قراءة في الديبلوماسية الجزائرية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*سعيد الغماز

 

 

الديبلوماسية هي علم العلاقات القائمة بين مختلف الدول الناتجة عن المصالح المشتركة. وهي كذلك مجموعة المفاهيم والقواعد والإجراءات والأعراف الدولية التي تُنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية. فإلى أي مدى تنطبق هذه المفاهيم على الديبلوماسية الجزائرية؟

ارتبطت الديبلوماسية في الجارة الجزائر بشكل كبير بحدث المسيرة الخضراء التي استرجع بها المغرب أراضيه الجنوبية. فمنذ 1975 والجهد الديبلوماسي الجزائري مُكرس ضد الوحدة الترابية للمملكة المغربية، في موقف شاد وغريب من دولة جارة تسعى لتفتيت المغرب العربي في وقت تبحث فيه دول العالم عن التكتلات بكل أصنافها، اقتصادية واستراتيجية ودفاعية…فالدول المعزولة أو التي تعيش في محيط مضطرب تكون دولا ضعيفة بل لا مستقبل لها في عالم التحالفات. وإذا استحضرنا مُشترك التاريخ واللغة والدين والجوار والمصير المشترك، فإن الموقف الجزائري يزداد غرابة عند كل متتبع للمنطقة المغاربية.

يمكن أن نتحدث عن مرحلتين في تاريخ الديبلوماسية الجزائرية:

مرحلة أولى تميزت بدينامية كبيرة على المستوى الافريقي، لكنها وجدت صعوبات كبيرة على المستوى العالمي وخاصة أوروبا وأمريكا. فعلى المستوى الافريقي، حققت الجزائر خلال هذه الفترة اختراقا ناجحا في القارة الافريقية انتهى بإعطاء كرسي العضوية للبوليزاريو في منظمة الاتحاد الافريقي (منظمة الوحدة الافريقية سابقا) وانسحاب المغرب من هذه المنظمة. اختراق الديبلوماسية الجزائرية لمنظمة الاتحاد الافريقي لم يكن بسبب قوة هذه الديبلوماسية، وإنما كان مرده لأسباب خارجية وعوامل مساعدة للنظام في الجزائر يمكن أن نجملها في أربعة أسباب: السبب الأول يكمن في دور ليبيا القذافي القائم على ديبلوماسية توزيع الأموال لتقوية الدور الليبي في القارة الافريقية. وهو المعطى الذي استفادت منه الجزائر وجعلها تبدو كدولة تابعة لديبلوماسية ليبيا القذافي ولا تتوفر على ديبلوماسية خاصة بها. السبب الثاني هو موجة الأنظمة التابعة للمعسكر الشرقي التي سادت في القارة السمراء خلال هذه الحقبة من التاريخ. السبب الثالث هو تقاسم تلك الأنظمة للعقيدة العسكرية مع النظام الجزائري، حيث أنها دول معرضة بشكل متواصل للانقلابات العسكرية. السبب الرابع هو انسحاب المغرب من منظمة الاتحاد الافريقي تاركا المجال للجزائر بالتحرك بكل حرية تحت قيادة ليبيا القذافي.

في هذه الفترة، لم تستطع الديبلوماسية الجزائرية تحقيق نفس الاختراق الافريقي في المنتديات العالمية وخاصة أمريكا وأوروبا وجامعة الدول العربية. هنا يتضح ما قُلناه سابقا، من أن التفوق الجزائري لم يكن مرتبطا بديبلوماسية منظمة وقوية، بقدر ما كان مرتبطا بظروف وعوامل خارجية مساعدة. فعلى الصعيد العالمي، ديبلوماسية الجزائر القائمة أساسا على مواجهة الوحدة الترابية للمملكة المغربية، لم تستطع أن تحقق أي اختراق لأنها وجدت في هذه المنتديات العالمية، ديبلوماسية مغربية منظمة وقائمة على أسس علمية وتحالفات متينة. كما أن العوامل الخارجية التي ساعدت الديبلوماسية الجزائرية في القارة الافريقية، لم تكن تتوفر في المنتظم الدولي ولا في الفضاء العربي. وهو الأمر الذي دفع بجنيرالات الجزائر إلى استعمال أموال البترول والغاز لشراء اللوبيات والنخب السياسية في المنتظم الدولي كما كان يفعل الراحل معمر القذافي مع الدول الافريقية التابعة له. نفس الانحسار شهدته الديبلوماسية الجزائرية في جامعة الدول العربية. لذلك نجد أن الجزائر في هذه المرحلة، اقتصرت دينامية ديبلوماسيتها على المنتظم الافريقي فقط.

المرحلة الثانية: خلال هذه المرحلة، ستجد الجزائر نفسها أمام ديبلوماسية منظمة ومبنية على أسس متينة، قام المغرب ببنائها في القارة الافريقية، كما هو شأنه في العالم العربي والمنتظم الدولي. وهي ديبلوماسية إفريقية قائمة على أساس التعاون المشترك لينجح الجميع على أساس تعاون جنوب-جنوب وفق منطق رابح-رابح. وقد نجحت المملكة المغربية في نموذجها الديبلوماسي الجديد، وحققت اختراقا كبيرا غير مسبوق. في هذه المرحلة، عرفت الديبلوماسية الجزائرية تراجعا خطير نتيجة اندثار العوامل المساعدة، والصعود القوي للديبلوماسية المغربية.

أمام هذا الوضع الجديد، أصبحت الديبلوماسية الجزائرية ضعيفة وتتعرض لانتكاسات متتالية، ولعل أبرز هذه الانتكاسات سحب كثير من الدول الافريقية اعترافها بالبوليساريو، واصطفافها إلى جانب الطرح المغربي. بل أكثر من ذلك، حسمت هذه الدول بشكل نهائي خياراتها الخارجية وشرعت في فتح قنصلياتها في مدن الصحراء المغربية خاصة مدينتي العيون والداخلة. ومما عمق ضعف ديبلوماسية الجنيرالات في الجزائر، اعتمادها على الشروط الخارجية وليبيا القذافي بدل البناء العلمي القائم على التحالفات والمصالح المشتركة كما فعلت المملكة المغربية. فأصبحت الجزائر غير قادرة على الفعل الديبلوماسي حتى في القضايا التي تمس حدودها، وأخص بالذكر مالي وليبيا، حيث أصبحت الديبلوماسية المغربية حاضرة بقوة في هذه البلدان رغم أن المغرب لا تجمعه حدود برية معها.

في المحصلة، لم يستطع جنيرالات الجزائر تطوير أدائهم الديبلوماسي، وسياسة الريع وشراء اللوبيات بالغاز الجزائري، لم تصمد أمام الديبلوماسية المغربية القائمة على أساس التعاون المشترك. لم يعد المغرب لمقعده في منظمة الاتحاد الافريقي إلا بعد أن نجح في اختراق ديبلوماسي كبير أضعف الديبلوماسية الجزائرية واللوبيات المستفيدة من أموال الشعب الجزائري. وهو ما لاحظه العالم من خلال الاستقبال الكبير الذي حظي به ملك المغرب في أول حضور له في اجتماع القادة الأفارقة.
على الصعيد الدولي، عرفت الدبلوماسية الجزائرية تراجعا كبيرا مرتبطا بتراجع عائدات البترول والغاز وعدم قدرة النظام الجزائري على مواصلة شراء اللوبيات في المنتظمات الدولية.

أمام هذا الواقع الجديد، يمكن أن نقول بكل يقين إن جنيرالات الجزائر لم يبق لهم من خيار سوى الانصات للتحولات التي يشهدها العالم والمتمثلة في التكتلات والتجمعات الإقليمية والتحالفات الاستراتيجية. لم يعد من خيار أمام نظام الجزائر سوى العمل من أجل بناء المغرب العربي، وهو تكتل تحتاجه كل مكونات الاتحاد المغاربي من أجل مواجهة التحديات التي تواجهها كل دولة على حدا، وعلى رأس هذه الدول، الجزائر إن أراد الجنيرالات خدمة البلاد والعباد وإنقاذ بلدهم من التحديات والأزمات التي تمر منها.

لقد قدمت المملكة المغربية للجار الشقيق، هدية ثمينة لإنقاذ وضعيته، باقتراح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية في إطار السيادة المغربية، وهو ما يتماش مع جوهر ديبلوماسية المملكة المغربية القائمة على أساس تعاون جنوب-جنوب يكون الرابح فيه الجزائر والمغرب وباقي دول المغرب العربي. وهي الديبلوماسية التي حققت نجاحا باهرا في القارة الافريقية، وجنيرالات الجزائر يعلمون ذلك جيدا. ولعل أبرز مثال لنجاح ديبلوماسية جنوب-جنوب التي أرسى دعائمها المغرب، تخلي الحليف الأساسي للجزائر دولة نيجيريا عن أنبوب الغاز الذي عرضته الجزائر على حليفتها مند 2002. فيما وافقت نيجيريا على المشروع المغربي الذي يعرف تقدما ملموسا نحو الإنجاز رغم العراقيل، فيما ظل المشروع الجزائري حبرا على ورق ومشروعا للاستهلاك الإعلامي فقط.

الانتكاسات التي عرفتها الديبلوماسية الجزائرية سواء على الصعيد الافريقي أو العالمي، جعل جنيرالات الجزائر يفقدون أعصابهم ويبالغون في خطابات الحرب والبلاغات العسكرية. ذلك هو سقف التفكير العسكري، والنخبة السياسية الجزائرية تعلم أكثر من غيرها أنها بلاغات في فراغ، وأن الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر منها البلاد، وتراجع عائدات البترول والغاز، تجعل من النظام الجزائري غير قادر حتى على الاستمرار في تمويل بندقيات الصيد التي يستعملها الانفصاليون، وبالأحرى خوض معركة مع دولة آمنة في حدودها وتشتغل بثبات على الاقتصاد وتنمية البلاد.

يُعَرِّف معجم أوكسفورد الديبلوماسية على أنها “علم رعاية العلاقات الدولية بواسطة المفاوضات”. فهل يفهم جنيرالات الجزائر أن الديبلوماسية هي أولا وقبل كل شيء علم وليست إهدارا لأموال الشعب لشراء اللوبيات، وأنها مفاوضات وتفاهمات، وأن أحاديث الحرب واستعراض الجيوش في وسائل الاعلام هو عنوان الديبلوماسية الفاشلة.

*كاتب وباحث

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...