مهام ودور الإمام في إيطاليا رهانات و تحديات -الجزء الأول-

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

” إن منصب الإمام في آفاق الدنيا أو في آفاق الدين يتطلب صبر السنين و تغضين الجبين.. فليضع المرء نفسه أولا في عزلة و في صمت و في تؤدة، كالشجرة التي يختفي أصلها في ظلمة التراب أمدا تتكون فيه التكون الصحيح، ثم تبدأ تشق طريقها إلى الهواء و الضوء “.
(الشيخ محمد الغزالي)

مقدمة:

الإمامة مبدأ عظيم من مبادئ الشريعة خصوصا إذا أضيفت لها بعض المهام التي لا تقل أهمية وبالأخص عند مجتمع المسلمين في الغرب أو في بلدان لا زالـت تعتبـر الديـن الإسلامـي معتقـد غريـب و دخيل عن مجتمعاتهم و عاداتهم و جذورهم المسيحية.

ومن هذه المهام التي يمكن أن ينبري لها الإمام هي الخطابة و التدريس، و الوعظ و الدعوة، و تسيير شؤون المسلمين و أحوالهم الشخصية؛ كالزواج و الطلاق و النزاعات و الولائم و المآتم و غيرها. فهو يمكن أيضا أن يسير الإدارة و يمثل المسلمين كقائد و متحدث رسمي عند الجهات و المؤسسات في شتى المجالات. إن حضور الإمام هنا وازن ودوره جد محوري بل هي أدوار متعددة و متشعبة و بالتالي فالمهمـة جـد متعبـة و مسؤولية و أمانة تحتاج للصبر و التحمل والنفَس الطويل، و اليقين و التوكل، و الحكمة و الأخلاق الكريمة، و حسن التدبير و التصرف، لأن أمامه عقبات كثيرة و تحديات ضخمة و عسيرة كالجبال الشاهقة لا بد لها من متسلق بارع ذو قوة وشكيمة، وحكمة بالغة. إنه يحمل أمانة ثقيلة عجزت السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و أشفقن منها، و يحمل رسالة خالدة عالمية رحمانية ووجودي. ونادرا ما نجد من يتحمل هذه المسؤولية و يتصدى لهذه الأمانة بكل نزاهة و جدارة إلا من وفقـه الله و من يسر له سبل الإعانة و البطانة، فلذلك و جب احترامه و مساعدته و إسداء النصح له إذا قصر بأداء واجبه، و إحسان الظن به و الإبتعاد عن تتبع عوراته و زلاته.
قال تعالى: ” وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ “.

تعريف

الإمام لغة: هو القدوة و المثال، إمام القوم المتقدم لهم.
يقال حسن القيام بإمامته إذا صلى بنا.
إمام الغلام في المكتب هو ما يتعلمه كل يوم، إمام الإبل حاديها.
و يطلق أيضا على القرآن إمام المسلمين أي كتابهم و هاديهم.
و ورد أيضا قوله تعالى: “وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ” أي طريق واضح و معبد يؤمون الناس عليها في أسفارهم، و هناك معاني أخرى للفظ إمام.
أما اصطلاحا: الإمام هو الرجل العالم الجامع للخير و هو الذي يؤم المصلين في الصلاة، أي يقتدوا بـه و إمام المسلمين خليفتهم. (لسان العرب لابن منظور)

1- تحديات الإمام في بلاد الاغتراب

يعتبر الإسلام عند أغلب الدول الغربية و خصوصا الأوروبية كيان و كتلة مهدِّدة – بكسر الدال – لنسيجهم الإجتماعي و الثقافي و الديموغرافي و بالتالي فهو خطر وجـودي، لأن الشعوب الأوروبية بإيعاز وتأثير قوي من أرباب الكنائس والبابوات المتعاقبين والأساقفة المنتظرين أصبح لهـم رواسـب تاريخيـة و تقاليد موروثة منذ القرون الوسطى الأولى حسموا فيها هذه النظرية على أنه “لعنة” أُرسلت عليهم من السماء لأنهم تجرؤوا على الخطيئة بعدما خلّصهم منها نبي الله المسيح عليه السلام حسب معتقداتهم، زد على ذلك كون الإسلام بالنسبة لباقي الأديان ليس له تمثيلية أو مرجعية ينسب إليها فلذلك حاول بعض المستشرقين إعطاءه هذه الصفة والنسبية أنه دين “محمدي” نسبة لنبي الإسلام و لا زال بعض الدارسين ينعتون المسلمين بأنهم “محمديون”.

ثم إن ما زاد الطين بلة في التكوين الذهني للإنسان الغربي هو تعميم الأديان كمعنى واحد تكوّن ذلك خلال عصر النهضة عندما ثار الأوربيون على الكنيسة فيما يعرف بالثورة اللوثرية و الجاليلية و بعد ذلك الفكرية المادية حيث انقلبت أوربا على كل ما هو ديني بأنه منغلق و ظلامي واعتبرت هذه العصور الوسطى بأنها عصور الظلام الأوروبية. هذا بالإضافة إلى الإيديولوجيات الحديثة كالشيوعية و الرأسمالية و الإشتراكية و العلمية بحيث أصبح أحد أهم أسسها هو العلمانية و اللادينية و الإلحاد، فلهذا يجب أن تُأخَذ بعين الإعتبار هذه المسَلَّمات الغربية كبديهيات و هذه الأحكام المسبقة، لكل من تَصدّر لنقاش أو جدال مع الأوربيين، بحيث أن المنصف منهم يمكن أن يعطي هامش للحرية الدينية باعتبارها -عند العلمانيين واللاأدريين- تهذب النفوس و تسمو بالأخلاق و القيَم لكنها تبقى مسألة متعلقة بين العبد و معبوده أو حبيسة المحراب والمائدة، و ليس لها أي دخل في شؤون الناس العامة “دع ما لقيصر لقيصر و ما لله لله” المقولة المنسوبة عندهم للمسيح عليه السلام للدلالة على فصل الدين عن الدولة.

تحت هذه المظلة و في ظل هذه الظروف بدأ ينشأ الإسلام في الغرب في القرن العشرين و بدأت تتكون النواة للمجتمع الإسلامي فـي أوربا مـع استيطـان العمـال المهاجريـن الأوائـل مـن شمـال إفريقيـا و تركيا خصوصا من المستعمرات الفرنسية نظرا لتقارب التفاهم اللغوي و الثقافي كالجزائر و المغرب و تونس، هنا انتبه الساسة الأوربيون إلى هذه المستجدات بعد حدوث التجمع العائلي للمهاجرين في فرنساو بلجيكـا و ألمانيا و هولندا ثم إسبانيا و إيطاليا. بأن هذه الشريحة المجتمعية لها خصوصيات ثقافية و دينية مغايرة لمجتمعاتهم، ولها ضرورة و حاجيات ملحة للإندماج و العيش الكريم، بذلك كانت النقلة الكبرى مع اعتـراف بلجيكـا بالإسـلام كديانـة رسميـة للمجتمع، ثـم بنـاء أول مسجـد فـي فرنسـا و توالـت القوانـيـن و الرسومات في باقي الدول كألمانيا و إسبانيا حول كيفيـة إعطـاء المسلميـن هامـش مـن الحريـة الدينيـة والإعتـراف بالإسـلام كديانـة لهـا أحوالهـا الخاصـة و متطلباتهـا التعبديـة و ظهـرت مسائـل كالمساجـد والتعليم الديني و اللغوي، و المقابر و المجازر و الحجاب و غيرها.. و باختصار مسألة الاندماج الإيجابي للمسلمين في أوروبا.

بالطبع هنا بدأ يظهر الدور الكبير الذي يلعبه الإمام، كشخص متميز داخل المنظومة الإسلامية فهو أصبح ينوط بمهام جد عالية بإزاء رؤساء الجمعيات و الممثلين عن الجاليات المسلمة، فهؤلاء هم لسان المسلمين الوحيد و الصوت الـذي يمكـن أن يحـاور صانعـي القـرار فـي هـذه البلـدان، بـل إن التغيرات المتسارعة أدت لظهور تحديات أخرى و رهانات اجتماعية خصوصا مع صعود الجيل الثاني لأبناء العمال المهاجرين المسلمين، وبروز مسألة الهوية و الانتماء وكذلك اتخاذ القرار حول المكوث والإستقرار الدائم في أوربا أو العودة لبلدانهم الأصلية.

فهنا لم تعد فقط مسألة إقامة الصلاة أو إلقاء خطبة الجمعة أو دروس اللغة فقط هي تحديات الإمام بل أصبح الأمر يحتم ضرورة مأسسة الحقل الديني عند المسلمين في الغرب بحيث يصبح هذا الحقل كثر تنظيما وأشد اهتمامات وبموازاة استجابته لمتطلبات الجالية المسلمة المتعددة وجب تقنينه وإخضاعه للقوانين والمؤسسة لتكوين الجمعيات والمراكز في بلدن الإستقبال، وبسبب النقص في الأطر والأئمة و الدعاة المربين توالت البعثات من الـدول الإسلاميـة للإستعانـة بالعلمـاء و الخطباء والوعاظ و هـذا الأمـر بـدوره يحتـاج لـوقـفـة لأن هـؤلاء الأئـمـة والمرشدين لم يعايشوا ظروف المهاجرين و بالتالي لا يستطيعون أن يلبوا حاجيات المسلمين و تطلعاتهم لحل مشاكلهم، و كيفية تعاملهم مع هذا العالم الغربي و بالأخـص فـي موضـوع تربيـة الأبنـاء و الجمع بين الإنتمـاء للهوية الإسلامية و الإندماج الإيجابي في العالم الغربي مما أدى إلى شرخ بين جيلين دفع الأبناء إلى التصادم مع الآباء و تحولت الهوة إلى انفصام مَهول بين جيل قليل الإطلاع و التعلم و متشبع بالتقاليد الإسلامية، و جيل متعلم و منفتح على الأفكار الغربية.

يتبع… الجزء الثاني
“التحدي العقلاني التنويري للإمام”
سلسلة في أجزاء حول البحث الجامعي للتكوين العالي للأئمة والمرشدات بإيطاليا جامعة بادوفا 2019.

*ذ. أحمد براو: وسيط ثقافي وناشط جمعوي باحث في جامعة كالابريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...