ذ. فاكر مصطفى
يبقى الجديد التربوي الذي بصم الساحة التعليمية بالمغرب و بسائر دول المعمور خلال الفترة الأخيرة التي عرفت اجتياح فيروس كورونا “كوفيد19” للعالم هو تنزيل آلية التعلم عن بعد كالية جديدة في التدبير التربوي لجأت إليها معظم الدول و الحكومات التي اجتاحها هذا الفيروس و اضطرها توقيف الدراسة بمختلف المؤسسات التعليمية. و هي خطة اعتبرت الوسيلة الناجعة الوحيدة و البديلة عن الدروس الحضورية، و الوسيلة الممكنة الوحيدة للاستمرارية البيداغوجية. و قد لاقت هذه الالية انتقادات كثيرة من قبل مختلف الفاعلين التربويين كما اولياء الامور ، الذين رأوا فيها قصورا عن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمات و المتعلمين في الاستفادة من حقهم في التعلم لارتباطها بتوفر أدوات ووسائل ليست في متناول الجميع .اقصد هنا الهواتف الذكية و الحواسيب و اللوحات اللمسية بل و التلفاز مما حرم جمهور غفير من التلاميذ تعدت في مناطق عديدة نسبة %75 من حقهم في التعلم بل في الاستمرار في التعلم .
و قد عرفت البدايات الاولى لحملة تنزيل هذه الخطة البيداغوجية الجديدة حماسا منقطع النظير من صناع القرار التربوي بالمغرب ، كما من نساء و رجال التعليم الذين لم يألوا جهدا في الانخراط اللامشروط في اعتمادها لتحقيق الاستمرارية البيداغوجية و المراهنة على نجاحها بنسب عالية جدا ، خصوصا و أن الإحصاءات الرسمية تؤكد على أن نسبة العائلات المتوفرة على هذه الوسائل التواصلية( خصوصا جهاز التلفاز) نسب مرتفعة تتجاوز %90 في العالم الحضري و أكثر من 80% في العالم القروي حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط . لكن الذي غاب على صناع القرار التربوي بالمغرب أن توفر هذه الوسائل التواصلية ليس وحده القمين بتحقيق تكافؤ الفرص بين الجميع في الاستفادة من الحق في التعلم و ذلك لارتباط هذه المواكبة بجملة من العوامل السوسيو اقتصادية و السوسيو ثقافية يتم تجاهلها غالبا في مختلف القراءات الرسمية ، في حين اعتبرت هذه العوامل المصادر المؤسسة لمختلف القراءات والتحليلات المنتقدة الجدوائية هذا الأسلوب المستجد في التدريس، و الذي لم يكن جديدا في ساحة الإصلاح التربوي الذي عرفه المغرب مع وثيقة الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 والتي تمت مأسستها بقانون إطار صادق عليه البرلمان المغربي و صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 19 غشت 2019 أي قبل حلول هذه الجائحة بأكثر من أربعة أشهر ، والذي يؤكد في مادته 33 على ضرورة تنمية التعلم عن بعد باعتباره مكملا للتعليم الحضوري .
و لقد ظلت الوزارة الوصية تتعامل بنوع من التجاهل مع مختلف النداءات التي تدعو الى ضرورة تسجيل وقفة تقييمية لهذا المستجد التربوي و الوقوف عند ثغراته و تعثراته ، و ظلت تعتبره الامكان الانجع للاستمرارية البييداغوجية ،و جاراها في ذلك جماعة من النخب التربوية التي ظلت تعقد الندوات و اللقاءات عن بعد لتقنع بطرح الوزارة و اشتغلت بتقديم سيناريوهات كيفما اتفق، قبل ان تقرر الوزارة الوصية قرارها الذي اسسته على احصائيات ميدانية اثبتت تخوفات سابقة لفاعلين تربويين حول عدم نجاح هذه الالية التربوية الجديدة في كسب رهان الاكتفاء الذاتي من المعرفة التربوية التكوينية و تحقيق مبدا تكافؤ االفرص ، و انه لا يمكن ان نؤسس عليه اي شيء ذي بال يخدم العملية التربوية بالبلاد ، او يعتمد في اجراء مختلف التقويمات الاشهادية و غير الاشهادية ، و اصبح صناع القرار التربوي يتحدثون بخطاب جديد يمتح لغته و مفرداته من خطاب المجتمع التربوي و المدني، بعد ان تاكد لهم بالملموس ان المغرب ليس هو فرنسا و لا غيرها من الدول المتحضرة و ان تنزيل الاستراتيجيات و الخطط و البرامج لا تصلح له الصالونات المغلقة و لا المكاتب المكيفة و انما يجب ان يراعي الواقع السوسيو اقتصادي و السوسيو ثقافي للمغاربة ، و الذي لا شك يختلف من جهة الى اخرى و من مجال ترابي الى اخر. فليس واقع الأحياء الحضرية الراقية هو واقع الأحياء والمناطق المهمشة ، و ليس واقع الوسط الحضري كواقع الوسط القروي . البحث عن تكافؤ الفرص بهذه الالية اقصد الية التعلم عن بعد و التي تستلزم توفر كل هذه الأدوات التواصلية والإعلامية في داخل مجتمع تتوزع مجالاته الترابية بين الراقية و المتوسطة و الهشة و القروية المعدمة سيكون من قبيل العبث والضحك على الذقون .
أجل ، قد تكون هذه الالية وسيلة لنشر المعرفة العلمية و المعلومة التربوية في مجال أوسع و بطريقة سهلة و ميسرة و لكن لا يمكن ابدا ان تكون بديلا عن الممارسة التدريسية الحضورية التي حققت و تحقق تكافؤ الفرص بنسب معتبرة و معقولة منذ عقود من الممارسة التدريسية ، فلا يمكن أن نؤسس عليها شيئا ولا ان نمارسها لنبني عليها استراتيجيات تربوية مفتوحة للجميع ما دامت آلاف الأسر المغربية خارج التغطية الاجتماعية ، و خارج القدرة على توفير وسائل الترف المعلوماتي و الإعلامي و غير قادرة على الاستفادة المستدامة من خدمات هذه الوسائل”الانترنيت مثلا ” ان توفرت .
غير انه ، في المقابل ، لا يمكن ان نغمط المجهود الكبير والاستثنائي الذي قام به نساء و رجال التعليم بمختلف فئاتهم في تنزيل هذه الخطة لأول مرة في مسارهم التدريبي في غياب أي رؤية واضحة أو دعم مادي او تكوين مؤسس. فلا اجتهاداتهم الخاصة و التي نضحت عن إبداعات غير مسبوقة من قبلهم في مجال تطوير الآليات البيداغوجية لهذه الخطة عبر موارد رقمية و تقنيات معلوماتية أبدعوا في إخراجها و كذلك عبر طرق جديدة في إيصال المعلومة ، بل من رجال التعليم من نجح في تحقيق نسب متابعة فاقت %90 بفضل اعتماده أسلوب التشويق و الاثارة في مخاطبة تلامذه و طلابه و جذب انتباههم و متابعتهم.
نعم لقد نجحت الاسرة التعليمية أطرا تربوية و ادارية في انجاح هذا الرهان بجودة عالية و انخراط مخلص و نكران ذات غير مسبوق. لكن كل هذا تم في حدود الممكن الذي مثل الحد الادنى لتحقق النجاح دون فائدة تذكر مادام لم يؤسس عليه اي شيء و مادام لم يتم اعتماد مخرجاته كارضية للتقويمات الجزائية التي اقتصرت فقط على الموارد المرساة في المرحلة الحضورية .
لذلك لابد من فتح مشاورات موسعة لتقييم هذه المرحلة الاستثنائية و اقتراح استراتيجية معقولة و ذات جدوى و جودة تراعي الفوارق الاجتماعية و تؤسس لتنزيل سليم و منصف لهذه الخطة لتكون سندا بيداغوجيا مفيدا و معضدا للممارسة التدريسية الحضورية، يشارك فيها كل المتدخلين المباشرين وغير المباشرين في تنزيلها من اطر تربوية و ادارية و امهات و اباء و اولياء التلاميذ و هيئات مدنية ومؤسسات اقتصادية و اجتماعية.. من أجل تحقيق مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، غير هذا لن نستطيع أن ننمي هذه الخطة و لا أن نجعلها في خدمة التعليم الحضوري ، بل سنساهم بها في تعميق الفوارق التعليمية بين مختلف المتعلمين ، و تكريس الطبقية التعليمية داخل المجتمع المغربي سواء اعتمدناها في مجال الدعم التربوي أو في مجال إرساء الموارد .





