ماهر فرغلى
فاجأتنا داعش منذ أيام بعملية نوعية استهدفت كمين (قرية رابعة) الأمني، بمدينة بئر العبد في شمال سيناءالمصرية، وهذه المنطقة معروف أنها كانت من مركزا للتدريب وللحشد العناصري للتنظيم، ووقعت فيها من قبل مذبحة مسجد الروضة، التي قتل فيها أكثر من مائة من المصلين على يد مجموعة إرهابية، كما ظهر فيها (تنظيم التوحيد والجهاد)، وهو الذي سيتحول فيما بعد ويصبح (ولاية سيناء) التابعة لتنظيم الدولة، وأيضاً (تنظيم أنصار الجهاد) الذى كان يهاجم الأضرحة الصوفية عقب ثورة 25 يناير 2011، متحديًا ساعتها السلطات الأمنية التى كانت غائبة إلى حد ما في هذا الوقت.
فوجئ المجندون من الجيش المصري بعدد من المهاجمين يركبون 4 سيارات، منها 3 مفخخة، ودراجات نارية، ويحاولون اقتحام المعسكر، لتدور معركة كبيرة، قتل فيها عدد ليس بقليل من التنظيم، وفق بيان الجيش المصري، الذي قال فيه: إن الهجوم على الكمين، جاء عقب تراجع الخط البياني للعمليات الإرهابية في منطقة سيناء، والقضاء على الجماعات الموجودة فيها بنسبة 90 في المائة على الأقل، وأنه قتل من العناصر الإرهابية 15، وقتل ضابطان وعدد من الجنود.
على غير المتبع من التنظيم مؤخراً في هذه المنطقة وقعت العملية عن طريق سيارات مفخخة منأجل إحداث أكبر موجة تفجيرية، حيث كان يعتمد استراتيجية استهداف القوات غير المتمركزة بعبوات ناسفة، كانت تزرعها خلية من النساء دربت خصيصا من أجل هذا الغرض، لكن يبدو أن القوات كانت منتبهة، لتفشل العملية فشلاً ذريعاً، وإن كانت تشير إلى استمرارية الإرهاب في شبه جزيرة سيناء على الأقل لسنوات مقبلة نظراً لعدة أسباب، أهمها أن موجة ارتداد حقيقية من المهاجرين للقتال مع داعش بدأت، بعد أن عادوا ووجدوا أن البيئة الخصبة والمناسبة هي الانضمام إلى فرع التنظيم بسيناء، بسبب التجانس الفكري، والجغرافيا، والبيئة التي هي قابلة لاحتضانهم.
هناك كذلك الذين عدّلوا مسار هجرتهم عقب سقوط مركز التنظيم في سوريا والعراق إلى الفروع والهوامش، فداعش في الأغلب يعتمد على 4 عناصر للمواجهة، أولها الولايات المركزية، ثم افرع التنظيم مثل فرع سيناء، والخلايا العنقودية، ثم الجهاد الفردي، وبالفعل نشرت مصادر إعلامية مصرية القبض على مجموعة من محافظة دمياط المصرية كانت بسوريا منضمة إلى (لواء المهاجرين والأنصار)، كانت في طريقها إلى سيناء.
السبب الآخر لاستمرارية الأعمال الإرهابية بسيناء هو أن الجماعات لا تأخذ فيها شكلًا تنظيميًّا واحدًا، فقد تواجد على أرضها عدد كبير من الجماعات مختلفة المسميات والأهداف، أشهرها وأكبرها التوحيد والجهاد، وأنصار الجهاد، والسلفية الجهادية، وتنظيم مجلس شوري المجاهدين- أكناف بيت المقدس، كانوا كلهم يحملون السلاح، ويتلقون تدريبات عسكرية شبه منتظمة على يد بعض أعضاء الجماعات الجهادية الفلسطينية، خاصة أن عددًا كبيرًا من المنتمين للجماعات الجهادية الفلسطينية كان ينتقل لسيناء هربًا من الحصار، أو للتدريب في بعض المناطق الصحراوية البعيدة عن أي رقابة، فضلًا عن تعاون الجماعات التكفيرية الفلسطينية مع نظيرتها المصرية في نقل السلاح لغزة عبر الأنفاق، وفي إخفاء بعض عناصرها حال توتر الأوضاع بالقطاع.
تتميز التنظيمات الإرهابية بسيناء بوجود بيئة حاضنة لها، من بعض القبليين، بسبب قلة التنمية بهذه المنطقة البعيدة عن العاصمة، والظروف المحبطة التى تمر بالمنطقة السيناوية ساهمت بشكل فعال في جعل التنظيم قادر على الذوبان بين الناس، وكذا بهيكلها المتكيف ما بين العمل السري والعلني، وتبديل القيادات حسب الظروف والأحوال.
وحين بدأت القوات عام 2015 تعتمد في تنفيذ عملياتها ضد تلك المجموعات على زرع عملاء متخفين داخلها، لم ينجح ذلك بصورة كلية، إذ إن «داعش» الذي (هيكله توفيق فريج زيادة) يتعاطى مع أي تواصل مع الجيش بأي مستوى على أنه خيانة توجب إالعدام حتى لو كان من النساء، وهذا كان يصعّب هذه المهمة على الجيش، وكانت تلك أسباب رئيسية وراء تأخر الحسم ضد التنظيم المتشدد.
المسألة كانت فى سيناء ذات أبعاد سياسية وأمنية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وقبلية وتنموية، وكان التركيز على البعد الأمني والعسكرى هو أول الفشل فى القضاء على التنظيم، حيث اعتمد الأمن على عناصر غير ذات كفاءة، وغير مدربة فى الإرشاد عن عناصر التنظيم، وقد كانت سبباً كبيراً فى فشل عدد من الحملات الأمنية، بل ومنهم من كان يعمل مزدوجاً مع التنظيم، وأدلى بمعلومات غير موثوقة عن قيادات داعش.





