بلقيس الكركي*
تَقرّر الأسبوع الماضي منعُ التعليق والتداول والنشر في قضيّة نقابة المعلّمين في الأردنّ. إذن فلنتحدّثْ عن مُعلِّم عراقي، في مدرسة عندَ باب المعظّم ببغداد، خلّدتْه قصيدة جميلة للشاعر يوسف الصائغ. هل ما يزال مسموحاً أصلاً أن نتداول الشعرَ العربي في البلاد؟ أم إن علينا أن نستأذِنَ جهاتٍ أجنبيةً مانحة قد تطلبُ من دار كولينز تحديثَ مناهج الأدب واللغة في المدارس والجامعات، والتأكّدَ من أنْ كبارَ مفكّرينا من نُحاةٍ وبلاغيّين ومتكلّمين ومفسّرين وفلاسفة وأدباء وشعراء ليسوا من «الإخوان»؟
تمتدُّ سَبّورةٌ «عَرْضُها العُمْرُ» في القصيدة، في صفّ صغير بمدرسة عند باب المعظّم. يأتي المعلّمُ إلى الصفّ «ويكتب فوقَ طفولتنا بالطباشير بيتاً من الشعر»، ويقرأُ البيتَ ولَدٌ، على مَهَلٍ، وقد اعترته «من الزهو، في نبرتي، رعدةٌ». يقول المعلّم: «تهجّأ على مهلٍ: إنّها كِلْمةٌ ليس يخطِئُها القلبُ يا ولدي»: وطني. ويسبقه والصدى صوتُ المعّلم: «وطني لو شُغِلتُ»، ويردّد الأولاد: «بالخُلد عنه». يمسَحُ المعلّم دمعتَه بارتباك: «وزنان مختلفان… وقلبٌ تقاسَمَهُ جدولان/ جدولُ الضربِ والحبّ». ليس بعيداً عن بغداد، في مدُنٍ أردنيّة، يُضرَبُ المعلِّم، حابساً دمعتَه في وطنٍ شُغل عن الحُبّ، بل شُغِل عَن نَفْسِه مذْ تجرّأ قبل سنوات في طبعة مدرسيّة تجريبيّة نزع صفةِ «مُسلم» عن صلاح الدين الأيّوبيّ. تجرّأ على حذف قول القائل لعمر بن الخطّاب: «والله لو رأينا فيكَ اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا»، ووضع درسٍ اسمُه «الأرنب الذكيّ» مكانه، تمهيداً لصناعة جيل من أرانب تظنّ نفسها ذكيّة. تجرّأ، لولا يقظةُ نقابة المعلّمين وقتها وتدخّلها لوقف المهزلة وكرة الثلج، على حذف أمثلةٍ من القرآن والحديث في كثير من دروس القواعد، لترسخَ القاعدة النحويّة في ذهنِ الطالب من خلال درسِ «طبيب الأسنان». هكذا نضمن أن تكون ابتسامةُ الجيلِ القادمِ مضيئةً حين يتبسَّمُ أبلهَ فخوراً بنفسه في مؤتمر عن منصّات (أو شركات) التعليم الإلكترونيّ مستخدماً لَغْوَ القيادة والريادة والتدريب والتمكين والأتمتة والهراء، محاوِراً «خبيرا» صهيونيّاً كما حدث في الجامعة الأردنيّة منذ أشهر؛ حواراً لا يعتبره الأرنب الذكيّ تطبيعاً، لأنّ المؤتمر جرى «عن بُعد»، بل يقفزُ متّهِماً المعترضين عليه بالتنمّر والتحريض والشعبويّة والاستقواء على الدولة.
كم مرّة أَعدْنا الأسطوانةَ ذاتها؟ أنّ أحداً منّا ليس ضِدّ الانفتاح في المناهج على تاريخ الفكر العربيّ الإسلاميّ برمّته، وبكلّ ما فيه من تعدّد مجنون بديع، بعيداً عن الأدلجة وقريباً من الهويّة، وعلى تاريخ الآخرين، على ألاّ يكون الفاتحُ مستعمراً في لَبوسِ بَنكٍ أو سفارة أجنبيّة أو بئر نفط، يجعلنا إرهابيّين لأنّ اليرموكَ في عُروقِنا وجِدُّ قريب، ويريدنا أن نصدّق أن هذا من باب «التنوير». هل سنبقى نفرش للأجنبيِّ أرواحَنا ونقدّسُ ما يبيعنا إيّاه بثمنٍ هو حضارتنا كلّها، مهما اختلفنا في تفاصيلها، ونعبدُ القشور والزَبَد، وباسم هذا الزَّيف يُكَبّل الذين علّمونا الأبجديّة كي نتجادلَ ونختلف شعوبا وقبائل وأحزابا وآراء، ويهانون ويُسجنَون، ونُمنَعُ من السير وراء جنازة مثل تلك التي في القصيدة: «وكان معي، (وطنٌ لو شغلتُ..)».
كان طالباً «إسلاميّاً» الذي طرق باب مكتبي منذ ثلاث سنوات سعيداً مُبتهجاً على غير عادته، لأنّ مجموعة كشفيّة اسمُها «خالد بن الوليد» نشرت تسجيلاً رائعاً لنشيد العلم الأردنيّ: «خافقُ في المعالي والمـُنى… عَربيُّ الظلال والسَّنا». قال إنّ النشيد يمثِّلُه، وكان يعرف أنّني سأتأثّر. ماذا أكون لو شعرت بالتهديد من لحيته الخفيفة وتوجّهه سوى شيء مُفلس هزيل لا يثق بمعرفته وبقدرته على المحاججة والحوار، ويبحَثُ هَلِعاً عن عدوٍّ ما يسجّل فيه بطولة وهميّة؟ إنّ من كتب «نشيد العلم» رئيس وزراء أردنيّ سابق وفيه: «من نسيجِ الجهاد والفدا.. واحتدامِ الطّراد في المدى»، وقد شُطب هذا البيت من منهاج الصفّ الرابع وبقي في الصدور والنشيد. أمّا البيت الآخر: «في مجالِ الطِعانِ، وانفجار الزمان، ظافراً أغلبا»، فتغنّيه المجموعة الكشفيّة: «وانحدار الزمان». أمام هذا الانحدار، يمثّل النشيد الآن كلّ الخارجين في المظاهرات المشرّفة، التي يريدون فيها للعَلم أن يخفق فعلاً، على أنْ يبقى عربيّاً، شعاراً للجلال والإباء، غير مُذعِنٍ لأيّ ريح تهبّ على كُتُبِنا من الشمال أو الجنوب.. «زاهياً، زاهياً أهْيَبا».
«مَنْ يَقرأُ البيت»؟ يقولُ مُعَلِّمٌ أمضى العِيد في السجن مُضرباً عن الطعام، «أنا أقرأُ البيت، يا سيّدي». ينهض الولد فينا ولكنّه، «لِفَرط المحبّة»، أخطأ في النحو، «فاسودّ لونُ الطباشير، واحمرّ وجه المعلّم». في بلدي اليوم، يرفعُ مسؤولٌ عن التعليمِ المجرور: «التعليمُ حقّ للأردنيّون!»، وتحمرّ وجوهنا نحن قهراً وخجلاً، في حين يُجرُّ المعلّم من مظاهرة، والمعلّمة، ومعهما كرامتُنا، والجارُّ حرفٌ من أبجديّتنا. يُجرّ المعلّم لأنّه أراد للمناهج أنْ تبقى عربيّة أردنيّة، ومن صُلبنا، هي والمعلّم والمؤسسات، وألّا تُباع عقولنا لتجّار المنصّات، وليس لأنّه طالب بعلاوته المستحقّة فقط. «المحبّة دَيْنٌ» كما في القصيدة، لذلك لم يفعل الطلّاب القدامى ما فعلته وسائل الإعلام المحلّيّة، وصرخوا حتّى انتبه الغرباء. المحبّةُ دَيْنٌ، ودِين. وقد نهرتني راهبةٌ قبل عشرين عاماً بعد امتحان التوجيهي الأردنيّ في الثقافة الإسلاميّة، لأنّ علامتي نقصت واحدة عن الكاملة. لم يكن معنى «الجهاد» في الكتاب وقتها قد تغيّر، أو تفصّل على قياس الذلّ واسترضاء الأقوياء، ولم تكن «مِنْ نسيج الجهاد والفِدا» تزعج أجراس الكنيسة، ولم تكن معرفة اللغات والثقافات تتناقض مع حفظ سور من القرآن، ولم تكن «لا تصالح، ولو منحوكَ الذهب» تتناقض مع النشيد الصباحيّ: «يا ربَّ السَّلام، امنح بلادنا السَّلام». «فيا سيّدي: أعطِنا نَدَماً بقدرِ محبّتِنا… وقُدْنا معاً، لمظاهرة، عند باب المعظّمِ، نحملُ وراءكَ سبّورةً مِن قماشٍ قديم، وبيتاً من الشعر، لا يخطئُ القلبُ فيه». هكذا تقول القصيدة، زوجة الحقيقة. يوقف المحقّق الولدَ الذي كَبر في القصيدة ليقولَ بكبرياء: «وطني» فيشتمه فيصرخ: «بالخلد عنه». يُسجَن، يخرُج، ويبقى البيت يلاحقه: «وطني لو شغلْتُ بالخلد عنه، نازعتني إليه…»، وتتغيّر النهاية: «نازعتني إليه… عراقيّةٌ تتقنُ الموتَ والحبّ». عراقيّةٌ، تصيحُ أمام المحقِّق عند الكاتب العدل: «أنا أقرأ البيت». تقول: «وطني» فيشتُمها فتصرخ: «لو شُغلتُ» فيبصقُ في وجهها فتهتِفُ: «بالخُلدِ عنه» فيضربُها فتصيح: «وقد أوجعتْها كرامتُها»: «نازعتني إليه…». أوجعتْها كرامَتْها، وكرامةُ معلّماتٍ أردنيّات جُرِرْن إلى السجن من مظاهرةٍ في إربد لأنّهنّ قرأنَ البيتَ ذاته. لا تقلقْن، فالمحبّةُ دَينٌ، وقد مشى معلّمون قبل سنوات عشر على أقدامهم من عمّان إلى الكرك نُصرةً للمعلّمة أدما زريقات، عضوِ اللجنة الوطنية لإحياء نقابة المعلّمين وقتها، بعد أن أوجعتهم كرامتُها.
تقول القصيدة: «لم يعد ثمَّ من يتجرّأ… أن يتهّجأَ بيتاً من الشعر». ليس في بلدي الآن، فهناك من يتجرّأ، وإن بتغريدة شجاعة قصيرة. وقد تجرّأ قبلهم أبناءُ الحراك الوطنيّ الأردنيّ بمختلف أطيافه على صَدْحٍ آخَرَ أعلى، وسُجنوا واحتملوا لأنّهم رغم الأنين يحبّون البلاد. تقول القصيدة: «ولم يبقَ غيرُ غبار الطباشيرِ والكلمات»؛ كلماتٍ نعرفها من غير أن نقصد: «الكرامة غضب، والمحبّة غضب، والغضب الأحلى بلدي»، هكذا تغنّي فيروز عبر الإذاعات الأردنيّة في الصباح، ولم يقرّروا حتّى اللحظة تجريم صوتها لأنّه يربط المحبّة والكرامة بالغضب. يسأل المعلّم في آخر القصيدة: «من يَحرسُ البيت»؟ ويجيب التلميذ: «أنتَ من يحرس البيتَ يا سيّدي…». المحبّةُ دَينٌ، والآلاف في الشوارع من شمال البلاد حتّى جنوبها يهتفون: عاش المعلّم، ويُحِسّون: «وطني لو شُغلِتُ». المعلّمُ الأردنيّ في السجن، والبيتُ في خطَر. سنحرسُ البيت. سنحْرُسُ البيتَ يا سيّدي.
كاتبة أردنية*





