أسئلة مرتبطة بالتجمع الحاشد في مدينة العيون المؤيد لاعتراف الولايات المتحدة الامريكية بمغربية الصحراء
مصطفى سيدي مولود
طرح علي ثلاثة أسئلة مرتبطة بالتجمع الحاشد في مدينة العيون المؤيد لاعتراف الولايات المتحدة الامريكية بمغربية الصحراء: يقول البعض أن أغلبية هذا الجمع ليس بصحراويين. و يقول البعض بأن الصحراويين بمخيمات تندوف أيضا ليسوا جميعهم من أصول مغربية.. ألا يعرقل هذا الواقع حل المشكل سلميا؟ ثم ما الذي يعرقل برأيكم عودة الصحراويين المغاربة اللاجئين من تندوف إلى وطنهم؟
الجواب:
سأكون اكثر دقة في استخدام المصطلحات لتقريب الفكرة و عدم استخدام المصطلحات جزافا. فالاصول المغربية جامعة لأغلبية عرب و امازيغ الصحراء الكبرى، لذلك سأستخدم من الساقية الحمراء ووادي الذهب بدلا من المغرب. و رغم ذلك لما نعود للاصول بمعنى الجذور فغالبية سكان المخيمات ينتمون لقبيلة الرقيبات التي فرقت الحدود الموروثة عن الاستعمار مجال انتجاعها الجغرافي بين الساقية الحمراء ووادي الذهب و جنوب غرب الجزائر و شمال موريتانيا. و هم يشكلون قريبا من 70%او يزيدون من سكان المخيمات حاليا.
جدهم المشترك الشريف سيد احمد الرقيبي الادريسي القادم من داخل المغرب و ابناؤه استوطنوا الساقية الحمراء في القرن السادس عشر، ومع مرور الزمن و كثرة الاحفاد توسعت القبيلة لتحتل فضاءا واسعا من الصحراء الكبرى. حتى وصل مجال انتجاع أفرادها حدود “شنقيطي” جنوبا، و “عرك شاش” شرقا (انظر مجسم الخارطة المرفق الذي يوضح مجال انتجاع كبريات قبائل المنطقة أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين )
خضع شمال إفريقيا برمته للاستعمار، و كانت منطقتنا المغاربية من نصيب فرنسا و اسبانيا اللتين رسمتا الحدود السياسية التي نعرفها حاليا. لذلك وجدت قبيلة الرقيبات كبرى قبائل الصحراء، نفسها مقسمة بين الساقية الحمراء ووادي الذهب و شمال موريتانيا و جنوب غرب الجزائر، كما قسمت اولاد أدليم بين وادي الذهب و شمال موريتانيا، و قبائل تكنة بين واد نون و الساقية الحمراء و غيرهم من القبائل.
و إذا أخذنا قبيلة الرقيبات نموذجا باعتبارها تشكل( 52%) من المسجلين في الاحصاء الاسباني لسكان الاقليم لسنة 1974( أنظر جدول النسمات المرفق في الصور ). و باعتبارها العمود الفقري لجبهة البوليساريو، بحكم انتساب اغلبية سكان المخيمات لها.
نجد أنه مع اندلاع النزاع منتصف السبعينات نزح من نزح من أبناء القبيلة من الاقليم الى الجزائر، مشكلين بذلك النواة الاولى لما سيعرف بمخيمات اللاجيين الصحراويين، لينضم اليهم لاحقا ابناء عمومتهم من الجزائر و موريتانيا، و يؤسسون لأكبر تجمع بشري لقبيلة الرقيبات منذ نشأتها في القرن السادس عشر. و مع انضمام العديد من القبائل الاخرى لهذا التجمع و إن بنسب أقل في رقعة جغرافية ضيقة و تحت نظام واحد، تشكل ما ستسميه الجبهة الشعب الصحراوي.
هذا التجمع البشري المسمى سكان المخيمات الصحراوية الذي تجمع الاصول القبلية أغلبه، و إن كانت تفرقهم الجغرافيا، بعد مرور قرابة نصف قرن من العيش في رقعة جغرافية واحدة، و ما رافق ذلك من ترابط أسري و تآلف و تجانس، اصبح من المعيقات الكبيرة ان لم يكن اكبر عقبة امام اي حل سياسي.
و منه أصبح نزاع الصحراء إقليميا بامتياز ليس في أصل المشكل فحسب بل حتى في الحل.
فبلغة الارقام، و دائما بأخذ قبيلة الرقيبات نموذجا، باعتبارهم يشكلون اغلبية سكان المخيمات و الشعب الصحراوي الذي تريد له الجبهة الاستقلال. فاكثر من ثلث سكان المخيمات هم من الرقيبات الذين كانوا تحت الحماية الفرنسية في الجزائر و موريتانيا. و هؤلاء مصالحهم الاصلية قبل النزاع إما في الجزائر حيث ما يزالون او في موريتانيا التي انقطعوا عنها منذ ازيد من اربعة عقود، و لم يعد لديهم ما يعودون اليه. و بلدانهم الاصلية لا تطرحهم كمشكل يحتاج حل، بل لم تعد تعتبرهم من مواطنيها من الاساس. و ان كانت الجزائر توسعت نسبيا في منح جنسيتها حتى لمن لم يكونوا يعيشون فوق اراضيها من الرقيبات. إذ تقدر بعض الجهات الضليعة بالموضوع أن حوالى 65 الف من سكان المخيمات باتوا يحملون الجنسية الجزائرية و أن ما بين 15 الى 20 الف منهم قد إستفادوا من منازل بالتندوف، و العديد من أبنائهم امضى فترة الخدمة العسكرية في الجزائر لاشتراطها في بعض الحقوق ، و من أبنائهم من تخرج من الدارس كلاجئ ثم غير شهادته الى الاسم الجزائري وهم الآن موظفون جزائيون أو يتقاضون اعانات من الدولة الجزائرية، و يشاركون في الانتخابات الجزائرية، و بهم تتصدر ولاية تيندوف أعلى نسب مشاركة في المناسبات الانتخابية بالجزائر.
لا تصرح الجزائر بأن المجنسين الصحراويين من رعاياها، إنما منحتهم جنسيتنا تحت الطاولة لتجذر ربط مصالحهم بها، فيصير لهم حق التملك و العمل و الاندماج في الجزائر باعتبارهم يشكلون الثلث الضامن لمصالحها في نزاع الصحراء مهما طال امده، ما داموا جزء من الشعب الصحراوي الذي تطالب له بالاستقلال (على شاكلة الثلث المعطل في المعادلة اللبنانية).
و لهذا السبب ترفض الجبهة و الجزائر فكرة إحصاء و تسجيل اللاجيين لدى المفوضية السامية لغوث اللاجيين، كما يطالب بذلك المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الامن.
و في غياب رغبة حقيقية لدى الجزائر في انهاء النزاع و عدم تشجيعها لحلول دائمة تنهي محنة لجوء الصحراويين فوق اراضيها، يبقى نازحوا الساقية الحمراء ووادي الذهب الى المخيمات رهائن لحل سياسي لا يبدو قريبا.
فبالنسبة للجزائر هم مصدر شرعية اللجوء بحكم ارتباطهم بالاقليم المتنازع عليه. أي انهم هم من اعطى لباقي جسم سكان المخيمات اسم الصحراوي الذي تنازع به الجبهة و الجزائر المغرب، و بدونهم البقية هم اما جزائريين او موريتانيين بحكم البلد الاصلي للاجئ. و هي مضطرة لابقائهم في المخيمات بشتى الوسائل اهمها التفقير: مضايقتهم في مصادر عيشهم، و عدم منحهم وثائق تسهل لهم العمل و التملك فوق التراب الجزائري على غرار بني عمومتهم الذين انضمو اليهم من الجزائر، كي تبقيهم منشغلين بقوت يومهم و رهائن لما تجود به المنظمات الدولية، فلا يستقلون عنها ماديا، مع دعاية لا تنقطع من خلال غرس في الاذهان منذ النشأة أن المغرب هو سبب كل مآسيهم و انه يريد إفناءهم و يريد أرضا بلا شعب لقطع الطريق حتى على مجرد التفكير في العودة و غيرها من الدعاية التي تفتحت عليها عيون غالبية من في المخيمات اليوم، و غالبيتهم اما مزدادين في المخيمات او جاؤوها و هم صغار. و من تملك منهم الوسائل للعودة و كسر حاجز الخوف من الصورة النمطية المرسومة في ذهنه عن المغرب “الاسود” التي تنشأ عليها و عاد الى ارض الوطن تتبعه اللعنة و صنوف الدعاية و التشهير في المخيمات و حتى في الاقاليم باستخدام الجسم المؤيد للجبهة في المغرب.
و بالمناسبة و لفهم الدرجة التي تنظر بها الجبهة و الجزائر لقضية العودة الى ارض الوطن، فالعودة تعرف في قانون العقوبات في المخيمات فرارا الى العدو المصنف ضمن فصل الخيانة و يعاقب عليها بعشر سنوات فما فوق.
و بالنسبة للمغرب، لا يمكنه المساهمة في إنهاء محنة اللاجيين، في غياب إتفاق سياسي، تكون من ضمن بنوده عودة اللاجيين، و الشريك السياسي سيكون إما:
1- تيار صحراوي وازن يقبل المقترح المغربي للحكم الذاتي للاقليم.
2- او تقبل الجزائر الجلوس على طاولة التفاوض مع المغرب
عدا عن ذلك ستبقى محنة اللاجيين مستمرة و جدل من هو الصحراوي قائما، ما لم ينجح المجتمع الدولي في إجبار الجزائر على إحصاء و تسجيل اللاجيين الصحراويين، ليتكشف من منهم مشكلة مغربية عليه حلها، و من منهم مشكلة جزائرية او موريتانية يتحمل كل بلد حلها بشكل أحادي او في إطار تقاسم الاعباء بالاشتراك مع المجتمع الدولي. و هو أمر لن تقبل به الجزائر التي استثمرت لنصف قرن في مشروع البوليساريو.





