بقلم.. الدكتور حسن مرهج (*)
إذا انطلقنا من منطق التحديات الشرق أوسطية، وما تفرضه من ضرورات التنسيق والمتابعة مع القوى الكبرى، نجد أن زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى واشنطن، وكذا زيارة وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي إلى موسكو، تأتي في أطر البحث عن محددات التهدئة في الملفات الساخنة، وفي جانب ثانٍ تأتي ضمن ترتيب الملفات الشرق أوسطية، لتحديد الأولويات الواجب إتباعها في المرحلة المقبلة، وعلى الرغم من تضاد أهداف الدول الكبرى تُجاه المنطقة، إلا أن الحكمة تقتضي الدخول في مسار تفاوضي مرحليّ، الأمر الذي يشي بمرحلة التسويات الكبرى، لإبقاء المنطقة في الحد الأدنى من التهدئة، خشية الانجرار تُجاه حرب لا أحد يُريدها.
الملفات التي طُرحت في موسكو وواشنطن، قد تختلف في المضمون، إلا أن أهدافها واحدة، فمراكز صُنع القرار الإقليمي والدولي، باتت اليوم تُعاني من جُملة هواجس تبدأ بالملف النووي الإيراني، والتواجد الأمريكي في المنطقة، وصولاً إلى الأزمة السورية وتداعياتها الإقليمية، فضلاً عن التحديات الاسرائيلية في المنطقة، لذلك نجد أن المنطق السياسي يذهب باتجاه التهدئة المؤقتة إن صح التعبير، ريثما يتم هندسة معادلة توافقية، تسحب فتيل الانفجار في الشرق الأوسط.
لنبدأ بزيارة وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي إلى موسكو، فمن الواضح أن توقيت هذه الزيارة يحمل رسائل سياسية وعسكرية، خاصة أنه قبيل أيام، لم تستطع واشنطن الوصول إلى غايتها في مجلس الأمن، لجهة إعادة فرض الحظر الذي كان مفروضاً ضد إيران قبل التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015، عطفاً على الفشل الأمريكي الذي تمثل بحصول مشروع القرار الاميركي لتمديد الحظر التسليحي على إيران على صوتين فقط في مجلس الامن، فالمشروع الأمريكي يصطدم مُجدداً بـ موسكو، الأمر الذي تقرأه واشنطن بعين التهديد الاستراتيجي لجملة مصالحها في المنطقة، ومن باب أخر، فإن موسكو غير راضية عن الهجوم الامريكي سياسياً واقتصادياً ضد إيران، لكن بذات التوقيت فإن موسكو دائماً ما تبحث عن خيوط التهدئة، لنسجها بين الحلفاء الأفرقاء.
ربما الإطار العام للزيارة الايرانية الاستثنائية تأتي ضمن مُعطيين:
الأول- التعاون التقني والعسكري، حيث قال سفير ايران لدى موسكو كاظم جلالي، ان العلاقات الروسيةَ الايرانية على أعتاب فصل جديد من التعاونِ العسكري والتقني مُشيراً إلى أن العميد أمير حاتمي سيعقد لقاءات مهمة مع كبارِ المسؤولين العسكريين الروس من بينِهم وزير الدفاع، لافتاً إلى أن المشاورات ستشمل الجوانب العسكرية اضافة الى مواقف البلدين حيال العدوانية الاميركية وسعي واشنطن لفرض الحظرِ الشامل رغم خروجِها من الاتفاقِ النووي.
الثاني- مناقشة النوايا الأمريكية العدوانية تُجاه موسكو وطهران على السواء، بُغية تنسيق المواقف، والخروج بصيغة توافقية تناسب الجميع، وذلك بالاستناد إلى جُملة المواقف الأوروبية التي ترى في السياسة الأمريكية ضد إيران، خرقاً واضحاً لموجبات التهدئة في المنطقة، في وقت بات الجميع بحاجة إلى توافقات سياسية مرحلية، خاصة بعد أن تمكن فايروس كورونا من فرض أجندته الاقتصادية المرهقة للجميع.
في المقابل، وتزامناً مع زيارة وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي إلى موسكو، التقى مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي بـ دونالد ترامب في توقيت وصفه البعض بـ الميّت مع اقتراب إجراء الانتخابات الأميركية، وانشغال البلاد بها، ما يشي بأن هذه الزيارة لن تُحقق الغاية الأساسية التي حملها الكاظمي إلى واشنطن، والتي تتمحور بالحوار الاستراتيجي مع واشنطن، وتنسيق خروج القوات الأمريكية من العراق.
ففي لقاء الكاظمي – ترامب، والذي وُصف بأنه الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما كان مسؤولوه قد أبلغوه لبغداد، من أن قوّات بلاده ستغادر العراق من دون أن يحدّد جدولاً زمنياً لذلك، لافتاً إلى أن إدارته قلّصت تواجدها هناك إلى مستوى منخفض جداً.
وكالة فرانس برس نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن “لا يوجد جدول زمني أو أرقام ثابتة، لكن الموضوع سيكون مطروحاً على الطاولة أثناء تقييمنا لاحتياجات العراق الأمنية”، وقد أعرب الكاظمي عن تمسكه بوجود المستشارين الأميركيين للحاجة إلى التدريب وبناء الإمكانيات والتعاون الأمني.
من جهة ثانية، كانت التسريبات في شأن اللقاء الذي جمع الكاظمي بقائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، قبيل توجه الأول إلى واشنطن بساعات، أشارت إلى تمسّك دوائر القرار في إيران بمسألة انسحاب قوات الاحتلال الأميركي بوصفها خطّاً أحمراً لا يمكن تجاوزه، وضرورة تبني بغداد اتهاماً واضحاً وصريحاً لواشنطن باغتيال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.
وإلى جانب مسألة الانسحاب، بدا لافتاً في لقاء الكاظمي – ترامب التشديد على التعاون في مختلف المجالات، وهو ما عدته مصادر مقربة من الكاظمي انعكاساً لـ العلاقات العراقية المتوازنة بين معسكرَي واشنطن وطهران، واصفةً الزيارة بـالإيجابية جدّاً.
لكن مصادر مطّلعة وصفت ذلك بأنه مبالغ فيه، راصدة في الزيارة ثلاثة أبعاد رئيسة سياسية واقتصادية وأمنية وإعلامية، وتعتبر المصادر الأخيرة أن الإدارة الأميركية الحالية ترغب في إظهار دعمها الكاظمي على أبواب الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، والترويج لكون ترامب استطاع أن ينقل العراق إلى المعسكر الأميركي. وفي البعد الاقتصادي – الأمني، يُمثّل تفعيل الحوار الاستراتيجي العراقي – الأميركي متطلّباً ضرورياً لصياغة شكل العلاقة الثنائية في مرحلة «ما بعد داعش، أما إعلامياً، فإن الكاظمي هو المستفيد الأكبر من هذه الزيارة، بحسب المصادر، كونه يسعى إلى تكريس حيادية العراق في خضم الصراع القائم في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يبدو أن رئيس الوزراء يحاول الحفاظ على التوازن ما بين ثلاثة مراكز قوى أميركية تنخرط في المواجهة مع إيران، وتسعى إلى استثمار قدرات العراق فيها، وهي: حلقة ترامب وفريقه، وحلقة الخارجية والدفاع وملحقاتهما، وحلقة وكالة الاستخبارات المركزية.
في المحصلة، من الواضح أن تراكم الملفات السياسية والعسكرية يقتضي التنسيق ما بين القوى الإقليمية وكذا القوى الكبرى، ويبدو من خلال تزامن الزيارتين إلى موسكو وواشنطن، أن هناك معادلة يجري هندستها في مراكز صنع القرار، خاصة أن سوريا ومقاومتها الشعبية ضد القوات الأمريكية قد بدأت بوادرها، وأيضاً جنوب لبنان على موعد من جولة من التهدئة الضرورية، ريثما تُفتح باقي الملفات ويتم تنسيقها، بُعيد الانتخابات الأمريكية.
إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط (*)





