حول الصحراء المغربية : الحكم الذاتي خير أم تقرير المصير ؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*الدكتور محمد بنيعيش

 

 

أولا:الصحراء المغربية ومغالطات إعلام وسياسة الجزائر

كثيرة هي المغالطات التي تروج لها أبواق أعداء وحدتنا الترابية ،وخاصة أبواق الجزائر الشقيقة الجائرة ومعها صنيعتها العاقة المسماة زعما بجبهة البوليساريو.
وتتلخص هذه المغالطة في رفض كل الحلول المعقولة والمقبولة قانونيا ودوليا وأخلاقيا وتاريخيا،وعلى العكس من ذلك هذا التشبث الأهوج بمزاعم حق تقرير المصير والمطالبة بالاستفتاء حيث ضعف الطالب والمطلوب.
والمضحك في الأمر هو ما تتناوله القنوات والتصريحات من أن دفاع حكام الجزائر عن الصحراويين من باب العقيدة السياسية والتحررية ومساندة كفاح الشعوب وما إلى ذلك من الأكاذيب والمغررات التي لا يصدقها واقع ولا حال.و”خيركم خيركم لأهله” فليعتني هؤلاء بمصالح ومشاكل شعوبهم قبل غيرهم” وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ”،ولا أريد التفصيل هنا !!

في حين ،وهذا هو المؤسف والمحزن حينما يتبنى بعض المحسوبين على الثقافة والعلم والفكر من إخواننا الجزائريين هذه الطروحات المشروخة وينعقون بها بشكل ببغائي مقلد على أسوأ وجه وصوت.وقد كان الأولى بهم العودة إلى التاريخ وملاحظة الواقع وتتبع النازلة من ألفها إلى يائها ،حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الحقيقة الناصعة.
فالمغرب بملكه ودولته وشعبه قد قدم حلا معقولا ووسطا ومفيدا لجميع الأطراف، منها المباشرة وغير المباشرة ،ألا وهو مبدأ” الحكم الذاتي” لحفظ ماء الوجه للطالب والمطلوب،بل حفظ السلم والاستقرار بالمنطقة المغاربية والأطلسية والساحل الإفريقي عموما. وفي المقابل فقد كان الرفض من الجزائر والبوليساريو معا، وكان عض اليد الممتدة بالسلام و التمرد على الإكرام الذي هو بمثابة شهامة وحسن نية من المغرب تجاه هؤلاء الانفصاليين ومعهم داعمهم الجزائر الجارة الجائرة.

ومن هنا أرى بأن هؤلاء ربما قد غرقوا في حلم لذيذ ومرير في نفس الوقت، سيندمون على عروضه الواقعية والموضوعية حينما يستيقظون ولا يجدون أمامهم سوى السراب.تماما كما يحكى عن جحا بأنه “رأى في المنام وهو يطالب شخصا بتأديته ألف دينار بالتمام والكمال ،بينما خصمه كان يقترح عليه تسعمائة وتسعة وتسعين دينارا .وبعد الأخذ والرد ومخاض الجدال استيقظ جحا مرعبا ولم يجد بجانبه لا ما عرضه عليه صاحبه ولا ما كان يطالب به !!!.فما كان منه إلا أن عاد إلى النوم وأغمض عينيه ومد يده قائلا :هاتني تلكم التسعمائة وتسعة وتسعون دينارا ولا أبالي.

فليقبل البوليساريو إذن بالعرض المغربي المتمثل في الحكم الذاتي، على الرغم من أنه يبدو لنا كتنازل عن حق مشروع ،ولكنه في روحه كمبادرة سلمية لإرضاء جميع الأطراف وحل النزاع.وإلا فقد يفوتهم القطار فلا يجدوا من يعرض عليهم ولو دينارا واحدا فكيف بالألف !!! .

ثانيا:الواقعية التاريخية وحق المغرب في امتلاك صحرائه

وهذا الكلام والتصور قد بنيناه على معطيات علمية وواقعية ،ينبغي لكل عاقل الإنصات إليها والتمعن في فقراتها، نذكر بعضا منها ملخصة في هذه السلسلة وهي:

فقد تم استرجاع المغرب لأراضيه المغتصبة سلميا بعدما انسحب منها الإسبان وتركوها خلاء بلا حكم ولا إدارة.
فضل الانسحاب وتحقيقه واقعا يعود إلى المغاربة ومخطط المسيرة السلمية الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى.
لم يكن في الصحراء القاحلة في جل مناطقها ،سواء قبل الاستعمار أو عنده و بعده دويلة تسمى بالدولة الصحراوية المزعومة ،فهي كانت محكومة من طرف الدولة المغربية العلوية ثم جاء الاستعمار الاسباني ، ومستحيل أن تكون قد حكمت من طرف الجزائر أو لها بها صلة ما ،لأن هذه الأخيرة قد كانت دائما بدورها تحت التناوب الاستعماري ،إما من طرف العثمانيين أو الفرنسيين ،ولم تتحرر إلا بواسطة مساعدة الأشقاء العرب وعلى رأسهم المغاربة كمساعد رقم واحد.
لما دخل المغرب العيون وضم الصحراء إلى وطنها الأم قام وجهاء المنطقة الجنوبية بتقديم الولاء وتجديد العهد للدولة العلوية وربط الجنوب بالشمال ،إذ العودة إلى الأصل أصل.فكان أبناء وأحفاد الشيخ ماء العينين والشيخ خاطري الجماني وباقي القبائل الحسانية الشريفة أول من بادر بالاستجابة لهذا الواجب.
وعند هذا الوضع قبل الملك الحسن الثاني بمبدأ الاستفتاء على ثقة منه بأن أبناء الصحراء الأوفياء لن يرضوا إلا بأصالتهم وانتمائهم التاريخي والروحي والسياسي للدولة والوطن المغربي العريق والعميق.
إن المخادعين والمناوئين والمتآمرين حولوا هذا المبدأ إلى خدعة واستدراج وتحكم في اللوائح وتعداد السكان الأصليين الذين ينبغي أن يمارسوا هذا الحق بوجه قانوني .فعرضوا لوائح مزورة ومهيأة على مقاسهم وهواهم.و هذا التلاعب لا يمكن أن ينطلي على الداهية والسياسي المحنك الحسن الثاني ،الذي كان يقرأها وهي طائرة في الهواء ،كما يقال!!! فكان المطلب هو مراجعة اللوائح وإدراج كل السكان الأصليين والمكونات العرقية والطيفية واللغوية والجهوية للمناطق الصحراوية .إذ بهذا الوجه يمكن أي يتم الاستفتاء ويحسم الأمر.هذا مع أن الاستفتاء بهذه الحالة يبدو في غير محله، وهو ليس إلا تفضلا ومراهنة محسومة.لأن مالك الدار لا يستفتي أهله هل هي داره أم دار غيره !!! .
غير أن الانفصاليين البوليساريو ووالدتهم ،أو حاضنتهم غير الشرعية في الجزائر، أبوا إلا أن يتعنتوا ويخذلوا ويرعدوا ويزبدوا بغير طائل،فحملوا السلاح وأزهقوا الأرواح وتسببوا للمغاربة في خسائر ومضايقات كلفتهم أثمانا باهظة ،على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والنفسي ،ففتنونا نحن المغاربة أيما فتنة، وبغير مبرر شرعي ولا قانوني:” إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ “. حتى إن الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى قد عبر، لما نفذ صبره واستنفذ كل محاولاته السلمية لحل المشكل ،بهذا البيت للشاعر العربي عمرو بن كلثوم :

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
– إلى أن قال:
أَنَّا المُطْعِمُونَ إذا قَدَرْنا وأَنَّا المُهْلِكُونَ إذا ابْتُلِينا
وأَنَّا المَانِعونَ لِمَا أَرَدْنا وأنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينا
وأنَّا التَّارِكُونَ إذا سَخِطْنا وأنَّا الآخِذُونَ إذا رَضِينا
وأنَّا العَاصِمُونَ إذا أُطِعْن وأنَّا العازِمُونَ إذا عُصِينا
ونَشْرَبُ إنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً ويَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وطِينا

ثالثا:المغرب وملكيته العملية لتحديد المسار وتقرير المصير

من هنا فموضوع الاستفتاء و تقرير المصير يكون قد عف عليه الزمن وتجووز ولم يعد معقولا ولا مقبولا ،اللهم إلا إذا أعيدت الأرواح لأجسادها وتم إحياء الموتى وأعيد العد لمن يمثل الصحراويين من غيرهم.وهذا من سابع المستحيلات.وإن شئنا قلنا فليكن الاستفتاء عاما يشمل كل الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة وسائر مناطق الصحراء المغربية حتى كلميم وطانطان وبوجدور وغيرها .وهذا ما لايطيقه الانفصاليون ومحرضوهم لأن النتيجة مسبقا ستكون لصالح الوحدة والالتحام بالوطن الأم: المغرب العزيز.

وكنظرة سريعة من أعلى على الصحراء المغربية نجد أن المناطق التي هي تحت سلطة الدولة المغربية قد أصبحت حضارية وعصرية ومزدهرة ومتمتعة بكل مظاهر الحداثة والرقي ،أي جمال في جمال وأناقة في أناقة ورقي في رقي .بينما على العكس من ذلك فالمناطق التي تحت سلطة البوليساريو والجزائر هي مناطق التوحش والقفار والبؤس المفتعل ،كما يعبر عن ذلك ابن خلدون.فلا حضارة ولا بناء ولا تشييد ولا طرق ولا شيء.

فهل يا ترى يقاس الخلاء بالملاء، وهل يكون من الأولى الانضمام إلى بلد الخير والرخاء أم التشبث بوهم الشر والشقاء؟.
ولو شئنا ومن غير مبالغة قلنا :بأن ما يحدث في صحرائنا المغربية العزيزة من تحديث وتطوير وتجميل أفضل بكثير مما يحدث في المدن الرئيسية للجزائر المحتضنة للانفصاليين والزاعمة الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.ف” أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟ “.والله الهادي إلى الحق والصواب.

*كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...