الفعلي مثل مقترح المواطنة عبر التعليم يعد أداة أمنية استباقية شديدة الفعالية. فالإدماج القانوني والاجتماعي ينمي لدى الفرد شعوراً حيوياً بالانتماء ويجعله شريكاً في حماية الأمن القومي للوطن الذي يحتضنه ويضمن كرامته بدلاً من تركه على هامش غريب يسهل اختراقه.
ثالثاً: ديناميكية الهوية الإيطالية في مواجهة فرضية الجمودإن القراءة السطحية للثقافة الإيطالية تحاول تصويرها ككتلة جامدة مهددة بالاختفاء عند أول تمازج. غير أن التاريخ الجيوسياسي لعموم شبه الجزيرة الإيطالية منذ عهد الإمبراطورية الرومانية مروراً بعصر النهضة وصولاً إلى العصر الحديث يثبت أن العبقرية الإيطالية كانت تاريخياً نتاجاً للتفاعل والتبادل والتلاقح الثقافي المستمر في حوض البحر الأبيض المتوسط.التعايش المسؤول لا يعني الذوبان الثقافي: إن المخاوف المثارة حول التهديد الثقافي أو الديني يمكن تبديدها بالكامل عبر آلية مأسسة التعايش فالإيطاليون الجدد والمقيمون من أصول مسلمة أو أجنبية لا يطالبون بفرض أنماط بديلة بل ينشدون فضاءً للتعايش يتيح لهم الحفاظ على خصوصياتهم الروحية والثقافية في إطار الاحترام المطلق لعلمانية الدولة وسيادة القانون والدستور الإيطالي.
إن الانتقال الإستراتيجي من مفهوم المواطنة الضيق المبني على رابطة الدم إلى مفهوم حديث يقوم على رابطة المنشأ والثقافة هو مصلحة سيادية بامتياز. فالهوية الإيطالية تمتلك من العمق والتاريخ ما يكفي لاستيعاب الدماء الجديدة وصهرها في بوتقة مجتمعية فريدة دون الخشية من فقدان الهوية الأصيلة.
رابعاً: عقلانية الحكامة السياسية ضد الشعبوية الانتخابيةإن الإستراتيجية الذكية والدائمة للحكومة الحالية وسلطات القرار لا ينبغي أن تتغذى على تضخيم الهواجس أو استثمار الأحداث الأمنية المعزولة لكسب نقاط سياسية مؤقتة بل يجب أن تنبني على إظهار قدرة الدولة السيادية على الضبط، والتوجيه والإدماج.يمكن للدولة المحافظة أن تتبنى سياسات حازمة وصارمة في مراقبة الحدود ومكافحة شبكات الهجرة غير القانونية فهذا حق سيادي مشروع تكفله القوانين الدولية لحماية الأمن الداخلي ولكن بالتوازي مع ذلك يتطلب العقل السياسي فتح قنوات شرعية ومستدامة للاستفادة القصوى من الكفاءات والطاقات المقيمة والمرخصة داخل النسيج الوطني. إن تحويل طاقات الجيل الثاني والمهاجرين إلى شركاء حقيقيين في التنمية والاستقرار الاقتصادي هو الصمام الوحيد لمنع الاستقطاب الحاد والانقسام العمودي في الشارع الإيطالي وهو السبيل الأوحد لتحصين مكانة إيطاليا كقوة ديمقراطية كبرى داخل الاتحاد الأوروبي والمحافل الدولية.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجه جمهورية إيطاليا اليوم ليس تحدياً عرقياً أو دينياً بل هو تحدي الحكامة السياسية والمعرفية. إن النخبة السياسية وصناع القرار مطالبون اليوم بالانتقال من أدبيات إثارة الخوف من الآخر إلى أدبيات الاستيعاب الإستراتيجي الذكي. إن المستقبل الرقمي والاقتصادي المعاصر يُبنى بالاستثمار في العنصر البشري دون تمييز وجعل قيم العطاء والالتزام بقوانين الجمهورية هي المعيار الوحيد الحاسم للمواطنة الحقة بعيداً عن أية قوالب جاهزة أو أحكام مسبقة يروج لها إعلام يفتقر للموضوعية.





