نزار بولحية : كيف ينظر المغاربيون لما يجري في تونس؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

نزار بولحية *

ماذا يحدث داخل البرلمان التونسي؟ من لم يعرف البرلمانات على الإطلاق، أو جرّب فقط أشكالا ملتبسة ومبتورة منها، هو من يتهافت اليوم على الجواب. ولأجل ذلك فليس غريبا أن يشرح الإعلام المصري والإماراتي والسعودي، على طريقته ما يحصل فيه، بالاستناد فقط، مثلما فعل السبت الماضي، إلى تصريحات من وصفها أحمد موسى في برنامجه اليومي بـ«النائبة القوية» عبير موسي، لمجرد أنها تتزعم منذ شهور حملة بلطجة داخل المجلس النيابي، ظاهرها الاعتصام والاحتجاج، وجمع التوقيعات، لسحب الثقة من رئيسه، وباطنها التحريض على التجربة ومحاولة اختراقها ونسفها من الداخل.

ومن الطبيعي أن يكون مثل ذلك الخطاب مطابقا للخط العام، الذي رسمته الإمارات والسعودية، وروجتا له، عبر أكثر من ذراع إعلامية، تديرانها مثل «العربية» و«الحدث» و«سكاي نيوز» بعد أن باتت مشاهد المجادلات والنقاشات الحامية الوطيس داخل مجلس النواب التونسي، وفي الأسابيع الأخيرة، طبقا من أطباقها المفضلة. غير أنه، ومقابل ذلك، لا يلاحظ التونسيون قدرا مشابها من الاهتمام من جانب الإعلام المغاربي، للتحولات التي تحصل في بلدهم، ولا يستطيعون، عكس ما يتم في حالة مصر والإمارات والسعودية، أن يخرجوا بموقف واضح للحكومات المغاربية، أو لشعوبها مما يحدث عندهم، رغم أنها، أي تلك الشعوب هي الأقرب لهم، والأكثر معرفة بظروفهم، وإدراكا لحقيقة وطبيعة ما يقومون به.

والأمر لا يتعلق هنا فقط بأنهم لا يدركون بعد، إن كان جيرانهم متحمسين لتحولهم الديمقراطي؟ أم مشغولين عنه؟ أم متوجسين مما قد يسببه لهم من ضغوطات، أو تعقيدات، أو ما قد يضعه أمام حكامهم من متاعب إضافية، وهي كلها فرضيات غير مؤكدة حتى الآن، بل يضعف اعتقادهم في أن أولئك الجيران هم جزء فاعل وأساسي في تلك التطورات، لا طرفا غريبا عنها ودخيلا عليها. والمؤكد أنه سيكون من الصعب أن نضع المغاربيين كلهم في سلة واحدة، أو نطلق حكما عاما على موقفهم من تجربة تونس، مثلما نفعل مثلا مع المواقف الرسمية المصرية والإماراتية. كما انه من غير الممكن أن يوجد فيهم من يفضل أن يغمض عينيه عما يجري من حوله، أو يردد وهو يستحضر المشاكل والأزمات المحيطة به من كل حدب وصوب مثل، قضية الصحراء والأوضاع غير المستقرة في مالي، وحرب الإرادات الخارجية في ليبيا: «مالنا وتونس إلي فينا مكفينا» أو أن لا يعتبر أن ما يحصل في ذلك البلد المغاربي الصغير من توترات وتقلبات سياسية، وبوادر لتشكّل مشهد قد يفتح المنطقة على كل الاحتمالات الإيجابية والسلبية، على حد سواء، ويمكن أن يمثل مصدر قلق إضافي له، وليس فقط مجرد مأزق داخلي يخص التونسيين ويعنيهم وحدهم، ولا يخصه ويعنيه بشكل من الأشكال.

لكن في كل الحالات هل سيكون بمقدورهم، حتى إن أرادوا، أن يتجاهلوا الأمر، أو يقللوا منه، أو يحاولوا الالتفاف عليه، وتطويق تداعياته المحتملة عليهم، آملين تجنب الأسوأ بأسرع وأقل ثمن ممكن؟ بغض النظر عما إذا كان المغاربيون متقبلين، أم رافضين أم متفائلين، أم متخوفين مما يحصل اليوم في جارتهم الصغيرة، فإنهم، على عكس ما يبدو، يحاولون وعلى قدر استطاعتهم، وباختلاف درجة قربهم منها وموقعهم ومصالحهم فيها بالطبع، أن يؤثروا وبشكل ما في الأحداث التي تجري داخلها. لكنهم يفعلون ذلك بشكل جانبي وموارب وغير محسوس، قد لا يلفت انتباه كثيرين، في ظل التركيز الإعلامي المفرط على أدوار مكشوفة إلى حد كبير لقوى إقليمية ودولية أخرى من خارج المنطقة، والحديث المستمر عن انخراطها المباشر في الشؤون التونسية.

وهم يفعلون ذلك لاعتبارات منطقية ومفهومة، فتونس تكتسي بنظرهم أهمية لا تعكس محدودية حجمها، وتقلص دورها الإقليمي والدولي. ولاشك في أنهم لا يرون أن الأحداث التي تحصل فيها هي شأن داخلي صرف، لن تكون له تداعيات لاحقة عليهم. ولعلهم يذكرون جيدا، كما يذكر غيرهم، كيف أن الموجة الأولى لما عرف لاحقا بالربيع العربي، انطلقت من ذلك البلد المغاربي صغير المساحة والسكان. وتبدو أهمية تلك التأثيرات والانعكاسات المحتملة عليهم في مسألتين أساسيتين وهما: فرص نجاح انتقال ديمقراطي في دولة من دول المنطقة، ثم طريقة إدماج الإسلاميين، وحدود القبول بمشاركتهم في المشهد السياسي العام. والمسألتان تبدوان، وإلى حد كبير، مرتبطتين ببعضهما بعضا ومطروحتين بقوة، وإن بتفاوت أيضا في الدول الأربع، أي الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا. والسؤال الأكبر هنا إن تركنا ليبيا وموريتانيا جانبا، لاعتبارات ظرفية وهيكلية وركزنا على القطبين الكبيرين، أي الجزائر والمغرب، هو هل أن النظامين المغاربيين يرغبان حقا في أن تصل التجربة التونسية للمدى الأقصى، وتنتج بالفعل ديمقراطية قوية قادرة على أن تجعل من تونس دولة عربية ومغاربية لا تدور في الفلك المعروف للنظام الرسمي التقليدي؟ ثم هل إنهما مستعدان كذلك للتعامل مع نظام تونسي قد يكون الإسلاميون رأس حربته، إن صعدتهم الصناديق بالطبع إلى ذلك الوضع؟

الثابت أنهما يملكان داخل تونس شبكة واسعة وممتدة من العلاقات، وربما يمتاز الجزائريون بأنهم يحوزون، لاعتبارات عديدة، بعض الأفضلية، فروابطهم وثيقة بكل مكونات المشهد السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، مثلما أن هناك نوعا من الإجماع الداخلي على تجنب المس بأي شكل بالعلاقة معهم. ورغم أن الصراع الثنائي الجزائري المغربي ظل يلقي ظلاله الكثيفة على موقفهما من التحولات التي حصلت في جارتهما، إلا أن ما يحسب لهما معا هو أنهما، ومع كل التحفظات التي كانت لهما، وربما حتى بعض البرود والفتور الذي عرفته علاقتهما في فترات بالسلطات الجديدة التي ظهرت بعد مرحلة بن علي، إلا أنهما لم يبديا في أي مرحلة رفضا قاطعا لمشاركة طرف، أو رغبة ملحة في وجود آخر على رأس النظام في تونس. ومربط الفرس في ذلك هو أن لا عقدة لهما، عكس الأنظمة المصرية والإماراتية مثلا من إشراك الإسلاميين في الحكم.

وهما يتصرفان على ذلك النحو بشيء من البراغماتية قد يكون مصدرها معرفتهما الجيدة بتونس، والإكراهات والصعوبات التي يواجهها من يحكمها بغض النظر عن انتمائه، لكن إن كانت الجزائر والمغرب لا تتفقان في ذلك الجانب مع الرؤية المصرية والإماراتية لتونس، فلم لا تتحركان بقوة ضدها أو تعلنان اصطفافهما في الصف المقابل لها؟ ربما ببساطة لأنهما تفضلان العمل من وراء الستار، ودعم التجربة التونسية إلى الحد الذي يتقاطع مع ما يرغبانه أن يكون سقف تصوراتهما للتغيير الممكن في كل بلد منهما. غير أن ذلك على محدوديته يبقى في نظر التونسيين أفضل ألف مرة مما تفعله القاهرة وأبو ظبي والرياض، من إرباك مستمر، وما تروج له من فوضى وخراب عبر أبواقها الإعلامية التي تتابع البرلمان التونسي، لا حبا بالديمقراطية، بل ترقبا لشرب انخاب دفنها.

كاتب وصحافي من تونس*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...