*ذ. أحمد براو
بالنسبة للأحداث الراهنة الساخنة في المغرب من الناحية السياسية والإجتماعية والجدل حول المستجدات الأخيرة الخاصة بموضوع الصحراء وملف التطبيع والإعلان الرئاسي الأمريكي، تفرق المغاربة المقيمين بالخارج حولها كثيرا وخاصة مسألة توزيع صكوك الوطنية والمزايدات حول الإنتماء ومسألة التعبئة والتشبث بالثوابت حتى أضحى الكل يتوجس وينتظر الفعل ورد الفعل ممن هو مساند للقرارات المتخذة من لدن السلطة السيادية المغربية والتي جاءت بطريقة مفاجئة حتى للتكتل الحكومي الذي يغلب عليه طابع الإسلاميين وهم من كانوا من قبل ينفون أي قرار التطبيع مع “العدو الصهيوني” كما جاء على لسان رئيس الحكومة المغربية، وبين من هو معارض لهذا القرار خصوصا في سياقه وتوقيته الحالي بحيث ارتبط بأربع أحداث مهمة أولها قرار بعض الدول العربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل ثانيا الأحداث الأخيرة في منطقة الحدود الصحراوية الكركرات ثالثا فتح بعض القنصليات في جنوب المغرب وأخيرا إعلان الرئيس الأمريكي ترامب وهو في آخر أيامه الإعتراف بسيادة المغرب على الصحراء وتبنيه لحل الحكم الذاتي بحيث بدا ذلك كأنه صفقة متكاملة مقابل التطبيع، كل هذه المستجدات المتراكمة تركت انطباعا سيئا لدى أغلب المغاربة المقيمين بالخارج ممزوجة بالدهشة إن لم نقل الصدمة كأن التطبيع بأمر من الأمريكان لا يليق بالسيادة المغربية والتاريخ المغربي المتميز بالنسبة لمساندة القضية الفلسطينية َخصوصا بيت المقدس، وبذلك حولت المغاربة إلى موقف للدفاع عن النفس بسبب الإتهامات التي انهالت عليهم بسبب الهرولة نحو الحضن الصهيوني والخيانة للقضية الفلسطينية.
– مواقف وأدلة المؤيدين والمعارضين
في ظل هذه المواقف المرتبكة والصعبة دفعت المغاربة إلى تبني أطروحتين لا ثالث لهما أولا المساندة الكاملة لجميع القرارات المتخذة من قبل السلطة الفعلية الحاكمة في المغرب وهي المؤسسة الملكية وتبني كل ما ورد حولها من بيانات واتصالات سواء مع الرئيس الأمريكي أو رئيس السلطة الفسطينية لتطمينه بأن المغرب سيبقى مساندا قويا رغم فتحه باب الإتصال المباشر رسميا مع إسرائيل، واعتبارهم أن قضية المغرب الأولية هي وحدته الترابية “تازة قبل غزة” وداعما لما يقوم به المغرب من أجل الحفاظ على مكتسباته السياسية والدبلوماسية لمجابهة الإنفصاليين لأن الصراع جد شرس ويحتاج لكل المجهودات من أجل حسمه وإنهائه بالحل المقترح وهو الحكم الذاتي الموسع. أما الرأي الثاني والموقف من هذه الأحداث فأطروحته هي أن مسألة التطبيع مع الصهاينة صفقة فاشلة بكل المقاييس وتعتبر طعنة في ظهر القضية الفلسطينية وكل من ساندها ودافع عنها وانقلاب على الإجماع العربي بأنه لا سلام مع اليهود حتى قيام الدولة الفلسطينية وإنهاء الإحتلال والإستيطان وخصوصا الإذعان الضغوط الأمريكية مقابل إعلان رئاسي جاء في المرحلة الأخيرة للرئيس ترامب ليس له قيمة قانونية قوية وليس حتى مرسوما رئاسيا وممكن أن لا يصادق عليه ويمرر في العهدة القادمة للرئيس بايدن.
– إيجابيات وسلبيات كلا الرأيين.
هذان الموقفان تطورا بشكل سريع بعد إعلان الجهات الرسمية و الأحزاب والكيانات المغربية مساندتها للقرارات المتخذة فيما عارضها حركات وجماعات ومنظمات من المجتمع المدني وشخصيات وازنة، كل هذا يدل على أن الشعب المغربي داخل وخارج المغرب أصبح أكثر اهتماما بقضايا الوطن بحيث يبدي آرائه َأصبح يناقش ويعارض أو يدعم بكل حرية وتجريد ومن دون تأثير خارجي أو داخلي وهذا يدل على نضج ووعي سياسي أصبح يتكون عند المغاربة بالمهجر، عكس ما تعودوا عليه من قبل بحيث كان هناك عزوف عن الأمور السياسية وتجاهل القضايا المصيرية الوطنية الداخلية والإقليمية والدولية، ظهر ذلك إلى ارتفاع عدد المسجلين في اللوائح الإنتخابية بعد تعبئة القنصليات بخصوص الإستحقاق الإنتخابي ربيع السنة المقبلة، هذا النضج والوعي في مسألة الرأي والرأي الآخر بكل احترام ووعي حضاري يعتبر أكبر مكسب للمغرب وللمغاربة بحيث وجب الحفاظ عليه وهو يبني دولة نموذجية في قارة إفريقيا وإقليم عربي يغيب عنه للأسف هذا التطور الحضاري وهو قبول الآخر والتعايش مع المخالف بدون تخوين أو اتهام أو أي تنقيص أو تبخيس، فقط تسرعت بعض الأقلام باتهام المعارضين للتطبيع بأنهم غير وطنيين وبأنهم لا تهمهم مسألة الوحدة الترابية والثوابث الوطنية بسبب إبداء رأيهم في أحد الأمور البديهية وهي قضية العرب والمسلمين الأولى لأنها تخص عقيدتهم وإيمانهم سواء بالقضية أم بالمقدسات، بالمقابل اتهم المعارضون لكل المطبلين للتطبيع بالهرولة وراء السراب وبخيانة فلسطين والفلسطينيين.
في رأيي المتواضع فكليهما سلك طريق التنافر والتنابز وكيل الإتهامات وهو طريق فاسد لأن الإنسان بطبعه شديد الإعداد بنفسه قد يتصور نفسه المالك الوحيد للحقيقة وليس طرفا في بنائها وقد يكون هذا هو حال الطرف الآخر ففي مثل هذا الموقف قد يتعصب كل لموقفه ويدعي أنه وحده يمتلك الحقيقة ليتحول النقاش والحجاج إلى سباب وعراك يخرج عن حدود اللياقة والإحترام ومن تبنى ذلك فقد أسهم في إهدار الطاقات وتكريس الأزمات فيما يتقلص هامش الحريات والحقوق، فلا يفسد للود قضية كما يقال إذا ما اختلف اثنان حول موضوع إذا كم همهما الوصول للحق وإثباته فتقييم الآراء ومراجعتها هو السبيل للوصول لحل مجمع عنه وهذا ديدن المفاوضين السلميين.
– الرهان على المقاومة الشعبية ضد التطبيع
يبقى أن نعترف للدولة المغربية بحسن تدبيرها لملف الصحراء بحيث استطاعت بالحنكة الدبلوماسية أن تشق صف كل المشككين في حسمها وحزمها بخصوص الوحدة الترابية وكذلك المجهودات الجبارة للمؤسسة الملكية أولا في فك العزلة الإفريقية وإحداث تحالفات واتفافيات مساعدات وتفاهم مع عديد من الدول الإفريقية وغيرها ممن كانوا معترفين ب”الجمهورية الصحراوية”وبذلك كسبت انحيازها للموقف المغربي القاضي بوحدته الترابية وسيادته على الأقاليم الجنوبية للمملكة، كما نشير أن ملف التطبيع مع الإسرائليين جاء في مرحلة حرجة بحيث لازال هناك غالبية من الدول العربية لم تعلن بعد عن هذه الخطوة وبذلك اعتبرت خروجا عن الإجماع العربي وخصوصا الوجدان الشعبي المعارض لخطوات التطبيع المجاني بدون حصول الفلسطينيين عن أبسط حقوقهم.
وفيما نلتمس بعض الأعذار لأصحاب القرار بسبب الضغوطات المستجدة والتغيرات الدراماتيكية والظروف الدولية الراهنة فليس هناك عذر فيما يخص مقاومة الشعوب بكل وعي وحضارة لأي محاولة للتطبيع الثقافي والفني والرياضي وغيره من مجالات الاتصال والصلح والسلام مع المغتصبين لأن في ذلك تكريس للظلم، ودعم للإحتلال، وتهويد للمقدسات، وتنكيل بإخواننا الفلسطينيين، ولنا في الشعبين الأردني والمصري أكبر مثال على هذه المقاومة الشعبية الحصينة رغم معاهدات السلام الموقعة منذ عدة سنوات لبلديهما مع الإسرائليين.
فالمغاربة هم أهل التعايش والتسامح والكرم ولا يزايد أحد على ثقافة الشعب المغربي المحب للعدل والسلم وفي نفس الوقت لا يفرط في ثوابته الوطنية ومقدساته الدينية.
*وسيط ثقافي وناشط جمعوي باحث في جامعة كالابريا





