أحمد براو
– مواقف تتكرر سنويا مع إحياء “يوم الذاكرة”
غالبا في كل سنة مع تخليد ذكرى “الهولوكوست” أو المحرقة اليهودية يجد المغاربة أنفسهم حائرين بين تيارين وموقفين: أولهما تيار إنكاري مؤمن بنظرية المؤامرة يعتبر ان هذه الذكرى الأليمة جد مبالغ فيها وقد اختيرت بطريقة ذكية من طرف الصهيونية والماسونية العالمية لاستغلال تظلمات اليهود في العالم وخصوصا في أوروبا إبان الإضطهاد في الفترة النازية والفاشية، وذلك بغية إنشاء كيان لهم على أنقاض الشعب الفلسيطيني العربي المسلم ولاحتلال الأراضي المقدسة وتدنيس القدس الشريف والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، وتكوين دولة خاصة باليهود وبناء الهيكل المزعوم.
فيما يعتبر الصنف الآخر من المغاربة أن اليهود كغيرهم من الديانات السماوية يعتبرون أهل كتاب ولهم حقوق حسن المعاملة والجوار ولهم كامل الحق في ممارسة شعائرهم، وأنهم كالمسلمين الذي عاشوا معهم في الأندلس وتعرضوا لأبشع جرائم محاكم التفتيش والإضطهاد الديني، بحيث اختاروا اللجوء للمغرب الإسلامي وأصبحوا مغاربة بكل ما تعني الكلمة من معنى وأن من بقى منهم في أوروبا تعرضوا لعدة أصناف من الإضطهاد والتمييز والتطهير العرقي والديني َخصوصا في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وبالتالي يبادلونهم نفس الشعور من الألم والحزن عند تخليد هذه الذكرى “الشوهة” “La shoah”.
– تاريخ اليهود في الأندلس والمغرب الإسلامي
يعتبر الكثير من المؤرخين وحتى اليهود ذاتهم أن مرحلة وجودهم بالأندلس والمغرب الكبير هي المرحلة الأرقى تاريخيا بالنسبة لهم، والتي وفرت لهم فرصة ازدهار غير مسبوق في العلوم والفنون والسياسة والاقتصاد وفن العيش، وحتى في الجوانب الدينية الروحية. فالكل يعرف أن المغرب الإسلامي والأندلس أنجب ثلة من العلماء والمفكرين العبرانيين اللامعين، كموسى بن ميمون، ويهوذا اللاوي، وابن جبرول، ويهوذا التاهرتي، والسياسي الغرناطي يوسف بن النغريلة، وكان المغرب الذي نعرفه اليوم جزءا من كل هذا المجال الحضاري الإسلامي الغربي.
وعندما انهار حكم المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، في الأندلس، غادرت غالبية يهود هذه البلاد، حسب المستطاع، إلى المنطقة المغاربية مع المسلمين ليستقروا بها نهائيا، في مدن فاس ومكناس وسجلماسة وسلا والصويرة وغيرها من المدن والقرى المغربية. وكان عدد هؤلاء، اللاجئين والمهاجرين والمطرودين قسريا، كبيرا إلى حد أنهم فاقوا على الطوائف المغربية عددا ورزقا وثقافة، حتى أصبحت الديانة اليهودية في المغرب، كما في الجزائر وتونس وليبيا، تطغى عليها الثقافة اليهودية الأندلسية.
-التواجد اليهودي في المغرب نموذج تعايش وإثراء ثقافي.
وتشير بعض الدراسات التي تغوص في تاريخ الوجود اليهودي بالمغرب، وهو تاريخ قديم، أن أصل تسمية الملاح يعود لأول حي يهودي تم بناؤه في مدينة فاس، عاصمة المغرب لقرون، وقد أطلق على الحي اسم الملاح في عهد الحكم المريني في القرن الخامس عشر، قبل أن يعمم على كل التجمعات اليهودية التي ستقام بالمغرب لاحقا.
ومن حيث شكلها الهندسي، كانت أحياء الملاح محاطة بالأسوار ولها عدة منافذ، كما تميزت بمنازلها المتداخلة وكثرة المحلات والأسواق. أما جغرافيا؛ فكانت تلك الأحياء تقام، غالبا، بالقرب من قصور ومراكز السلطة، حيث كان الحكام يعتمدون على مهارة اليهود في صناعة الحلي والمجوهرات والتجارة والمضاربة بالأموال.
كما أن وجود أحياء الملاح بالقرب من قصور السلطة كان “يوفر لهم الحماية من أي مخاطر قد يتعرضون لها” بحيث كان السلاطين والحكام المغاربة يحرصون على حمايهم ويضمنون لهم ممارسة شعائرهم بكل حرية داخل الملاح، لتمتعهم بوضعية أهل الذمة التي مكنتهم من الاستقلال النسبي في تسيير تجمعاتهم.
ورغم أن أحياء الملاح، شكلت نموذجا للخصوصية اليهودية، خاصة فيما يتعلق بالجانب الديني، فإنها اعتبرت بمثابة مؤسسة سكانية واقتصادية مشتركة بين اليهود والمسلمين، حيث ضمت تلك الأحياء منازل المسلمين، وقد كانت المعاملات التجارية والإنسانية مشتركة بين معتنقي الدينين الإسلامي واليهودي.
علاقة المغاربة باليهود حاليا
من هنا لابد من الإشارة أن المغاربة في الوقت الحالي رغم ما يكنونه من عداء ل”إسرائيل” وينتقدون بشدة ممارسات الإحتلال ضد الشعب الفلسطيني فهم يعلمون جيدا أن هناك جالية يهودية جد قوية وكبيرة من إثنية السفارديم أو يهود الشرق وأن لازال لهم تعلق كبير بالوطن الأم المغرب ويكنون ولاءا للدولة وللملكية وللراية المغربية، ولا ينسون الموقف الإنساني النبيل للمرحوم الملك محمد الخامس عندما رفض وبشدة ترحيل 240.000 يهودي للنازيين من المغرب في عهد الحماية الفرنسية، وفي موقف كذلك ينم على العلاقة الأخوة بين المغاربة والجاليات اليهودية تبنت وزارة التربية الوطنية في المغرب إدخال مواضيع تتعلق بتدريس المحرقة، والثقافة اليهودية كمكون أساسي للثقافة المغربية للطلاب المغاربة.
وفي خطاب لجلالة الملك محمد السادس يؤكد : “وبصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم.
ومن عادات اليهود المغاربة أنهم ينظمون رحلات وسفريات كل سنة لزيارة عائلاتهم في المغرب وإحياء بعض المواسم والمناسبات الدينية ولزيارة موتاهم و أضرحة أحبارهم الموجودة بكثرة في مختلف المدن المغربية.
فعدم قبول المغاربة للظلم والإحتلال واغتصاب المقدسات – خصوصا القدس لما لها من قيمة راسخة بالنسبة للمغاربة وجود “باب وحارة بإسم المغاربة” ويعتبر الملك هو رئيس لجنة القدس في منظمة التعاون الإسلامي- كل هذا لا يعني أن المغاربة لا يشاطرون اليهود آلامهم وذكرياتهم وخصوصا “ذاكرة المحرقة” السيئة السمعة ويدينون أشد الإدانة لهذا النوع من التمييز الذي أدى إلى معاناتهم واحتجازهم في مخيمات وتهجيرهم وتقتيلهم بشتى أنواع القتل، بحيث أصبحت جزءا من تاريخهم الحاضر وتداخلت في ثقافتهم وكتاباتهم وحكاياتهم وأفلامهم وأصبحوا يحيون هذا اليوم وفي كل سنة باعتراف منظمات عالمية تدعو إلى تذكر هذه الذكريات الأليمة التي أحدثتها الفاشية والنازية والعنصرية البغيضة التي تؤدي إلى الخوف و الكراهية والتطرف ثم إلى معاداة السامية وبالتالي إلى تنفيذ سياسات وإجراءات تمييزية وتشن حملات منظمة قد تصل إلى التضييق و الإيذاء الجسدي والخطر على حياة الأشخاص وممتلكاتهم..





