سلسلة المراجعات الحلقة الثانية ( 2) الحقيقة مطلقة أم نسبية ؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د.ربيع العايدي

 

جاء في مقدمة متن العقائد النسفية قوله : ( حقائق الأشياء ثابتة , والعلم بها متحقق ،خلافا للسوفسطائية )

الحقيقة تعني : ما به الشيء هو هو ، هذا عند من يجمع بينها والماهية . ومنهم من يفرق بينهما بأن الحقيقة تطلق على الأمر المعقول مع اعتبار الوجود الخارجي . وتختص الماهية بالأمر الموجود في الذهن ،فبين الماهية والحقيقة على هذا العموم والخصوص الوجهي .
والمراد بثبوت الحقيقة عند المتكلمين ،ثبوتها في نفس الأمر أولا ، وفي الذهن ،وفي الخارج .
وإذا أردنا أن نضع ما يمكن تسميته بشروط الحقيقة كما هي في المفهوم الفلسفي والكلامي الإلهي نجد أن من شروطها :

أولا : الوحدة

ثانيا: القطعية

ثالثا: الثبات

واختلفت الفلسفات في ايمانها بالحقيقة .

فالسوفسطائية والتي ظهرت تقريبا في القرن الخامس قبل الميلاد ، تضاربت آراؤهم ، حتى وصل بهم الحال إلى نفي اي حقيقة في العالم ، و وصل الأمر ببعضهم إلى إنكار العالم المحسوس ، وآخرون يرون أن الإنسان هو الذي يضفي على الأشياء ما يمكن تسميته بالحقيقة وهو ليس كذلك لأنها تفقد شروط الحقيقة كما مر معك .
فرواد هذه المدرسة يؤمنون بعدة قضايا وعلى تفاوت بينهم أو قل مذاهب اذا شئت :
الاول : نفي وجود شيء ،
الثاني : عدم مقدرة الإنسان على الإدراك .
الثالث: لو فرضنا إدراكه لا يمكن إيصاله للغير ليؤمن به .

أمام هذه السفسطة وقف أرسطو وافلاطون وقاموا بالرد عليها وقد نجحا إلى حد كبير في ذلك .
وكما رد على هذه الفلسفة التي تنفي اي حقيقة مطلقا من حيث ثبوتها أو توصيلها ، المتكلمون والفلاسفة الإسلاميون فقد قاموا بهدم بنيان هذه السفسطة بالمشاهدات الحسية ، والأدلة العقلية القطعية التي قامت بإثبات براهين عقلية على قضايا يقينية بدهية ،وغير بدهية ومن أمثلة ذلك :
الكل أكبر من الجزء .
ومسائل في الرياضيات .
وكل سبب لا بد له من علة وهكذا ….

الحقيقة النسبية :
نشأت مع الفلسفات الواقعية التي أرادت أن تكون وسطا بين السفسطة والحقيقة المطلقة .
يؤمنون بالتجارب العلمية وأنها توصل إلى حقائق معينة ولكن هذه الحقائق ليست واحدة ولا مطلقة ولا قطعية . إذا نحن دائما أمام التجدد في المعرفة .
وقد أجاب المتكلمون : بأننا لا ننكر تجدد المعارف وتكاملها ، ولكن كل هذه الأمور لا تمنع بأن العقل قادر على تحصيل معارف يقينية قطعية ، ووصول العلم التجريبي إلى حقيقة لا يمنعه ذلك من البناء عليها للوصول إلى حقائق أخرى ، أما إذا قام العلم بنفيها فإنها لا تكون حقيقة بالمعني الماضي الذكر، وانما هي نظريات ظنية ، جاءت نظريات وأدلة اقوى منها وقدمناها عليها .

موقف التوجهات الدينية المتطرفة :
لا يخفى على المتخصصين أن هناك تيارا في المتدينين يتوهم أنه صاحب( الحقيقة المطلقة) في كل شيء ، حتى في فروع الإسلام ، فيظنون أن الاجتهادات داخل الإسلام هي حقائق لا يجوز لأحد أن يخالفها ، وما هي في حقيقتها إلا اجتهادات بشرية تقبل الصواب والخطأ . وهذا معنى قول النبي عليه السلام ” اذا اجتهد المجتهد فأخطأ ..” حتى القطعيات لم يمنع الاسلام من بيان أدلتها ومناقشتها ،فإن القرآن مليء بالنصوص على إثبات وجوده تعالى مع أنه من القطعيات والحقائق المطلقة ، وهذا معنى قوله تعالى ” وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ” لم تذكر للتشكيك وإنما قيلت لفتح وتوسعة باب الحوار .
نعم ! إن هذا التوجه الذي بدأ من الخوارج: ( لا حكم الا لله ) ظنا منهم بأن أحكامهم قطعية أيضا وتأخذ قطعيتها من النص الإلهي ، ويكفرون من يخالفهم حتى أنهم كفروا أمير المؤمنين سيدنا مولانا عليا رضي الله عنه .
وعلينا أن ندرك أن فرقا جوهريا بين النص، والاجتهاد في فهم النص ، هذه الشبهة وغيرها جعلتهم يفتحون باب الاجتهاد في الاسلام من باب التنظير فقط وإغلاقه من حيث العمل . !

الحداثيون من أنصار الحقيقة النسبية :
لا يكاد يخلو كتاب من كتبهم من التأكيد على أن الحقيقة نسبية وليست مطلقة ،وهم يكررون كلام من سبقهم من الفلاسفة في ذلك .
ونجد أن الأستاذ ” علي حرب ” توسع في التأكيد على هذه الفكرة في كتابه ” نقد الحقيقة ” كما تعرض لذلك غيره من أبناء هذا التوجه .
أيضا د. علي الوردي وهو متخصص في علم الاجتماع وله إنجازات كبيرة في ذلك يصرح بهذا الرأي كما جاء في كتابه ” مهزلة العقل البشري ” .
ويستدلون بكلام وليم جيمس ( إن الحقيقة ليست إلا فرضية يفترضها الإنسان كي يستعين بها على حل المشكلات ) فالإنسان محتاج إلى الحقيقة التي تنفعه في حياته، مع انها يمكن أن تتغير وتتبدل في أوقات لاحقة حسب المصلحة .
وهذا خلط وخلل واضح بين الحقيقة بالمعنى الكلامي المجرد ، والحقيقة التي تؤمن بها الفلسفة الواقعية ومن بعدهم الحداثيون .
وإن إنكار الحقيقة المطلقة جملة وتفصيلا كما يريدها الحداثيون تحمل خطرا كبيرا المعرفة البشرية ،ويتلخص ذلك :

اولا : هدم المنظومات الأخلاقية في المجتمعات ، وهذا فعلا ما حدث فما كان يرونه فاحشة صار ينادي إليه تحت عنوان الحرية الشخصية .( انظر كتاب قيمنا المهددة ، ل جيمي كارتر) .
ثانيا : إن إنكار الحقيقة يؤدي إلى هدم المعارف الإنسانية والمسلمات البدهية ، وفقدان الثقة بالبراهين العقلية والتنقيص من قيمة العقل .
ثالثا : هدم المقاصد الكبرى التي جاءت تحكم بناءها النصوص ، بحجة أنه ليست هناك حقيقة ثابتة ، فتصير النصوص معلقة في الفراغ لا قيمة لها ولا غاية ولا هدف لها إلا من خلال قراءات تخرجها عن مقاصدها تارة ،وتضرب بها عرض الحائط تارة أخرى .
فالنص الذي يطلب منا إثبات مقصد الحرية قد يكون على خلاف ذلك ، فيمكن أن نفهم منه ( العبودية ) ؟! والنص الذي يدعو إلى مقصد حفظ النفس قد يكون يريد ازهاقها وهكذا ….
فنحن أمام فوضى تنزف دون توقف حتى على مستوى الغايات والأهداف .

*متخصص في الفلسفة والعقيدة الإسلامية .

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...