كيف يمكن أن نزرع مفهوم القيم في مجتمعنا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

كمال المصري (*)

 

 

خلال خبرتي المهنية عملت مع أكثر من شركة عالمية ومتعددة الجنسيات، وفي اليوم الأول من بدء الموظف العمل لدى هذه الشركات، تحرص الشركة بتعريف منتسبيها الجدد على قيم الشركة.  وكل شركة لديها ما يميزها من هذه القيم عن غيرها. فمن ضمن القيم على سبيل المثال النزاهة، والأمانة والنقد الذاتي والتمكين وغيرها. وكنت احرص ان اتمعن بقرائتي لهذه القيم لكونها تعكس شخصية الشركة الاعتبارية التي اعمل لديها لكي التزم بقيمها وتطبع بأطباعها.
والقيم والأخلاقيات ليست حكرا على معتقد او مجتمع او دولة او شركة. فالكثير من الفلاسفة اليونان من قبل الميلاد مثل أفلاطون وغيره صاغوا نظريات في الأخلاق والفضائل.  وجميع الديانات السماوية أبرزت قيم سامية مثل المحبة والتسامح وكرامة الإنسان ومعاملته مع الآخرين.
وفي الاونه الاخيرة بدأت تحرص العديد من الشركات والمدارس والحكومات ايضآ على تبنّي بعض القيم، ولكن اعتقد انه لاتزال هناك فجوة بين ما يمارس على أرض الواقع من سلوكيات وبين ما تم تبنّيه من قبل هذه الجهات من قيم وأحد الأسباب لذلك بنظري هو عدم غرس مفهوم القيم لدى الأطفال في مجتمعنا منذ الصغر وقله ممارستها وتطبيقها في حياة كل أسرة، ربما لأن التعامل مع القيم يتم بشكل موروث وأصبح كعادة ولم يتم إبرازه بشكل علني او مكتوب مثل ما تقوم به بعض الشركات كما بينت أعلاه
يقال أن من شب على شيء شاب عليه.

أي من تربى على عادات او قيم معينة في صغره فسوف يشيب ولديه نفس العادات والقيم. مثال، إذا كان الطفل فوضوي وغير منظم ولم يتم توجيهه وتربيته على الترتيب والتنظيم فاحتمال كبير أن لا تتغير هذه العادات لديه عندما يكبر
ويقال أيضا أن العلم في الصغر كالنقش عالحجر. أي أن كل العادات والأخلاقيات والقيم تبقي منسوخة في ذهن الشخص إذا تعلمها في سن الطفولة
تخيل أن تُسأل في مقابلة لوظيفة أو من قبل صديقك عن ما هي القيم التي تعتقد أنها لديك؟ الكثير لديه قيم عظيمة وسامية ولن يتردد بسردها وإعطاء الأمثلة عليها لأنه تربى عليها منذ “نعومة اظافره” ونشأ في بيت يعيش هذه القيم مثل الصدق والأمانة والدقة في المواعيد والإخلاص والتفاني في العمل وغيرها من قيم عظيمة
وعلى النقيض توجد عينة أُخرى من الناس  تتلعثم في الإجابة على هذا السوأل لأن مثل هذه الأسئلة مغَيّبَة والشخص من هؤلاء ربما لم يتربى على قيم معينة في البيت أو في العمل
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو أن العالم في هذه الأيام يحتفل بذكرى المولد النبوي لسيد الخلق النبي محمد صلي الله عليه وسلم.

وفي هذه الذكرى الهامة البعض يستذكر سيرته من مولده إلى مماته. وصف الله سبحانه وتعالى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن اخلاقه عظيمة  (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) هذه الأخلاق التي تحلى بها هي من القيم التي جائت في القرأن كما وصفته زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها ( كَانَ خُلُقُهُ القُرآنُ)
ومن بين القيم التي حثَّ عليها القرآن والتي تجسدت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان خُلُقُهُ القرآن والتي يجب أن نزرعها في تربيتنا لأطفالنا وأن نتبناها نحن الكبار في سلوكياتنا وتصريف أُمورنا
 (تحسين السلوك قولآ وعملآ  {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال تعالي (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا
(الصدق وعدم إشاعة الأخبار الكاذبة (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ
العمل الصالح و خدمة المجتمع  (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) 


التسامح (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
(الصبر (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
(الإحسان (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
(الإلتزام بالمواعيد (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد 
(الرحمة (وما أرسلناك إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ


الشفافية (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم

النقد الذاتي (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ
التمكين  (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي اِرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً).


وفي مناسبة المولد النبوي أحببت أن أبين أهمية زرع القيم التي وردت بالقرآن وتجسدت بسلوكيات وسيرة النبي محمد صلي الله عليه وسلم في أطفالنا.

ولكي يكون هناك تأثير إيجابي ولكي نزرع مفهوم القيم ليس بالقول فقط ولكن بالفعل، أقترح أن يتبنى كل شخص قيم يرغب بأن تكون من مكونات شخصيته وأن يلتزم بها سلوكيا وان يتطبع بها.

وكذلك على مستوى الأسرة أقترح أن تكتب القيم التي تريد الأسرة أن يلتزم بها جميع الأفراد قولآ وفعلآ وذلك مثل ما تقوم به بعض الشركات التي أوردت المثال عليها في المقدمة.

وبذلك يتم إعادة اكتشاف القيم الجميلة التي هي من صميم المعتقد لكل الأديان السماوية و وردت في القرآن الكريم وتجسدت في سيرة وسلوكيات النبي محمد صلي الله عليه وسلم.

الأردن مدرب حياة كوتش وناشط إجتماعي (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...