زيد عيسى العتوم
ربما لا نضيف شيئاً جديداً عند الحديث والتفصيل بمنظومة انعكاسات ذلك الوباء المستجد, فالتداعيات الكارثية قد تعدّدت وتشعّبت وتلوّنت حتى غدت عميقة الأثر وبعيدة الأمد, بالإضافة لجملةٍ عريضةٍ من الضغوط النفسية والقهريّة المعنونة بالخوف والحزن, وتبقى مطرقة السؤال الأهم تدقّ سندانها بأن هل ومتى ستعود الحياة الى سابق عهدها!, وهل بانحسار الوباء نفسه ستنحسر تلك النُدب الغائرة في المزاج الجمعيّ والذاكرة الانسانية بشكل عام!, وهل سيتراجع من انسحبوا طوعاً من عالمهم الخارجيّ وانكفئوا برغبتهم على انفسهم رغبةً في العيش وطمعاً في الأمان!, اذن فالمصيبة مؤلمة وعامة لكنّ منظورها والتفاعل معها لا بدّ وأنه يختلف باختلاف التفكير ويتباين بتباين العين.
قد لا نختلف عن بعضٍ من غيرنا ولكن هذا شأنهم وهذا شأننا, فمنذ بداية الجائحة وفي مهدها لم يكترث الانسان العربيّ لها كونها محصورةً ونائيةً وربما غامضة في بؤرتها, ولم يأخذ على الأغلب في حسبانه امكانية وصولها وتمدّدها ربما من باب النأي بالنفس عن ما يقضّ مضجعه, وما أن قطّعت سياجه وعبرت حدوده حتى ادار ظهره لها وشكك بوجودها وقزّم سطوتها, كونها برأيه افرازاً مقيتاً من نظرية المؤامرة التي الفها وآمن بمنظّريها, تحتاج منه في أحسن الأحوال مجرد جملةٍ من الإنكار وجرعةً عابرة من التشكيك, لدرجة القول أن هذا كله غير موجود اصلاً سوى في اذهان الواهمين وخزعبلات المتشدقين, ثم استفحل ذلك العابث الوافد الينا ليقابَل بالهرولة الساذجة على الأغلب صوب خلطات الخالطين وابتكارات العطّارين واكاذيب المنجمين, وليترك عندئذٍ بعضُ رجال الدين خُطبهم الداعية للخير ومكارم الاخلاق ويتفرغوا لربط ما لا يُربط واقتران ما لا يجوز اقترانه, فيتبضّعون من التاريخ ويستدعون من الاديان المنزّهة ما لذّ وطاب لهم, ونسوا او تناسوا ان لكل علم اهله وادواته, وان حتى محترفي الطب لا يحقّ لهم الفصل في علوم الفقه بلا دراسة او اختصاص, ثم يعمّ البلاء ولم يُكتشف الدواء, فيبدي الانسان العربيّ نوعاً من عدم الأخذ بعوامل الوقاية واسباب السلامة ما دامت الجائحة في الشارع المقابل لبيته, وما دام الموت يتجوّل على الضفة الأخرى من النهر, وما دام ذلك المخلوق اللئيم لا تراه العين ولا تُطبق عليه اصابع اليد, ويتصاعد الضيق ويتقهقر الصبر والتحمّل, فتشدوا بعدئذ العقولُ والقلوبُ املاً بأن يبصر ذلك اللقاح السحريّ النورَ قريباً, وتنفطر الأفئدة بمجرّد سماعها ان ذلك الرجاء يحتاج الكثير من الوقت وربما الحظ ايضاً, في وقت لم تستطع فيه الاصابع العربية بأذرعها العلمية والتقنية ان تفعل شيئاً, وفي اوانٍ اجتهد فيه وتفانى علماء الغرب والشرق فوق طاقتهم, ولزموا مراكزهم البحثية ومختبراتهم العلمية بأكثر من الليل واطول من النهار, وليدخلوا في نفقٍ قاسٍ من المراحل الشديدة التعقيد والارهاق, حتى وجدوا ضالتهم المنشودة وغايتهم المطلوبة, وهنا تلتفّ معظم حالة الثقة العربية لدى الكثيرين حول نفسها, فبدل شعور التمجيد والتكريم واصوات الشكر والثناء والعرفان الموصول, لمن انجزوا المهمة وانتجوا المراد حتى لو كان ذو ثمنٍ وله مقابلٌ يُدفع, عادت نبال التشكيك والتخوين تنطلق من اقواسها مجدداً, فاللقاح الذي تتبارى فيه كبرى المجتمعات المصنّعة لحقنه في اجساد شعوبها اولاً وقبل غيرهم, اصبحنا نحسبه مذاباً بالشرائح المسيطِرة للهيمنة على مدننا وقرانا وسفننا الفضائية!, واصبحت شهور كفاءته ربما المعدودة لا تُرضي فضولنا ولا تُشبع بروتوكولات اهوائنا, وغدى اعداء التباعد الاجتماعيّ وخصوم الكمامات الواقية يُبحرون في غياهب وطلاسم دراسة الاعراض الجانبية!.
ربما أمعنت الكثير من الدول في مصالحها على حساب غيرها اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً, لكنّ قاطرة العلم ربما يحق لصانعيها قيادتها قبل غيرهم شئنا ام ابينا, والى متى سنبقى نتوارى خلف ضعف حيلتنا ورحابة خيالنا, فشككنا بغيرنا وغرقنا في شكنا حتى اصبحنا نشكّ في انفسنا….!





