“ميثاق مباديء” وجدل تدبير الشأن الديني

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم/ التجاني بولعوالي

 

يواجه المسلمون اليوم في الغرب عامة وفي أوروبا خاصة ثلاثة تحديات سياسية جوهرية فيما يتعلق بتنظيم الشأن الديني في بلدان الإقامة، وتتحدد في الشعبوية السياسية والتطرف الديني والتدخل الأجنبي.

لم تعد النزعة الشعبوية تقتصر على أحزاب اليمين المتطرف التي يتسم خطابها الإيديولوجي برفض المكون الإسلامي، والعمل الحثيث على إجلائه من المجتمعات الغربية. وتعتمد في ذلك مختلف الآليات القانونية والسياسية والإعلامية، حيث تضيق على الشريحة المسلمة عبر استحداث قوانين ضد الحرية الدينية والخصوصية الثقافية، وتوظف نفوذها السياسي لتهميش الحضور الأجنبي واعتباره دخيلا على الهوية الغربية ذات المشارب اليهودية والمسيحية والعلمانية، ويؤدي الإعلام دورا مفصليا في هذه المعادلة، حيث يقدم الإسلام بكونه خطرا وتهديدا وفوبيا. وما يسترعي النظر، أن بعض الأحزاب اليمينية التقليدية بدأت في العقدين الأخيرين تتبنى جوانب من رؤية اليمين المتطرف مغلفة إياها بخطابها الليبرالي، حتى توهم المجتمع بأن شغلها الشاغل هو الحفاظ على تماسك المجتمع وتلاحمه وتعدديته.

ولا يمكن أن نستوعب الصعود الملحوظ للحركة الشعبوية كما تمثلها أحزاب اليمين المتطرف بشكل علني، ويبطنها شق من اليمين المحافظ، إلا باستحضار العامل الذاتي الذي يتعلق بالمسلمين أنفسهم في السياق الغربي، وبطبيعة أدائهم في المجتمع والعمل والتعليم، وبكيفية تعاطيهم مع ثقافة بلدان الإقامة التي صاروا يشكلون جزءا لا يتجزأ منها. وتسهم طائفة من المسلمين في تقديم صورة خاطئة حول الإسلام جراء تأويلها المنحرف لمجموعة من النصوص الدينية، ما يترتب عنه القيام بممارسات متطرفة وعنيفة تتلقفها وسائل الإعلام، ويوظفها السياسيون الشعبويون للإساءة إلى المسلمين، وزرع الرهاب مما هو إسلامي.

ثم إن تدخل بعض الدول المسلمة لاسيما في تسيير الشأن الديني المتعلق بالمسلمين في أوروبا والغرب بدأ يعمق مخاوف الحكومات الغربية من تنفيذ أجندات سياسية أجنبية عبر أراضيها من جهة، ويؤثر بشكل سلبي على طبيعة التدين لدى بعض المسلمين من جهة أخرى، الذين يظلون منفصلين عن السياق الذي يعيشون فيه، ولا يراعون الشروط الجديدة التي تقتضي فقها مقاصديا واقعيا لاستيعاب شتى النوازل والمستجدات.

ولعل تضافر هذه التحديات السياسية وغيرها أفضى إلى ظهور مواقف جديدة سواء على المستوى الداخلي لدى المسلمين أنفسهم، أو على المستوى الخارجي لدى الجهات الرسمية والتيارات الشعبوية. ولا يمكن تفكيك بعض المبادرات الأوروبية الرسمية بخصوص تنظيم الشأن الديني للمسلمين إلا في خضم هذا المخاض المعقد، حيث المسلمون يشعرون بممارسة التضييق القانوني والواقعي عليهم من قبل بعض السياسات الغربية، والشعبويون يزعمون أن مجتمعهاتهم باتت مهددة بصعود المد الإسلامي؛ ديمغرافيا وإيديولوجيا، وبعض الجهات الرسمية تروج أن الأنموذج العلماني والليبرالي أصبح معرضا للتفكك والتسيب والترهل أما التلون العرقي والعقدي والإثني الذي يشهده المجتمع الغربي، وخير دليل على ذلك الحالة الفرنسية، حيث رأى الرئيس ماكرون في “الإسلام” عامل تشطير لتماسك المجتمع الفرنسي العلماني. لذلك، سارع إلى تقنين المجال الإسلامي وضبطه ومراقبته داخليا وفي علاقته مع الخارج. ولعل ميثاق مباديء يندرج في هذه العملية، التي تسعى إلى إعادة ترتيب الشأن الديني للمسلمين وفق الأنموذج العلماني الفرنسي، ليس عبر تأكيد المسلمين على علمانية الجمهورية الفرنسية فقط، بل على تبني جملة من مبادئها، كالمساواة بين الرجل والمرأة، وعدم توظيف الدين لأهداف سياسية، والقطع مع ما هو أجنبي.

ويبدو من القراءة الأولى لبعض مباديء الميثاق، كما تناقلها الإعلام، أنه لا يمكن أن ينطبق إلا على شريحة جد صغيرة من المسلمين، لأن الدين الإسلامي لا يقر في الأصل بـ “لامساواة” الرجل والمرأة، بل العكس جاء ليحرر المرأة من العبودية التي كانت عليها، واستمرت في المجتمعات الغربية إلى زمن غير بعيد. وما يسود بين أوساط بعض المسلمين إنما هو نتيجة ما هو ثقافي أو مترتب عن التأويل المسف للنصوص الدينية. ثم إن الحدود بين الدين والسياسة واضحة في القرآن والتشريع الإسلامي، وتوظيف الدين لما يفسد المجتمع ويهدد الاستقرار يتعارض مع روح الإسلام، الذي جاء بمقصد الإعمار والتعايش والتعاون. وأغلب المسلمين في فرنسا وخارجها يدركون أن الأزمة التي تحدث عنها الرئيس ماكرون لا تتعلق بالإسلام نفسه، بل ببعض المسلمين الذين يعيشون خارج السياق.

ولعل مجلس الديانة الإسلامية لم يجد من حيث المبدأ في هذا الميثاق ما يتعارض مع الإسلام، الذي يقر بمساواة الرجل والمرأة، ويحظر استغلال الدين، ويرفض الإرهاب، لذلك فإنه استجاب لهذه المبادرة بعد مدارسة لها في ضوء المنظور الإسلامي. ثم إن هذا التبني لـ “ميثاق مباديء” لا يجب تأويله من خارج السياق الفرنسي والأوروبي، وقراءته في انفصال عن المنظومة العلمانية التعددية الفرنسية، التي تتعاطى مع التنوع الثقافي والديني في ظل شروطها التاريخية والقانونية والسياسية. وهذا لا يعني إنكار الضغط الإيديولوجي على الشريحة المسلمة، الذي يحضر بشكل أو بآخر في مختلف البلدان الأوروبية والغربية، بل أيضا في بعض البلدان العربية والمسلمة التي تتبنى النهج العلماني.

في المحصلة، إن النظام العلماني الذي تتبناه معظم البلدان الغربية، بشكل يتفاوت من سياق إلى آخر، هو بمثابة المرجعية القانونية التي تخضع لها كل مكونات المجتمع، فهي لا تتعلق بشريحة دون أخرى، بقدرما تغطي الجميع. وهذا ما ينطبق على مسلمي فرنسا الذين يعتبرون فرنسيين يتمتعون بمواطنة كاملة، تضمنها لهم العلمانية نفسها، وهذا في الحقيقة مكسب إيجابي يطمئن له الجميع. غير أن العلمانية قد توظف أحيانا بشكل سلبي ضد المكون الإسلامي، عبر سن قوانين حظر الحجاب في التعليم، ومنع الذبيحة الشرعية، ومحاصرة بناء المساجد، وغيرها. ويبدو أن المخاض الذي تشهده فرنسا منذ مدة لا يشكل إلا سحابة صيف عابرة، ساهمت وسائل الإعلام في إبرازه بشكل مضخم وأحيانا مبالغ فيه، خصوصا وأن هناك بلدانا، مثل بلجيكا على سبيل المثال لا الحصر، يشهد فيها تدبير الشأن الديني الإسلامي نقاشا سياسيا حادا وعجعجة إعلامية مثيرة، إلا أنها لم تستقطب متابعة إعلامية هائلة كما يحصل في الجارة فرنسا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...