حول قضية التوسل والوسيلة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

لفضيلة الأستاذ الدكتور/ يسري رشدي السيد جبر الحسني*

 

معلوم أن التوسل هو الأخذ بالأسباب والوسائل لتحقيق المراد.

والوسيلة هي الطريق والسبب الموصل للنتائج.

فالأسباب جعلها الله في الدنيا في ظاهر الأمر مرتبطة بالنتائج بحيث إنه قد يظن المتسرع أنها فاعلة ومؤثرة بقوة فيها لتتحقق النتائج بها بعلاقة العلة لمعلولها، فيظن أن النار تحرق بذاتها، وأن الماء يغرق من غمره أو يروي العطشان بقوة فاعلة فيه، وأن الدواء يخلق الشفاء من الأمراض عند تناوله، والسكين تذبح بقوة فيها كامنة فاعلة، ولكن المؤمن يدرك أن الله هو الفاعل والخالق والمدبر والمؤثر وأنه لا حول ولا قوة في شيء في الأكوان إلا بالله ومن الله، علم أن قدرة الله هي الفاعلة حقيقة في الأسباب والمؤثرة في ظهور النتائج على وفق الإرادة الإلهية، وأن الأسباب نقاب وحجاب احتجبت به القدرة الربانية في عالم الدنيا حكمة إلهية ليحجب الله بها فعله وقدرته عن أهل الحجاب من الكفار فيعتقد فيها ويعتمد عليها ويظن أن فيها قوة كامنة فاعلة وأنها علة للنتائج المترتبة عليها.
أما أهل الإيمان فإنهم يعلمون ببصائرهم أن الله ما خلق الأسباب وربطها بنتائجها إلا اختبارًا لهم فيؤمنون بأن من ورائها فاعلًا قادرًا مدبرًا مريدًا، وبالتالي نفوا بإيمانهم عن الأسباب أن فيها قوة كامنة تنفع وتضر، أو أنها علة لنتائجها ولكن أخذوا بها تعبدًا لخالقها لإظهار افتقار العبودية وحاجتها لتناولها دون الاعتماد القلبي عليها أو الثقة فيها بل اعتمادًا على خالقها بالقلب وأخذًا بها بالجوارح والعقل.
ولذا قال سيدي أحمد الدردير رضي الله عنه في الخريدة البهية في عِلم التوحيد:
ومَن يَقُل بالطَّبعِ أو بالعِلَّة فذاك كُفْرٌ عند أهلِ المِلَّة
ومَن يَقُل بالقوةِ المُودَعَة فذاك بِدْعِيٌّ فلا تَلْتَفِت

فالله يخلق النتائج عند تناول الأسباب وقد يخلقها بغير سبب إذا أراد، فيخلق الشبع عند تناول الطعام وهناك من يأكل ولا يشبع، ويخلق الارتواء من العطش عند شرب الماء وقد يشرب العطشان ولا يرتوي، كما يخلق الشفاء عن تناول الدواء وقد لا يشفى، ويخلق الذرية عند تزواج الذكر والأنثى وقد يجعل من يشاء عقيما، ويخلق الرزق عند السعي وقد يسعى ولا يرزق، ويخلق النصر عند الأخذ بالقوة والحيطة وقد ينصر الضعيف إذا أراد “وما النصر إلا من عند الله” وهكذا في سائر النشاط الإنساني في الدنيا، ولو كانت الأسباب علة لنتائجها ما انفكت النتائج عنها، فلا فاعل إلا الله سبحانه ولا خالق غيره وهذا كله كامن في قول لاحول ولا قوة إلا بالله التي هي كنز من كنوز الجنة التي هي جنة المعرفة بالله في الدنيا وجنة المأوى في الآخرة كما أخبر المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد أمرنا سبحانه وتعالى في كتابه بالأخذ بالوسائل والأسباب التي تكون في ظاهرها سببًا لطاعته في الدنيا والنجاة من عذابه في الآخرة. وأيضا سببًا للحفاظ على أرواحنا وعافيتنا في دنيانا تعبدًا له فقال سبحانه: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون” [المائدة: ٣٥]
فالتوسل والوسيلة أمر قرآني تعبَّد الله به المؤمنين في الدنيا سواء كانت هذه الوسائل لتأمين حياتهم في الدنيا من مأكل وملبس ومسكن، وزواج لتحصيل الذرية، وسعي في الأرض لطلب الرزق، وغير ذلك من النشاط الإنساني، أو كانت وسائل لتحقيق رضاه والفوز بجنته في الآخرة والسعادة في الدارين، كتجنب المناهي، والاستقامة على شرعه، والاقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأعمال والأخلاق، والإيمان بهم والانتفاع بهم وبدعائهم وتوجيههم؛ إذ ربط سبحانه الهداية بإرشادهم وما أنزله عليهم من وحي وجعلهم النموذج الأكمل لدينه وشرعه وكمال العبودية لله سبحانه، وإمامهم في ذلك كله هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المرسلين وكل من نهج نهجه واتَّبع سبيله وشرعته إلي يوم الدين.
ومعلوم أن الله خلق الرحمة وقسَّمها مائة جزء كما أخبر بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأظهر في الدنيا جزءًا واحدًا منها، به يتراحم الخلق أجمعين إنسًا وجنًّا وحتى دواب الأرض، والباقي هو تسعة وتسعون جزءًا ادَّخره في الآخرة ليسع العباد بعدله وفضله فيعامل الكافر بعدله والمؤمن بفضله، فعدلُ الله في الآخرة مظهره النار للكافر يدخلها خالدًا فيها، وفضل الله في الآخرة للمؤمن الجنة يدخلها خالدًا فيها، فلا ظلم اليوم، ولا يظلم ربك أحدًا.

وهذه الرحمة المخلوقة للعالمين هي روحانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وهي سبقت ظهور الخلق بأن الله جعلها سببًا لظهور العالمين من العدم للوجود وسببًا للإمداد والرعاية والعناية الربانية بخلقه وكذا لإرشادهم لما فيه صلاحهم وهدايتهم؛ ولذا قال في الحديث القدسي: “رحمتي سبقت غضبي”، وكان النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار هذه الروحانية أول الخلق ظهورًا وأول المسلمين وأول النبيين والمرسلين، كما أنه في الآخرة أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع وأول مُشفَّع وأول مَن يدخل الجنة؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: “جعلني فاتحًا وخاتمًا”، وقال سبحانه في كتابه: “كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين”.
فكانت هذه الرحمة هي الوسيلة العظمى التي خلقها الله لتحصيل كل نفع وهداية وإرشاد وفلاح لكل العوالم فهي واسطة الوسائط، فلولا الرحمة للعالمين ما كانت أكوان وما كان قرآن ولا إيمان، ولا تميزت الطاعة من العصيان، ولا أهل الكفر من أهل الإيمان؛ ولذا قال سيدي ابن مشيش في تصليته المشهورة بالصلاة المشيشية مشيرًا لهذا المعنى: (إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط)، وقال: (ولا شيء إلا وهو به منوط)، من أجل ذلك توسل أبونا آدم عليه السلام عندما أكل من الشجرة قائلًا لمولاه: اللهم إني أسألك بمحمد إلا غفرت لي، فقال له سبحانه: وما علمك بمحمد؟ قال: عندما خلقتني ونفخت في من روحك رأيت اسمه بجوار اسمك على عرشك، فغفر له كما ورد في حديث رواه البزار والحاكم وصححه.
وعلَّمنا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نتوسل به ونستغيث بهذه الرحمة لأنه هو الوسيلة العظمى التي خلقها الله للعباد لتحصيل المراد فقال في دعائه تعليما لأمته: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله ولا تكلني لنفسي طرفة عين ولا لأحد من خلقك)، فرحمة الله المستغاث بها هي الرحمة التي خلقها الله ليرحم بها الخلائق دنيا وأخري “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
وسيدنا سليمان عليه السلام توسَّل بهذه الرحمة فقال: “رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين”. [سورة النمل: ١٩]
فتوسَّل في دعائه برحمة الله التي هي روحانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم السارية في الأكوان قبل ظهور شخصه صلى الله عليه وسلم الكريم.
وقال قوم سيدنا موسى عليه السلام في سورة يونس متوسلين برحمة الله أيضًا التي هي رحمة للعالمين في قوله تعالى: “وقال موسي يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (٨٥) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين” الآية ٨٤ إلى ٨٦ يونس.
فمن قال أن التوسل بالنبي شركٌ فقد خالف أمر الله بابتغاء الوسيلة إليه لأنه أقرب وأرجى وأقوى الوسائل إليه صلى الله عليه وسلم، وخالف فعل الأنبياء السابقين كسيدنا آدم وسيدنا موسى وسيدنا سليمان عليهم السلام وقد توسلوا به قبل ظهور شخصه الكريم بقرون عديدة لإدراكهم بالرحمة السارية في سائر الأكوان كما في قوله “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وخالف أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: (برحمتك أستغيث) تعليمًا لأمته، وخالف فعل أهل الموقف جميعًا يوم الحشر بذهابهم للأنبياء لطلب الشفاعة عند الله فبدأوا بسيدنا آدم عليه السلام حتى انتهوا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (أنا لها أنا لها) فشفَّعه الله في الخلائق جميعًا.
فالأخذ بالأسباب طلبَه اللهُ من عباده تعبدًا لتحصيل مراده منهم، وكلها وسائل توصل إلى الله ابتغاء رضوانه، قال في كتابه: “الرحمن فاسأل به خبيرًا”، وقال: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب”، فدلَّ العباد على أن الخبير الذي يدل عليه هو النبي صلى الله عليه وسلم كما في كاف الخطاب في قوله: “إذا سألك عبادي عني”، فلا تشعر بقرب الله إلا بالتوجه للخبير ليدلك عليه، فدلَّ بمفهوم المخالفة أنهم لو ذهبوا إليه مباشرة بغير المرور على هذا الخبير صلى الله عليه ما فتحت لهم أبواب القرب والقبول، وقال سبحانه: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا”، فأمرهم بالمجيء إليه صلى الله عليه وسلم بطلب استغفاره لهم واستغفارهم بين يديه صلى الله عليه وسلم ليجدوا المغفرة والرحمة.

ثم إنكار الأخذ بالأسباب والتعبد بها واعتبارها شركًا يخالف الواقع المحسوس وما اتفق عليه العقلاء على مر العصور من الأخذ بها والاجتهاد فيها والأخذ في تحصيلها لأنها من فضل الله الذي تفضل الله به على عباده في الدنيا ليحصلوا من خلالها على ما فيه النفع لهم سواء كانت هذه الأسباب أسبابًا دنيوية متعلقة بالمعايش أو أسبابًا شرعية متعلقة بطاعة الله واجتناب نواهيه، وقال الله تعالى: “واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليمًا”، فالتوجه إلى الأسباب والأخذ بها في الحقيقة توجهٌ إلى الله وذهاب إليه؛ لأنه هو الذي أظهرها سبحانه وتعالى لعباده لتحصيل ما ينفعهم، فترك الأسباب أو اعتبار أن الأخذ بها شرك يؤدي إلى إنكار الوسائط والشرائع والنبوات والوحي.
وبالتالي الأخذ بالأسباب طلبه الله من عباده تعبدًا لتحصيل مراده منهم وكلها وسائل توصل إلى الله ابتغاء رضوانه من عمل صالح وعبادة وحب الصالحين والتوجه إليه بالأنبياء وصالح المؤمنين ليسألوه سبحانه من فضله بألسنة هؤلاء ودعائهم وإرشادهم وشفاعتهم، ومن أنكره أو ادعى أنه شرك بالله ما فهم مراد الله من خلق الأسباب والوسائل والوسائط ويوشك أن ينكر حتى سنة الله في كونه من خلق الأسباب.
فالتوسل بالعمل الصالح وكذا الدعاء في الأماكن المباركة كالكعبة والمساجد والمشاعر المباركة وأماكن عبادة الصالحين “هنالك دعا ذكريا ربه”، أي مكان تعبد سيدتنا مريم، وتحين الأوقات المباركة أثناء الآذان، وبين الآذان والإقامة، وعند السجود، ودبر الصلوات، وأشهر الحج، وشهر رمضان، والثلث الأخير من الليل، كلُّ ذلك توسلٌّ بالزمان والمكان والعمل، ثم يدل ذلك من باب أولى على أن التوسل بالعابد والعامل بالطاعات يكون من باب أولى؛ لأن العامل أقوى من العمل، والمكين يشرف به المكان والزمان، وبالتالي التوسل بالأنبياء والصالحين وبدعائهم من سنة الله التي شرعها الله لعباده أخذًا بأسباب القبول والقرب والرجاء، وزيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا في قبورهم، والدعاء بجوار قبور الصالحين التي هي روضة من رياض الجنة كما كان يفعل صلى الله عليه وسلّم عند زيارة البقيع وشهداء أحد، وبصلاته بجوار قبر سيدنا موسى عليه السلام في رحلة إسرائه، ومروره على بيت لحم حيث ولد سيدنا عيسى عليه السلام، يدل على أن هذه الأماكن مباركة وأنها من أرجى الأسباب التي يكون عندها سرعة الإجابة؛ ولذا كان يدعو عند زيارة القبور لنفسه وللموتي فيقول: (اللهم اغفر لنا ولهم ولا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم).
فزيارة الأولياء وقبور الصالحين والدعاء عندهم سنة نبوية وليست بدعة شركية كما يدعي كثير من الجهلة، فشوش على المسلمين عقائدهم، ولا فرق بين حياة وموت للصالحين والأنبياء من حيث التوسل بهم؛ لأن فضل الله عليهم وجعلهم أبوابًا للرحمة والقبول متعلق بالأرواح وليس بالأجساد، والأرواح لا يطرأ عليها موت بل ما زالت وهي في برازخها تُمَد من الله بالبركات والمواهب؛ لأن الله قال: “لهم أجر غير ممنون” أي غير مقطوع، فلا يقطع فضله عنهم بعد وفاتهم، فما كان الله ينفع به عباده عن طريقهم حال حياتهم يستمر عن طريقهم حتى بعد وفاتهم، وبالتالي لا شيء يؤدي إلى الشرك في زيارة الصالحين بعد وفاتهم كما كان الحال في حال حياتهم ومن ظن أنهم ينفعون في حياتهم دون وفاتهم فقد نسب إليهم النفع وهذا هو عين الشرك؛ فالنافع هو الله عن طريقهم سواء أحياءً كانوا أم أمواتًا.

هدانا الله جميعًا لما فيه الرشد والرشاد والإرشاد بمدد الحبيب الأعظم والشفيع الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله والصالحين .

ومن أراد الزيادة فليستمع لشرحي على الخريدة البهية على اليوتيوب، وليطالع كتاب إتحاف الأذكياء في جواز التوسل بالأنبياء والأولياء لسيدي وشيخي عبد الله الصديق الغماري.

من علماء الأزهر الشريف بالقاهرة*

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...